الرئيسية| التسجيل| الإحصائيات| قائمة الأعضاء| بحـث| آخر المشاركات| قوانين المنتدى| الاسئلة الشائعة| اذاعة القراءن الكريم|

استرجاع كلمة المرور     التسجيل في المنتدى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهلا بك عزيزي الزائر



    آخر المواضيع :


http://www2.0zz0.com/2014/12/06/22/508506600.jpg

منتديات الفقيه » دراســـات علمية و أطروحات للماجستير و الدكتوراة » الفرد والمجتمع والثورة في عصر المعلومات

رد جديد موضوع جديد
وصف الموضوع :د. أكرم حجازي
الكاتب طباعة الموضوع  |  إرسال الموضوع لصديق  |  أخذ نسخة من الموضوع  

رشاد الفقيه

المشرف العام



الهوية الشخصية
رقم العضوية : 1
المشاركات : 10426
الزيارات : 2049
الانضمام : 7/5/2007
النوع : ذكـــــر
الحالة : غير متصل








الجمهورية اليمنية

جامعة تعز/ كلية الآداب – قسم علم الاجتماع



بحث بعنوان:
الفرد والمجتمع والثورة في عصر المعلومات

(مجلة جامعة الزرقاء للبحوث والدراسات ( محكمة)، جامعة الزرقاء الأهلية، الزرقاء – الأردن، المجلد السابع، العدد الثاني، شوال 1426 – كانون أول 2005)
(ص 139 - 157)




د. أكرم حجازي








ملخص بحث خمسة مقاربات اجتماعية في الفضاء السيبيري

يندرج هذا البحث في إطار ما يمكن تسميته قريبا بعلم الاجتماع الرقمي. وهو يطرح خمسة مقاربات اجتماعية تتعلق بمكانة الفرد والمجتمع والدولة وعلم الاجتماع في إطار انفجار عدة ثورات علمية غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية كالثورة المعلوماتية والجينية والاقتصادية، ولكنه ينطلق من الثورة الرقمية باعتبارها ستضع الفرد في عالم افتراضي عبر تقنيات الحوسبة ووسائل الاتصال بمواقع وهمية تجعله موجودا في إطار اللامكان واللازمان في آن واحد.
لذا يتساءل البحث عن دور علم الاجتماع ونظرياته التي صيغت كغيرها من العلوم الإنسانية والاجتماعية في إطار المجتمع الواقعي، وعن واقع الفجوة الرقمية في العالم العربي، كما يتساءل عن مصير الفرد والمجتمع وحتى الدولة في الإطار السيبيري أو العلوم الرقمية. ويحاول البحث تثبيت بعض الحقائق المتعلقة بتعريف المجتمع الرقمي باعتباره، أولا وآخرا، ظاهرة ناجمة عن المجتمع الواقعي.

Summery for research


This research considers what could be called soon digital sociology. It discusses five social affinity related to individual position, society, the state and sociology taken in the consideration the big blow up of science revolution as ever happened in the human being history as informational genetic and economical revolution. But it is start from the digital revolution since it will place the individual in assumptive world through the techniques of the computers means of communication with illusive sites that's makes him existing in the frame no place, no time simultaneously.
Thus the research asks for the role of sociology and it's theories which we've formed as the other human and social sciences with the realistic society and about the situation of the digital gab in the Arabic world, also it is inquiring about the destination about individual, the society and even the states in the Cyberspace or the digital sciences.
The research attempts to prove some facts regarding the definition of the digital society since it is in the beginning and at the end a phenomenon resulted from the realistic society.


الفرد والمجتمع والثورة في عصر المعلومات


مقدمة
ثمة أسطورة إنسانية قديمة لعلها يونانية، على الأغلب، تعتقد أن الكرة الأرضية مستقرة ومتوازنة دون حراك في الوقت الذي ترتكز على قرن ثور واقف، ولكن ما أن يشعر الثور بالتعب أو التململ حتى يأخذ بالتهيؤ لحركة أو اهتزاز ما تخفف عنه وِزر ما يحمل أو يتجه نحو حركة جذرية فينقل الأرض على القرن الثاني لتتسبب بين الفينة والأخرى بوقوع الظواهر الطبيعية المدمرة كالزلازل والأعاصير وغيرها، ولعلها مفارقة أن نقارب حالة الكرة الأرضية، ونحن نعيش ثورات علمية ومعرفية فريدة في التاريخ الإنساني، بأطروحات ميتافيزيقية، أليست الكرة الأرضية مرتكزة اليوم، بما يشبه تبادلا بالأدوار الوظيفية، على جهاز الحاسوب؟ ألا يؤدي خلل تقني أو فني بتوقع كوارث إنسانية بما أن العالم اليوم يجري ربطه من أقصاه إلى أقصاه وحتى ما بين أعماقه الجيولوجية والفضائية بواسطة الحاسوب بما يوحي باضمحلال متغيري الزمان والمكان؟ ولنتساءل ببساطة: ماذا لو توقف الحاسوب عن العمل؟ فهل ستستأنف البشرية حياتها كما لو أن شيئا لم يحدث؟ وإلى أي مدى ستقودنا الصناعات الثقيلة لتكنولوجيا الاتصال والمعلومات؟ أي مجتمع وأي نظام وأي إنسان ستخلفه العلوم الرقمية؟ وما هي مكانة العالم العربي من هذه العلوم؟ الحقيقة أنه ثمة عشرات التساؤلات التي تتدافع مخلفة وراءها فيضا آخر من التساؤلات بلا توقف وبلا رحمة. وقبل الإجابة عن بعضها يحسن بنا تأطير هوية هذا البحث:
• فهو بحث يندرج في إطار مقولة الباحث الفرنسي جان كلود غيبو المهتم بالعلوم الرقمية والذي يعتبر النشاط الإنساني الرقمي هو عملية تدريب صعبة على المفاهيم الافتراضية التي نعيشها في عالمنا الراهن.
• كما يندرج فيما يسميه البعض بعلم المستقبليات؛ وهو علم حديث لا شك أن لكل العلوم الأخرى ذات الطابع الإنساني سيكون لها حصة معتبرة فيه وعلى الأخص ما يمكن تسميته بعلم الاجتماع الرقمي في هذه اللحظات الثمينة من الزمن بما أن ما يجري من تحول غير مسبوق في تاريخ البشرية هو نوع مختلف عما أسماه كارل مانهايم في يوم ما من منتصف القرن20 بالقطيعة الابستيمولوجية تعقيبا على حالة البشرية بعد الثورة الفرنسية 1789 والتي غيرت وجه أوروبا والعالم بانتقاله من مراحل التفكير الماورائية إلى مراحل التفكير العقلية واحترام الإنسان كصاحب عقل مبدع ينبغي أن يُدعى للقيام بدوره ومسؤولياته.
هكذا، على الأقل، فنحن، إذن، على مشارف قطيعة معرفية تامة مع الماضي. فالرقمية، عبر وسائلها التقنية ومناهجها، باتت تشكل منذ الآن الحد الفاصل بين الحاضر والمستقبل، وكما يقول أحد الباحثين: " فلو تموقعنا في أية نقطة زمنية لاحقة من القرون المقبلة لصار وقتنا الحالي لحظة مرجعية لإحدى أكبر الثورات التي عرفتها البشرية ... وشهود عيان لحدث تاريخي اجتماعي عظيم" (محمد اسليم أ rhttp://aslimnet.free.f). ومن المؤكد أن المجتمع وكذا الإنسان القادمين لن يعودا المتغيرين المعرفيين اللذين أنجبتهما عصور الميكانيكا في القرن19 أو الثورات الصناعية والتكنولوجية في القرن20. فمن يكونان إذن؟ وما هو محتواهما؟ وأي مستقبل ينتظر البشرية في العصر الرقمي القادم بسرعة تكاد تلغي الزمن؟

المقاربة الأولى: حالة علم الاجتماع
منذ ولادة علم الاجتماع الحديث في النصف الأول من القرن19 على يد العالم الفرنسي أوجست كونت مهر علماء الاجتماع في تعريف المجتمع والظاهرة الاجتماعية، ولئن كان لمفكري العقد الاجتماعي رأي في تكون المجتمعات منذ فجر التاريخ فقد حسمت الوضعية ابتداء من سان سيمون وكونت وإميل دوركايم الأمر باعتبار المجتمع ظاهرة طبيعية تتواجد بمعزل عن إرادة الأفراد وتنتج بفعل تفاعلهم وأنماط حياتهم ظواهر يمكن السيطرة عليها بشرط اكتشاف القوانين الخاصة بها. وفي هذا السياق كانت الماركسية محملة بثقل الاقتصاد بوصفه القانون الذي يفسر الصراع الاجتماعي على الدوام وقانون الحالات الثلاث لـ أوجست كونت الذي يفسر مراحل تطور البشرية وانتقالها من نمط تفكير ما ورائي إلى أخر عقلاني وقانون تقسيم العمل الاجتماعي لـ إيميل دوركيم الذي يفسر حالة المجتمعات البسيطة التركيب مقابل المجتمعات المعقدة التركيب. وغداة الكفاح المرير الذي خاضته المدرسة الدوركيمية، لتثبيت علم الاجتماع علما وموضوعا ومنهجا، تطورت النظرية الاجتماعية بمعدل عقد أو عقدين لميلاد النظرية الواحدة أو أقل من ذلك متجاوزة كثيرا الأطروحات الوضعية كما فعلت النظرية الوظيفية التي رأت في المجتمع عبارة عن أنساق تنعم بالاستقرار والتوازن، فالظواهر والبنى الاجتماعية كلها تؤدي وظائف لتحقيق الأمن الاجتماعي، وكذا الحديث عن الصراع الاجتماعي والحاجة إليه لتحقيق الوفاق بتعبير داهرندوف. ومع مطلع خمسينات القرن20 انفجرت سلسلة من النظريات الاجتماعية كتيار علم الاجتماع الدينامي الذي قاده ألن تورين ونظرته إلى المجتمعات من خلال مفهوم التاريخانية التي تميز كل مجتمع سواء كان متخلفا أو متقدما محملة إياه المسؤولية عن اختياراته. وكذلك تيار البنيوية التقليدية وما بعد التقليدية خاصة أبحاث العالم الفرنسي الراحل بيير بورديو.
كل هذه النظريات ظهرت بالتوازي مع التيارات الأنثروبولوجية التي اهتمت بعلم الإنسان وجعلت من ثقافته وعاداته وسلوكياته وقيمه ورموزه موضوعا لها، وتزعمها في حينه كلود ليفي شتراوس وراد كليف براون وبرونيسلاو مالينوفسكي ورالف لنتون وجورج هربرت ميد وتشارلز كولي وغيرهم.
والحقيقة أن معظم نظريات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا إن لم يكن جميعها بنيت وصيغت على أساس الجماعة وليس الفرد حتى لو كان الفاعل فيها فردا إلا نظرية واحدة نحتها عالم اجتماع فرنسي آخر هو ريمون بودون في أعقاب النقد الذي تعرضت له العلوم الاجتماعية والإنسانية في أربعينات القرن20 والذي قاده آنذاك الفيلسوف الراحل كارل بوبر على خلفية الحاجة إلى التنوع النظري ورفض الأطروحات الوضعية التي تحصر العلوم الإنسانية والاجتماعية في أطر نظرية جامدة تعرقل التطور العلمي والمعرفي. هذه النظرية تعرف بـ" الفردوية المنهجية " والتي تصر على اعتماد المناهج الفردية في علم الاجتماع وتفصح عن الظاهرة الاجتماعية باعتبارها منبثقة عن سلوك فردي وليس جماعي، إذ إن تفسير ظاهرة معينة يعني الأخذ بعين الاعتبار أنها نتيجة للأفعال الفردية. وهذه الأفعال هي المواقف والآراء والسلوكات (بيار أنصار،1992: 76 و79). هذه النظرية تبدو وكأنها تحاول إثبات ما ذهبت إليه منذ عقود لتقول ها هو الفرد يتمركز الآن في صدارة الفعل والاهتمام في العصر السيبيري " CyberAge ".
إن ما نعيشه في أيامنا هذه وسنعيشه في العقود اللاحقة إن لم تكن السنين القادمة هو عصر الإنسان/الفرد والمجتمع الافتراضيين اللذان يمثلان الآن بعضا من أبرز ظواهر العصر الرقمي. لقد خرج مؤتمر مدريد للسوسيولوجيا سنة1994 بنتيجة مؤداها أن السوسيولوجيا في خطر وفي أزمة كونها عاجزة الآن عن ملاحقة التسارع الكبير في التحولات الاجتماعية، فإذا كان كل شيء تغير أو في طريقه إلى التغير فهل سيكون بمقدور السوسيولوجيا ملاحقة ما ينتجه العصر الرقمي من ظواهر تمس صميم السوسيولوجيا كالفرد والمجتمع والعلاقات الاجتماعية؟ بل حتى التراث السوسيولوجي برمته؟ فما الذي باستطاعة السوسيولوجيا أن تفعله في مجتمع يتميز بوقع سريع للخطى غير معهود؟ ونحن في زمن التحول الجذري الذي بات يقاس ببضعة سنين وليس ببضعة قرون، فما الذي تحضر له السوسيولوجيا العالمية لهذا التحدي؟ أم أنها واقعة كغيرها تحت هول الصدمة؟ أسئلة نقترحها للتأمل دون الإجابة عنها في الوقت الراهن.

المقاربة الثانية: ثورات دونها كل الثورات

اتخذ مفهوم الثورة ومشتقاته السياسية (حركات التحرر الوطني) والعلمية (الحركات الاجتماعية) على الدوام صيغة سجالية ذات طابع أيديولوجي سواء من قبل المنظرين الليبراليين أو من قبل المنظرين الماركسيين. ولكن ثمة إجماع لدى الطرفين لاسيما الأميركي والأوربي- الغربي والشرقي- على أن الثورة هي حادثة اجتماعية يمكن أن يكون لها أثر إنساني ذو بعد تراكمي، وعلى هذا الأساس فالثورة كالعاصفة تقاس بالآثار التي تخلفها على أمة ما ومدى ما تقدمه من إسهام في خدمة البشرية. وبالمعنى المقترح؛ ثمة أربعة أو خمسة ثورات عالمية هي: الثورة الإنجليزية (1660) التي انطوت على حدث فريد تمثل بمحاكمة الملوك وإعدامهم بواسطة عامة الشعب. والثورة الأميركية (1775) التي استنت قاعدة جديدة في العلاقة بين الحكام والشعوب" لا ضرائب بلا تمثيل". والثورة الفرنسية (1879) التي جاءت بميثاق حقوق الإنسان والمواطن والذي أصبح ميثاقا عالميا. والثورة الشيوعية في روسيا(1917) التي شددت على أن المساواة السياسية بمعزل عن المساواة في فرص الحياة تعني أنها مجرد حق. والثورة الصينية (1949) التي قدمت فئات الفلاحين كرواد للنضال والحرب الشعبية طويلة الأمد(عبد الوهاب الكيالي،1986، سعد الدين إبراهيم وآخرون،1982: 8).
ومن الملاحظ أن كل واحدة من الثورات المذكورة مثلت واقعة اجتماعية وتاريخية وقومية ذات بعد إنساني ولكن تراكمي، وهذا يعني أن التغير الواقع هو تغير محدود، أي أن قيمته تتحدد بالإضافة إلى قيمة ما سبقه من تغيرات. ومع ذلك ظلت هذه الثورات متنافسة ومتخاصمة أو متجاورة في أحسن الأحوال ولم تمتزج في يوم ما بالرغم مما قدمته من مكاسب ومنجزات إنسانية جذرية للمجتمعات المتقدمة ونسبية للمجتمعات المتخلفة.
وفي إطار ثورة العلوم الرقمية أو ما يسمى بالفضاء السيبيري "CyberSpace" فنحسب أن هذا المفهوم تغير تماما وإلى غير رجعة. صحيح أن الثورات العلمية أشمل وأبعد تأثيرا من الثورات السياسية والاجتماعية وبالتالي يصعب المقارنة بين العلمي والسياسي، ولكن ما نحن بصدد الشهادة عليه في المستقبل القريب أننا نعيش ثورة هي الأشمل إنسانيا والأشد وقعا على الحضارة من أية ثورة سابقة علمية كانت أو سياسية أو النوعين معا حتى لو كانت الثورات الراهنة تشي باستحضار بعض ملامح القرون الماضية أو حتى تطويرها لميراث بغيض. فآثار الثورة الرقمية في طريقها إلى القضاء تماما على المفاهيم التقليدية والتي من بينها مفهوم الثورة ذاته لأن منجزاتها لم تعد تقاس لا بالحقوق ولا بالمكتسبات ولا بحجم مساهمة هذه الثورة أو تلك في تيسير الحياة الإنسانية وتحقيق سعادة الإنسان بل بتغير حضاري جذري على مستوى الإنسانية برمتها لا على جزء منها وكأننا على أبواب خلق جديد إما أن ننجح في معايشته وإما أن نسلم للأجيال الجديدة من الخلق الجديد.
وعلى هذا الأساس فـ " مصطلح ثورة المعلومات ليس هو ذلك المصطلح الذي يمكن الحصول على تعريف له بالسهولة التي يمكن أن تحدث بين الآلية التي يعمل بها ... وبين الفهم الإنساني لهذه الآلية، وبحيث يتوافق ... مع الطبيعة الثورية فيه. ولذلك سبب ... ممثل في مقياس الثورة التي جلبتها التقنية على البشرية بحيث اندفعت المعلومات... في طريق أو منطق اللاعودة ..." (عمر بن يونس ب، 2004: 15).
ومن المؤكد أننا في مرحلة الانفجار العلمي بمستوى يفوق حصيلة كل خيالنا العقلاني الذي سبق وأن خلفته الثورات العلمية التي أعقبت الثورة الفرنسية 1789، وبمستوى من " العمومية بحيث يكتسح بشكل كامل المجتمع الإنساني جميعه، ... فـ، ثورة تكنولوجيا المعلومات ]هي[ ثورة لا ينتهي مدها الثوري عند نقطة أو مرحلة معينة " (عمر بن يونس أ، 2004: 54-55 ) ، ببساطة لأنها لا متناهية ولأنها، وهو الأهم، ليست الوحيدة. ففي مقالة ثمينة لـ جان كلود غيبو يسبر فيها خطرا محدقا في الإنسانية ولاسيما في العالم الثالث جراء تفاعل ثلاث ثورات جديدة خارقة في عبورها للزمان والمكان، وهي:
1- ثورة العولمة، وهي الثورة الاقتصادية التي بدأت منذ القرن19 وانفجرت بعد انهيار الحرب الباردة والتي استطاع فيها الاقتصاد العالمي الإفلات من السلطة السياسية والركون فقط إلى معايير السوق.
2- الثورة المعلوماتية(الرقمية)، وهي الثورة التي سيهاجر فيها العالم إلى الفضاء الافتراضي أو الحيز الذي ولدته العلوم الرقمية مولدا قارة سادسة تنضاف إلى القارات الخمس.
3- الثورة الجينية، أو الهندسة الوراثية (جان كلود غيبو أ، 2000 ) والتي ولدت في في أعقاب الإعلان العالمي عن اكتشاف خريطة الحياة ( DNA ) أو أسرار الجينوم. ولنتبين أهمية هذه الثورة لنقرأ الفقرة التالية في مقدمة مؤلف "العصر الجينومي":
" في الخامس عشر من فبراير 2001م أنجزت البشرية أهم وأدق مشروع في تاريخها الطويل، هذا الإنجاز الذي يتعلق بسر الحياة ويصف الحروف التي كتبت بها قصة حياة كل فرد من أفراد المجتمع الإنساني ويكون الإنسان ولأول مرة في تاريخ وجوده قد ألتفت إلى نفسه للتعرف عليها والغوص في أعماقها". ومن طرائف هذه الثورة ما ورد في الفصل الرابع حيث نقرأ:
" من مشروع الجينوم البشري يبدو واضحاً أن البشر يتطابقون وراثياً فيما يعادل 99.9% ونقاط الاختلاف هي 0.1% فقط وهذا يعني أن هذه النسبة البسيطة في الاختلاف بالأحرف التي تشكل مادة الـ(د. ن. أ) هي التي تؤمن وتسبب التنوع الكبير في جماعات وأفراد الجنس البشري" (موسى الخلف، 2003).
4- وهناك ثورة رابعة يقول غيبو: أن أحدا لم يسمع عنها وسيباشر العمل فيها بعد خمس عشرة سنة وهي ثورة " النانو تكنولوجيا ". هذه التكنولوجيا سوف تمنحنا قدرة التأثير على المادة بذاتها، أي اللعب بجزيئياتها وإعادة صوغها وابتكارها ... إن هذه الثورة الرابعة ستكون صادمة أكثر من الثلاث الأولى(جان كلود غيبو ب، 2003 ).
وفي نقده لهذه الثورات، خاصة الثلاثة الأولى منها، يلحظ غيبو أن مشكلتها تكمن في كونها جميعا في حالة تفاعل وليست مستقلة كما أنها محكومة بقوانين السوق المدمرة التي تجعل من المادة بديلا عن أية قوانين أخلاقية، فهي غارقة بالمال وللمال ومن أجل المال. وفي تمثيله لبعض صور التفاعل هذه يتحدث عن ظهور ملمح يعيد الإنسانية إلى بعض ظواهر القرن التاسع عشر ويؤشر على تراجع تاريخي في مسيرة البشرية يتمثل بإعادة إنتاج أنماط السيطرة التقليدية وأن يبرر التخلي عن الديمقراطية ويؤسس لنزعات مضادة للإنسانية كعودة الاستعمار والعنصرية. وفي نفس السياق يطرح الباحث عدة تساؤلات تهم العالم الثالث على وجه الخصوص من نوع:
• " ألا تشجع التقنيات الإحيائية حاليا الفتح الاستعماري المتجدد؟
• ألا تنتج الهندسة الوراثية مع معدلات نموها وتقدمها النموذج "السوي" المفترض عنصرية من النوع الثالث؟" من خلال التدخل في الجينوم وإجراء التعديلات المرغوبة؟
• "ألا يمكن أن تعيد فرضية الاستنساخ البشري اختراع مقولات فكرية للعبودية؟
• ألا تهدد هذه الوضعية بالقضاء ليس فقط على الديمقراطية بل على إنسانية الإنسان؟" خاصة بعد تحويله إلى مجرد مادة يجري التلاعب بها بمقتضى قوانين السوق؟
وبعد أن يفصل القول في بعض هذه التساؤلات يجيب بل تردد: "العالم الثالث مهدد بميراثه الجيني المادي" (جان كلود غيبو أ، 2000). ويلاحظ غيبو أيضا أن البشرية كانت تحتاج إلى قرنين أو ثلاثة قرون للتغير الجذري ولكننا اليوم لا نحتاج لأكثر من عقدين وهو ما يؤشر على حالة الرعب والصدمة التي تصيب الناس من السرعة التي يجري بها التغير (جان كلود غيبو ب، 2003 ).
وفي واقع الأمر فما يبدو عصيا على الفهم والتصور ومثيرا للدهشة والصدمة ليس التحول بحد ذاته، وهو ما اعتادت عليه البشرية بقليل من الألم، ولا بسرعة التحول فحسب بل بمحتواه الذي يحتاج "إلى جيلين من الزمن كي نستوعبه" (جان كلود غيبو ب، 2003). وهذا التوصيف يُقدَّم لنا في الوقت الذي يتحفنا أحد رواد العلوم الرقمية بالقول: "أننا ما زلنا منها في مرحلة نزع القشرة"؟ (مصطفى أبو لبدة، 2004). فما الذي نستطيع تصوره لما نلج لب هذه العلوم؟ إذ حسب دراسة أعدتها جامعة بيركلي فإن ما ينتجه العالم سنوياً من أفلام ومطبوعات ومواد بصرية والكترونية يبلغ ما يعادل 5.1 بليون جيجابايت، أي ما يعادل 250 ميغابايت لكل شخص. ويساوي ذلك كومة ارتفاعها عشرة أمتار من الكتب لكل رجل وامرأة وطفل على سطح هذا الكوكب (أحمد مغربي،2003 ). المشكلة أن ما نحن في انتظاره أعظم من قدرتنا على التخيل، إذ يشير تقرير علمي سري قدم إلى الحكومة الفرنسية إلى أن طاقة الكومبيوتر ستتضاعف في السنوات القادمة إلى مليون أو مائة مليون مرة (جان كلود غيبو ب، 2003 ). فأي محتوى كامن لهذه الثورة التي نعيش بواكيرها؟
المقاربة الثالثة: مفهوم الرقمية" الديجيتال"
لعل مقاربة إجرائية قد تتيح لنا فهم مضمون الرقمية على نحو ما. ففي إطار مفهوم المادية التاريخية الذي صكه كارل ماركس لفهم حركية التاريخ والمجتمع افترض وجود بنيتين إحداهما تحتية تشمل قوى الإنتاج والأخرى فوقية تمثل كل ما تفرزه البنية التحتية من علاقات إنتاج تتمظهر في الأفراد والجماعات والمؤسسات والأفكار والمعارف والفلسفات ...إلخ بمعنى أن الحراك الاجتماعي يقع حصرا ما بين تفاعل هاتين البنيتين.
وما لدينا عن الرقمية يكاد يطابق ما فكر به كارل ماركس منذ زمن، بيد أن الاختلاف يكمن في اللغة المستخدمة، ففي حين تتواصل الإنسانية وتبني حضارتها بمنطق لغة الحروف والأصوات وما تخلفه من دلالات ومعاني ورموز وتصورات وتأويلات وتفسيرات وتنوع في المعنى فإن أجهزة الحاسوب على تنوعها واختلافاتها وتطوراتها إنما تشتغل بمنطق لغة الأرقام المجردة. فلغات الحاسوب في حالة الاتصال هي " أوامر يستقبلها ثم يحولها إلى أرقام بدء من مرحلة 0 – 1 وصولا إلى نظام الـ Bet / Byte / Mbyteو GByte، وفي حالة الإرجاع هي استقبال المعلومات في هيئة لغة يتعامل بها ويفهمها البشر" (عمر بن يونس أ، 2004: 33-34) الذين يبدو أنهم" يفضلون استخدام الحروف لكونها أبسط كثيرا في التعامل مع الذاكرة الإنسانية... في حين تفضل الحواسيب التعامل مع الأرقام أو أنها هي اللغة التي تفهمها بدقة متناهية" (عمر بن يونس أ، 2004: 51 /الحاشية2 ). بمعنى أن الأوامر التي تعطى للحاسوب بواسطة الحروف يترجمها هذا الأخير إلى أرقام تمثل نظائر للحروف وليست الحروف نفسها(حنا جريس وآخرون،2004: 130 ). فالرقمية هي إذن اشتغال بموجب نظام صارم 0 -1... ليس فيه للوسطية أو المرحلية أو التدرجية أي معنى أو حضور، وليس فيه تأويلات ولا تفسيرات مرنة فكل عمليات الحراك الاجتماعي والعلمي والمعلوماتي والأخلاقي والإنساني من غير المسموح لها أن تتحرك ولا حتى في نطاق الصفر – واحد، بل أن كل النشاطات الثقافية والاقتصادية والسياسية والمعرفية تنتج حاليا على قاعدة الصفر – واحد لتكون مخرجات هذا النظام الشاهد على البواكير الأولى لحضارة إنسانية غير معهودة.
ولو أسقطنا هذا النظام الرقمي على الحيوية الاجتماعية أو على مكونات "الحقل الاجتماعي" بتعبير بيير بورديو لتبين لنا أن ما هو متاح لنا غير قابل للتعديل أو التبديل أو التحريف أو العبث الأيديولوجي، فالحيز المتاح ليس غامضا ولا عاطفيا ولا يقبل المساومة ولا التدخل في طريقة الاشتغال، فهو إما أن يشتغل دون عوائق تذكر( on) وإما أن يتوقف كذلك ( off). هذا هو الاختيار الموضوع بين أيدينا وأمام ناظرينا للتفاعل مع كل الموجودات والتصورات والأخلاق والقوانين والعلاقات والتركيبات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والفن والجمال والطبيعة والمدينة والحي والدولة والمجتمع والأفراد والجماعات والسلوكات والمواقف والآراء والمعتقدات وأنماط التفكير والعلم والمعرفة.
وبتعبير عالم الاجتماع الألماني جورج زيمل، فإن كل الأشكال الاجتماعية وما يمكن اعتباره منذ اللحظة تقليديا ستتغير أو تتكيف مع المنهجية الرقمية للحياة في كل انسيابيتها، بل أن كل فعل اجتماعي بحسب تعبير ماكس فيبر سيتحول إلى فعل رقمي إن عاجلا أم آجلا. وبتعبيرات الوضعية بدء من أوجست كونت ومرورا بـ، إميل دوركيم وانتهاء بـ، مارسيل موس فالكلية الاجتماعية في طريقها إلى التعبير عن ذاتها بمنهجية رقمية.
وفي مثل هذه الوضعية حيث تهيمن علوم الرياضيات على كافة مناحي الحياة وتثبت المرة تلو المرة أنها أم العلوم قاطبة ماضيا وحاضرا ومستقبلا ستغدو الرقمية منهجا لقراءة مختلف الأفعال والسلوكيات والمنجزات والأفكار وكل الظواهر الاجتماعية والإنسانية فردية كانت أو جماعية. فالتخلف بمختلف مظاهره، وعملا بدقة الأرقام وحياديتها الصارمة، سيقع في خانة الصفر(off) بينما يوضع التقدم في خانة الواحد (on)، وكذا الأمر لو عاينا مقولات من نوع اجتماعي أو سياسي أو فكري أو حضاري كالأسياد والعبيد والفكر الميتافيزيقي والعقلاني أو الثورة والاستعمار أو الضعف والقوة، وفي هذا السياق من العقلية الرقمية ستغدو مقولات شهيرة مثل مقولة شكسبير( نكون أو لا نكون) وديكارت ( أنا أفكر إذن أنا موجود) وتصريح الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بعد هجمات 11 سبتمبر على نيويورك وواشنطن ( إما معنا أو ضدنا) هي، بامتياز، مقولات ذات طابع رقمي.
المقاربة الرابعة: الإنسان الافتراضي
يبدو الإنسان، بفعل سطوة العلم والتحول المستمرين، هو الوجه الآخر للمجتمع. وكلاهما مجرد ظاهرة نمطية قابلة للتشكل. ففي كل نمط اجتماعي اقتصادي في التاريخ الإنساني كنا نلحظ تلازما بين الفرد والمجتمع القائم، ففي المجتمع البدائي كان يقبع إنسان الصيد الخائف والمتوحش في نفس الوقت، ثم خلَّف المجتمع الإقطاعي- الزراعي الإنسان العبد، أما في المجتمع الصناعي فكان الإنسان الميكانيكي الذي يهتم بالتراكم الرأسمالي والعلمي ويستعيض عن قوته الجسدية بقوة الآلة، أما في مجتمع الثورتين الصناعية والإدارية في خمسينات القرن العشرين فقد ظهر الإنسان المنظم، وما هي إلا بضعة سنوات بالكاد تصل إلى العقد حتى ظهر الإنسان الصناعي المبرمج ثم تلاه الإنسان التكنولوجي وما بعد التكنولوجي وها نحن في عصر الإنسان الرقمي ومجتمع المعلومات. فهل يمكن القول أن " الإنسان الأخير" قضى على أطروحة المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما في كتابه الشهير " نهاية التاريخ والإنسان الأخير"؟ أم أنه هو ذاته الإنسان الافتراضي الذي روج له؟
لعله هو ذاته. وهو كالمجتمع أحد منتجات العولمة، وها هو فوكوياما يدلل على ذلك بمقالة حديثة له يقول فيها: " قبل 10 سنوات جادلت بأننا بلغنا "نهاية التاريخ" ولم أعلن بذلك أن الأحداث التاريخية قد تتوقف لكن ما عنيته هو أن التاريخ الذي يفهم على أنه تطور المجتمعات الإنسانية من خلال أشكال مختلفة من الحكومات قد بلغ ذروته في الديمقراطية الليبرالية المعاصرة ورأسمالية اقتصاد السوق"( فرانسيس فوكوياما، 2001). ولكن موقع هذا الإنسان لا تعني ماهيته حصرا فمن يكون؟
الإنسان الافتراضي هو ذاك الفرد الذي يقبع خلف جهاز الحاسوب في غرفة أو مكتب أو سيارة أو قطار أو طائرة أو مقهى انترنت متصفحا ومتجولا في أنحاء العالم والمواقع ومتواصلا مع عالم من الأفراد والجماعات والمؤسسات يفاوض ويحاور ويفتش عن المعلومات والمعرفة ويقضي احتياجاته دون أن يتحرك من مكانه. إنه بالحقيقة السيبيرية:
" أشبه ما يكون بالبرنامج الإلكتروني، فهذا الإنسان سيأكل ويشرب ويحب ويضاجع بطريقة رقمية، وهو سيعيش في مجتمع رقمي بالكامل، وسيعيش في مدينة مفترضة هائلة الضخامة مدينة واحدة تشمل العالم كله، وهذه المدينة موجودة في الخيال فقط، وهذا الإنسان لن يضطر أنْ يذهب إلى مكاتب ليزاول عمله، ولن يضطر للذهاب لمحلات تجارية ليشتري منها ولا إلى مطاعم ليأكل بها ولا إلى سيارات ليتنقل بها ولا إلى نواد اجتماعية ليقابل أصدقاءه بها... هذا الإنسان لن يضطر للذهاب إلى أي مكان، وذلك لأنه ببساطة موجود في كل مكان ..."
وسيصبح الإنسان الواقعي موضع تندر وسخرية عندما:
"سيجلس هذا الإنسان (الافتراضي) يوما ليكتب، أو يدردش مع أصدقائه ليقول، تصوروا أنّ إنسان الزمن الماضي كان يضطر للصحو في الساعة السابعة من صباح كل يوم ليذهب إلى عمله، وكان يضطر أنْ يذهب إلى ما كان يسميه بالسوق التجاري ليشتري ملابسه منها، ويضطر أنْ يذهب إلى ما كان يسمى بالمطعم ليأكل وفي المساء يذهب لمبنى يعرف بالنادي ليقابل أصدقاءه.تصوروا؟"(محمد سناجلة، www.almashreq.org) (1).
وفي واقع الأمر هذا هو الإنسان الواقعي ولكن ما يجعله الإنسان الافتراضي هو تفاعل الآخرين معه على الرغم من عدم معرفتهم به، فهو عبر تقنية الإنترنت شخصا ما مفترض وجوده بالنسبة للآخرين. فهو إذن ذلك الإنسان الذي " يتم سحب البعد الواقعي عنه والذي يحصره في الزمان والمكان إلى بعد آخر هو البعد الافتراضي الذي يقيم فيه داخل الآلة وليس خارجها ... هو الإنسان الذي يتحول الجسد فيه إلى ما يشبه النص المتشعب من خلال تواجده في الزمان والمكان" (محمد اسليم أ، مرجع سابق) (2).
تذكرنا حالة هذا الإنسان بوضعية عالم الجن وتحديدا عالم القصص القرآني خاصة قصة النبي سليمان والهدهد وعرش ملكة سبأ وقدرة عفاريت الجن على تنفيذ مهمات وتقديم خدمات عبر حوار تنافسي أساسه العلم ومفاعيله عابرة للزمان والمكان: " قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ {38} قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ {39} قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ...{40}" ( سورة النمل). ففي هذه الآيات الكريمة يبدو أن الزمان والمكان قد توحدا تماما، وهذا ما تقر باحتمال وقوعه أحد قوانين النظرية النسبية وهي تتحدث عن السرعة المطلقة والسرعة النسبية.
أما في عالمنا الذي نفترض أنه لما يزل واقعيا بعد، وفي مقاربة من نوع مختلف، فالإنسان الافتراضي يتنقل عبر أرجاء الكرة الأرضية بسرعة الضوء بحثا عن المعلومات تماما كما هو حال الجان وهو حال يدعو للفزع مما يسميه البعض بعنف وإرهاب المعلومات (نبيل علي وآخرون، 2004)، وهي وضعية تدفع الإنسان الواقعي إلى الإمعان في التخوف من سحب كلي للواقع والتساؤل عما إذا كنا تحت تهديد تلاش تام للثقافة وحتى للهوية القومية؟ أو أننا أمام نوع من التلاشي الكوني كما يوحي به بودريار؟ أو ابتلاع رهيب للزمان كما أعلن عن ذلك بول فيريللو منذ سنوات عديدة؟ (محمد اسليم أ، مرجع سابق) لعل التساؤلات المشحونة بعاطفة الخوف الشديد باتت مشروعة كونها لا تغفل في سياق آخر التساؤل عن مصير الموجودات البشرية الحضارية التي استوجب الوصول إليها آلاف السنين فما هو مصيرها؟ هل هي المتاحف الجديدة للحضارة الإنسانية؟
إن مشكلة الإنسان الأخير تكمن في إرهاصات حضارة جديدة لعله لم يع بعد دوره وماهيته فيها ولا غايته، وهو على العكس من نهايته يبدو في معطيات الزمن القادم مجرد إنسان بدائي متماهيا إلى حد كبير مع نظيره التقليدي. فالإنسان الواقعي وهو في حالة الدفاع عن الذات غدا في موضع تساؤل عما إذا كان يسير على طريق الزوال ومن ورائه الإنسانية برمتها والتي بات البعض يبحث في مصيرها وماهيتها الجديدة في ضوء التقنية وتقدم العلوم الطبية، فهو في كل الاعتبارات والتصورات إنسان خاضع للآلة وللفعل الرقمي الذي يتيح له كل شئ وبما أن الرقمية هي لغة برمجة في واحد من مناحيها فربما يتحول الإنسان إلى كائن مُبرمَج صاغر تقوده الرقمية إلى حيث تشاء تشكيله، وهو بهذا المعنى جاهل بل غارق في الجهل مسيطَر عليه وهو ما كان قد حذر منه عالم الاجتماع الألماني هربرت ماركوز في النصف الأول من القرن20 من خلال كتابه " الإنسان ذو البعد الواحد" حينما رأى في الإنسان القابع ساعات طوال خلف الآلة مجرد عبد لها أبعد ما يكون عن العلم بأسرار الجسد، أي الحياة ومضامينها.
المقاربة الخامسة: المجتمع الافتراضي
إن عمليات التبدل والتحول المنبتة عن كل ماضي تواترت عبر الزمان والمكان وقلبت حياة الأفراد والمجتمعات رأسا على عقب. ولما كان البعض محقا في توصيف العصر الذي نعيش فإن العلامة العربي ابن خلدون هو أجدر من يوصِّف عصرنا حين يقول: "إذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله، وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة، وعالم محدث" (ابن خلدون، بدون تاريخ:31 ).
إذا استعرنا لغة أوجست كونت عن الكلية الاجتماعية فالمجتمع بالمحصلة هو كل الأفراد الأحياء منهم والأموات وكل إجمالي الذاكرة الاجتماعية. والكل بحسب هذا المعنى سيحشر في مبدأ الصفر – واحد وسيصير افتراضيا لا محالة وبالتالي فهو، إلى حد كبير، معرض للتلاشي الكوني. فالمجتمع الرقمي ليس مجتمعا محليا تقليديا تحدده اللغة أو الثقافة أو الأصول الإثنية أوالتضاريس الجغرافية، إنه أوسع بكثير مما يُظَن ويبدو أنه حتى اللحظة مجتمعا هلاميا مبعثرا في شتى أنحاء الأرض والفضاء السيبيري ولكنه في طريقه إلى التشكل والتقارب على نحو يجعل منه قارة سادسة مضمونها المال والتجارة والتقانة والاتصالات والاقتصاد...إلخ هذه القارة هي الحيز الافتراضي الذي ولدته الرقمية(جان كلود غيبو أ، 2000). ولأن خمس سكان الكرة الأرضية هم المعنيون فقط في المعيش الذي تفرزه سياسات العولمة (هانس بيترمارتين وهارالد شومان، 2003 )، فالمجتمع/ القارة الذي يجري الحديث عنه إذن هو مجتمع الخمس هذا.
وإذا أردنا تكثيف عمليات التغير المنتظرة فلن يكون بوسعنا الحديث، في إطار الخمس، إلا عن مجتمع متخيل يسير كالإنسان بسرعة الضوء. فإذا كان الإنسان الواقعي نفسه مهددا بنوع من التلاشي فلماذا لا يكون المجتمع كذلك؟ ربما علينا التساؤل أيضا عن حاجة الإنسان الافتراضي إلى مجتمع ذو طبيعة تقليدية مكون من تشكيلات اجتماعية وثقافية وجغرافية وإنسانية؟ بل ربما علينا التساؤل عن طبيعة العلاقات الاجتماعية والأسرية المنتظر صياغتها أو ولادتها في ظل إنسان حاضر في كل زمان ومكان، بل أنه متواجد في أكثر من مكان في نفس الوقت. وكذا التساؤل عما إذا كان للموجودات الاجتماعية والثقافية والمحيط الاجتماعي عنده قيمة تذكر؟
فالحواسيب والبرمجة وتقنيات الخزن والإرجاع والبحث ستوفر إمكانية نقل مختلف المنجزات الحضارية على أقراص أو توفيرها على المواقع، وحتى الطبيعة بتنوعاتها وتضاريسها وظواهرها يمكن حشوها في أدمغة الحواسيب ومشتقاتها. فقد تمكنت شركة أرشفة أمريكية www.archive.orgما بين عامي 1993-1999 من أرشفة ألف قرص إلكترونيا من سعة 15 جيجا بايت، ومع معطيات اليوم سيرتفع الحشد إلى 100 جيجا بايت (محمد اسليم أ: مرجع سابق ). وهو ما فعلته صحيفة النهار اللبنانية التي خزنت على أقراص مدمجة قرابة64 عاما من الذاكرة العربية واللبنانية وضعت في متناول الباحثين وأصحاب القرار بطريقة سهلة وسريعة (عماد بشير وآخرون، 2004: 31).
من الصعب تصور ما تخفيه القشرة الرقمية، ولكن من المدهش انتظار ما ستكون عليه الأمور بعد بضعة سنوات أو عقدين على الأكثر إذا علمنا مثلا أن أنظمة البث التفاعلي باتت تطرق الأبواب ولوحات الاستقبال والإرسال ستعلق على الجدران وفي الساحات العامة، والبنى التحتية يجري تحويلها في الكثير من مدن العالم إلى بنى رقمية لتكتسح البيوت الرقمية المجتمع الواقعي ولتغدو أنظمة الاتصالات الراهنة عما قليل في ذمة التاريخ.
وفي واقع الأمر فنحن لا نتحدث عن تلاشي الإنسان الواقعي أو المجتمع الواقعي ليحل محلهما الافتراضي، بل نتحدث عن أنماط اجتماعية واقتصادية واستهلاكية جديدة بنفس القدر الذي نتحدث فيه عن أنماط السلوك والقيم والعادات والرموز والثقافة التي سيتمتع بها الإنسان الجديد. ونتساءل عن المحتوى الحضاري والإنساني الذي سيميز شخصية الإنسان الافتراضي؟ كما نتساءل عن الوسط الاجتماعي الذي سيعيش به ونمط العلاقات التي سينسجها؟ بل أننا نتساءل عن المفاهيم الجديدة التي سيتخذها للتعبير عن كينونته في إطار الفضاء الافتراضي كمفهومه للوجود والحياة والحضارة والدين والثقافة والعلم والمعرفة والإنسان والجماعة والأسرة والمؤسسة والبنية والآخر والعدو والصديق والمكان والزمان والعمل والبطالة...إلخ؟ ترى، ألسنا بصدد اشتقاقات جديدة للغة؟ لا ريب البتة أن التساؤلات أكثر من أن تحصى، فنحن نعيش لحظة انفجار كوني جديد (New Bingbang) من المستحيل أن نقدر على استشراف آثارها.
لو عاينا قليلا ثنائية الدولة والمجتمع والآثار المترتبة على الثورة المعلوماتية فالتوجهات العالمية السائدة اليوم تقوم على مبدأ السوق المعولمة وتتجه في الوقت نفسه نحو إنشاء الحكومة الإلكترونية، وهما متغيران بنيويان سيؤديان إذا ما استمر العمل بهما على نفس الوتيرة من السرعة إلى غياب الدولة وعجز المجتمع عن التدخل والتأثير في سلطة السوق. ولا شك أن مثل هذه الأحداث ستكون كافية لاستحضار النبوءات الماركسية التي ترى أن الحاجة إلى الدولة ستختفي كلما اقتربت المجتمعات الاشتراكية من آخر مراحل تطورها، أما ليبراليا فيجري الحديث الآن عن عالم فوضوي يحكمه السوق ويقوده أصحاب المال والثروة من شتى المنابت والأصول، وهم الذين يتلاعبون بالدول والمجتمعات على حد سواء ويفرضون السياسات التي تلائم مصالحهم دون أي وازع إلا من السوق. وهو الأمر الذي أفرز ما يعرف اليوم بالعولمة. وتأسيسا على ذلك يتخوف البعض من فقدان الدول المتقدمة لرأسمالها الاجتماعي المتمثل بالرفاهية وتعدد الطبقات وأنظمة التأمينات والنقابات وسطوة المجتمع المدني بل وتعرضها إلى العنف وخطر التفكك بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية (هانس بيترمارتين وهارالد شومان، 2003).
في أواخر السبعينات من القرن العشرين كان العالم الثالث بقيادة حركة عدم الانحياز يجهد للمطالبة بديمقراطية إعلامية من خلال الاتفاق على نظام اتصال وإعلام جديد وفضاء عادل للبث على اعتبار أن العالم بفعل تطور وسائل الإعلام أصبح قرية صغيرة ولما تزل القوى الكبرى في العالم تحتكر المعلومات (مصطفى المصمودي، 1985)، وفي عصرنا الراهن وقد اختفت هذه المطالبات إلى غير رجعة يصف لنا إدوارد لوتاك أحد الاستراتيجيين الأميركيين التحولات الجارية بالقول: " إن السرعة المروعة التي تجري بها التحولات قد غدت صدمة لشطر عظيم من السكان" (هانس بيترمارتين وهارالد شومان، 2003: 291 )، بينما لم يجد المهتمون بالبحث لدينا وعلى أبواب العصر الرقمي إلا نفس العبارة لتوصيف عالم اليوم وهو يصير "قرية صغيرة"! وكأن شيئا لم يتغير.
حتى تعريف المجتمع المعلوماتي كان موضوعا لإشكالية أثارها أحد الباحثين محدثا بعض اللبس والتوتر في الفهم من حيث "النشأة غير الطبيعية" لهذا المجتمع "المفاجأة" من خلال تبرير وجوده تارة بـ " ردة فعل أمريكية ذات طابع عسكري على قيام الاتحاد السوفياتي/سابقا في عام 1957 بإرسال القمر الصناعي العسكريSputnik Space!! " (عمر بن يونس أ، 2004: 47) مما أربك الولايات المتحدة ودفعها إلى إعادة النظر في مناهجها التربوية والعلمية والتفكير ببناء قاعدة معلومات جديدة فكانت شبكة الانترنت العسكرية أولى بواكير المجتمع المعلوماتي. أو برده تارة أخرى إلى تطور علمي هو بالضرورة طبيعي حين " أطلق العلماء فكرة وجوده مع ظهور الحوسبة"! (عمر بن يونس أ، 2004: 50).
إن الأطروحات التي تنطلق من المجتمع المعلوماتي متصورة إياه مجرد تقنية يصعب ملاحقتها وبالتالي يصعب تعريفه باعتباره مجتمعا يتشكل بصورة لا نهائية إنما تقع في فخ الحيرة التي تخلفها التقنية الرقمية ذاتها على الدوام ولن تصل إلى نتيجة البتة، ويحضرنا في هذا السياق تعليق الدكتور بطرس غالي الأمين العام السابق للأمم المتحدة حين يقول: " إن التاريخ يشهد على أن أولئك الذين يعيشون في غمرة التحولات الثورية نادرا ما يفهمون المغزى النهائي لهذه التحولات " (هانس بيترمارتين وهارالد شومان، 2003: 74).
ودفعا للالتباس والخوف واللغط ينبغي الإقرار ببعض الحقائق المنهجية:
• أن المجتمع المعلوماتي بالنهاية ليس منبتا عن المجتمع الواقعي الذي يمثل حاضنة له فضلا عن أنه أحد ظواهره، وبالتالي فمهما اتسع الفضاء الافتراضي لهذا المجتمع ومهما كانت قوته وقدرته على اختزال المجتمع الواقعي سيظل أحد منتجاته ولن يقو على إزالته.
• والأهم من هذا وذاك أن الحرب النفسية والمادية الشرسة والإرهابية التي تشن على شعوب العالم الثالث وحتى على الطبقات الوسطى والفقيرة في العوالم المتقدمة ينبغي أن تشكل حوافز للعلوم الإنسانية كي تتأني في رصد مثل هذه الظواهر وطمأنة المجتمعات، فأيا تكن تطورات التقنية والثورات العلمية فإن موضوع علم الاجتماع في الكثير من نظرياته هي حكما العلاقات الاجتماعية ولا شيء غيرها.
• وهذا يعني أن التفكير في المجتمع الرقمي ينبغي ألا ينصب على المكونات والخصائص التقنية له التي هي مختلفة قطعا عن المجتمع الواقعي بل على التفاعل الاجتماعي معه وعلى السلوكيات والمواقف والآراء التي تصاحب هذا التفاعل أو تنبثق عنه. إذ أن من البديهيات البسيطة أن المجتمع الواقعي كائن وموجود ولا يمكن إلغاءه تحت أي ظرف كان، بينما المجتمع الرقمي لا يمكن له أن يتواجد في أية كينونة من دون تفاعل الأفراد والجماعات والمؤسسات مع مناهجه ومنتجاته. وعليه فإن تطوره مرهون بمدى تفاعل المجتمع الواقعي معه وتقبله له.
• أن أي خروج "غير طبيعي"عن الحاجات البشرية أو العجز الإنساني عن مواكبة الانفجار العلمي سيعني قطعا تراجعا ليس في التقنية ولا بالتقدم العلمي بل بالتفاعل معهما، وفي ذلك يستوي الفقير والغني فردا أو دولة أو مجتمع، ولنستمع لما يقوله أومبيرتو أميللي المدير السابق لشركة فيات الإيطالية: فـ" حينما تبلغ التكاليف الاجتماعية للتكيف مع السوق العالمية حدا لا يطاق ستزدهر عقلية الانكفاء على الذات في مختلف دول العالم" (هانس بيترمارتين وهارالد شومان، 2003: 16). أما اللاهوتي الألماني الكبير كارل راهنر فيعلق على مفاعيل الرقمية وغزوات التكنولوجيا مبتعدا عنها وقانعا فيما لديه بعبارة طريفة:] " نوافق أن نبقى" أغبياء متنبهين" و"بلهاء حاملين البراءة" يشوبنا من دون أن ندري"جهل الفقهاء"[ (جان كلود غيبو أ، 2000).
إن الفكرة القائلة بأن فهم المجتمع المعلوماتي والكشف عن ماهيته تحتاج إلى تقنيات منهجية جديدة تلائم مكوناته وخصائصه صحيحة نسبيا، ولكن ما هو الهدف الذي نسعى إليه من هذا المنحى إن لم يكن بالمحصلة تفسير الوقائع والأحداث والظواهر الناتجة عن التفاعل البشري معه حتى لو كان في الفضاء الافتراضي؟ قد يقترح البعض القول أن "الظواهر الكامنة في المجتمع المعلوماتي، وهي لم تكشف بعد، ليست ظواهر طبيعية" (عمر بن يونس أ، 2004: 75) وبالتالي تحتاج إلى تقنيات غير مألوفة. ففي هذا السياق يطرح مثلا مسألة البنية القانونية التي يتوجب عليها التوقف عند ظواهر مجتمع المعلومات بحيث تلائم المكونات البنيوية لهذا المجتمع والسلوك البشري في الوقت الذي يكون فيه الفرد في الفضاء الافتراضي وليس الواقعي. وهذه مسألة يمكن الاستجابة لها عبر التحديث المستمر للمنظومة القانونية وتفعيل فقه القضاء محليا ودوليا وتبادل الخبرات لمواجهة الظواهر الطارئة.
وحقيقة الأمر فالظواهر الكامنة في المجتمع المعلوماتي هي ظواهر صحية حتى لو نشأت في سياق التطور ولكن ما ليس صحيا هو المراهنة على الرقمية دون أن يكون للدولة أي خطط للاستفادة منها. وهنا تغدو ظاهرة فائض الوقت في العالم الرقمي إحدى أكبر وأغرب الظواهر الإنسانية على مر التاريخ. فقد كان العالم يتعامل مع المعلومة بوصفها خدمة تقدمها المصادر وبنوك المعلومات في سبيل تنمية المجتمعات وتحقيق المزيد من التقدم العلمي والرفاهية الاجتماعية، ولكن مع ظهور الحوسبة والرقمية تحولت المعلومة منذ عام 1994 إلى سلعة ذات طبيعة استهلاكية(عمر بن يونس أ، 2004: 52)، وما كان يستغرق إنجازه شهورا أو سنينا أو عقودا بات يتحقق اليوم في بضعة ثواني أو دقائق أو أيام على الأكثر، وا كانت تستوعبه البشرية من تطور تكنولوجي في أربعين عاما باتت تتفاعل معه في أربع سنوات( باسم غدير، 2003: 39)، وهذا يعني توفيرا هائلا للوقت والجهد والمال، والسؤال هو: كيف سيقع التصرف بفائض الزمن الذي بات يمثل سلعة ذات رأسمال مادي وذو قيمة هائلة؟ ففي الدول المتقدمة وبعض دول العالم الثالث كالبرازيل وماليزيا والهند يجري استثمار الزمن الفائض في تضخم واضح للثروة وسباق علمي مذهل. فهل هذا هو الحال عند العرب؟ من المؤكد أن الجواب بلا خاصة إذا عرفنا أن حجم مجمل سوق المعلوماتية العربية حسب أرقام عام 2001 يتوقف عند نحو ملياري دولار، منها 400 مليون دولار للبرامج، وهي سوق صغيرة إذا قارناها بالسوق الهولندية مثلا والتي تفوقها بأربعة أضعاف (ثورة الديجيتال www.annabaa.org).
مكانة العرب في الفضاء السيبيري
يكثر العالم العربي الحديث عن نقطتين أساسيتين في هذا السياق عن سد الفجوة الرقمية وإنشاء الحكومة الالكترونية. ولو نجح العرب مثلا في مسعى الحكومة فسيعني ذلك انقلابا تاما للصورة التقليدية لاسيما وأن الدولة في المجتمعات العربية متمركزة في كل ناحية من نواحي المجتمع التقليدي. ففيما خلا بعض الإجراءات التي تستوجب الحضور فالمؤسسات الإدارية ستغدو خالية من المتعاملين، وكلما توسعت الخدمات المقدمة للمواطن من الحكومة الإلكترونية كلما تلاشت الحاجة إلى جيوش الموظفين وكلما أمكن السيطرة على الفساد الإداري والمالي. ولكن ما هي المؤشرات المتاحة لتقييم ولو نسبي لحجم العالم الرقمي في البلدان العربية حتى يمكن التحقق من جدوى إقامتها إن كان ذلك ممكنا؟
فالتقرير الذي نشرته لجنة الخبراء في منظمة (اليونسكو) عام 2000 يشير إلى أن حجم الانترنت يبلغ 1.5 مليار صفحة تتزايد بمعدل 2 مليون صفحة يومياً، أما جمهور الشبكة الدولية فيقدر بحوالي 300 مليون مستعمل مع زيادة يومية تبلغ 150 ألف يومياً، وتصل الشبكة بين 220 مليون جهاز، يضاف إليهم يومياً 200 ألف جهاز، ويخضع تدبير تلك الأجهزة إلى أمور عدة من ضمنها الاقتصاد الإلكتروني الذي يتوقع أن يصل حجمه إلى 5 تريليون دولار خلال الأعوام الخمسة المقبلة، لكن 5% فقط من البشر يحوزون جل تلك الأرقام، إن لم نقل كلها، فلا يصل إلى البقية الباقية من البشرية إلا الفتات وتأتي هذه النتيجة المعلوماتية من البلاد الصناعية الأكثر غنى وثراء (ثورة الديجيتال: مرجع سابق).
هذه الأرقام تمثل لحظة تأمل لما يشيع في الكثير من الكتابات العربية حول مصطلح الثقافة الرقمية الذي يروج له حتى رسميون ليدل على مدى استخدام السكان لوسائل وأدوات التكنولوجيا الرقمية وأنظمة الاتصال، وينتهي الأمر إلى الإقرار بوجود فجوة رقمية ينبغي سدها من خلال تعميم استخدام التكنولوجيا الرقمية لتكون بمتناول أوسع الفئآت الاجتماعية. أما محتوى الفجوة فيجري التعرف عليه من بعض الأرقام المتداولة، مع وجوب الحذر في التعامل معها، والتي تقدر أن مستخدمي الإنترنت في الدول العربية لا يتجاوز 3.5 مليون شخص من أصل 275 مليون مواطن عربي (الفجوة الرقمية www.c4arab.com ). وهي نسبة تعادل فقط 0.6% من إجمالي عدد السكان أبرزها موزعة على النحو التالي: الإمارات العربية المتحدة بنسبة 10.2%، تليها لبنان 8% والكويت 5.5% و الأردن 2% وتأتي المملكة العربية السعودية و دولة مصر بنسبة 0.8% (ثورة المعلومات... www.c4arab.com ).
باختصار فقد جرى تعريف الثقافة الرقمية بمنتجاتها المادية ومدى انتشارها في المجتمع في حين تفتقد الكثير من الدول لإمكانيات التعامل معها. فرغم أن المؤشرات لا تعد ولا تحصى في هذا السياق إلا أن ما يثير الاستغراب فعلا هي الكيفية التي تفكر بها الدول العربية بإنشاء حكومات إلكترونية ونسب الأمية في القراءة والكتابة عند الكثير من مواطنيها يزيد عن نصف عدد السكان؟ هذا ناهيك عن التراجع الكبير في اللغة العربية قراءة وكتابة حتى لدى الطلبة الجامعيين؟ فإنْ لم يكن المواطنون هم المدعوون للتعامل مع الحكومة الإلكترونية فمن هي إذن الشرائح المعنية؟ ولأية غاية وجدوى تقام مثل هذه الحكومات إنْ لم يكن أفراد المجتمع مؤهلين للتعامل معها والاستفادة من خدماتها؟
أما على صعيد البحث العلمي فسنكتفي بما أورده تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة. إذ يكشف التقرير ببلاهة عن حجم الإنفاق الحكومي العربي على البحث العلمي دون أن يتحقق من اتجاهات الإنفاق وفعاليته. ومع ذلك فبالمقارنة مع إسرائيل التي تنفق 2.4% من ناتجها القومي السنوي تنفق الدول العربية التي أمكن الحصول على أرقام معلنة لديها مثل الإمارات: 0.6% والكويت: 0.2% والأردن: 0.3% وتونس: 0.3% وسورية: 0.2% ومصر: 0.2% (تقرير التنمية البشرية،2001 ).
وفي قطاع الاتصالات فإن عدد مشتركي الهاتف في الدول العربية بلغ 69 مشتركاً لكل ألف شخص عام 1999، وكان مستقبلو صفحات الإنترنت 0.4 لكل 1000 شخص عام 2000 وهي نسبة تقل عن 20% من معدلها في الدول النامية وتساوي 250 /1 من معدل الدول المتقدمة والغنية، ويجب الأخذ بالاعتبار هنا مدى فاعلية استخدام تقنيات الاتصالات وإسهامها في التنمية والتعليم (تقرير التنمية البشرية،2001 ). وثمة ما يدعو إلى الصدمة إذا ما علمنا أن حجم الهواتف النقالة المستخدمة في اليابان مثلا يفوق حجم مثيلاتها في كل أفريقيا، أو أن عدد الخطوط العاملة في ضاحية مانهاتن في نيويورك يساوي ما لدى دولة عربية مثل موريتانيا بكاملها (غسان سنو، 2004)، وأن المواطن في دول عربية يدفع قرابة 12$ شهريا رسوم وضرائب بدون أي استخدام للهاتف.
وفيما يتصل بتأهيل الإطارات المتخصصة فثمة حديث عن هؤلاء في بعض البلدان العربية. وفي هذا السياق يشار إلى مصر التي تقدم إلى السوق العربية نحو 16 ألف مبرمج و6 آلاف آخرين إلى دول غربية، وتخرج جامعاتها وكلياتها 5 آلاف مبرمج في العام الواحد، ويتجه هؤلاء إلى سوق يقدر حجمها الحالي بحوالي 70 مليون دولار، وهو حجم قطاع البرامج وحدها، ويبلغ حجم سوق المعلوماتية الكلي نحو 450 مليون دولار. وفي فلسطين تعمل 150 شركة في المعلوماتية وتشغّل نحو 1000 خبير تقني، ويصل حجم استثماراتها في البرمجيات إلى 20 مليون دولار. ويميل الأردن إلى الاعتماد على توافر الأيدي الحسنة التدريب، وفيه ما يقارب 9000 مبرمج يعمل ثلثهم في القطاع الخاص، ويصل حجم سوق المعلوماتية الإجمالي إلى 180 مليون دولار. ويكاد لبنان أن يشكل حالة خاصة نظراً لقوة دخول المعلوماتية إلى الحياة اليومية، وفيه 250 شركة تعمل على قطاع البرامج، وتشغل ثلاثة آلاف خبير تقني يعطون دخلاً يقدر بحوالي 150 مليون دولار، وتتجدد الخبرة العلمية عبر 1800 خريج في المعلوماتية كل عام، يذهب كثير منهم للعمل في الجوار العربي، أو في الدول الغربية (ثورة الديجيتال: مرجع سابق).
بيد أن هؤلاء يتوجهون أصلا إلى السوق، في حين تحتاج الحكومة الإلكترونية إلى بنية تحتية هائلة بل إلى إعادة نظر في التعليم والتنمية والمفاهيم والاستراتيجيات على نحو غير مسبوق، إذ أن غلاء الأسعار في استعمالات وسائل الاتصال والتكنولوجيا الرقمية (عبد العزيز الشمري، www.alwatan.com) (3) وفرض القيود القانونية على انتشارها اجتماعيا لا يفيد البتة في التحول نحو الاستثمار فيها ولا في خدمة التنمية ولا في تحسين حياة المواطن إن لم يكن العكس هو الحاصل زيادة في تكاليف الحياة الاجتماعية رغم تصاعد مؤشرات الفقر وتدني مستوى الدخول في غالبية الدول العربية. وفيما يبدو ابتزازا للمواطن هدفه تحقيق أقصى ما يمكن من الأرباح فقد أدخلت علوم الحوسبة إلى الغالبية الساحقة من الجامعات العربية والمعاهد والكليات العليا والمتوسطة وفرضت بعضها معدلات عالية لا تقل عن 95% للراغبين في دراسة العلوم الرقمية(عبد العزيز الشمري: مرجع سابق) فضلا عن أسعار بعضها يفوق ما تشترطه كليات الطب والهندسة على طلابها من رسوم. فكيف يمكن توفير الأيدي الخبيرة الكافية لتشغيل هذه الحكومة؟
وحتى اللحظة لا ندري كيف تقبل العالم العربي دعوات بيل غيتس صاحب الثورة الرقمية الراهنة عندما زار العالم العربي ودعا قادته إلى الاستثمار في التعليم والصحة إذا أرادت هذه الدول اللحاق بعالم المعلومات وتحسين فرص حياتها (مصطفى أبو لبدة: 8/2/2004) للمرة الأولى في تاريخها.














الحواشي
1- مع الإشارة إلى أن للكاتب مؤلف بعنوان "رواية الواقعية الرقمية/الرواية في العصر الرقمي" ويتحدث فصلها الثاني عن "الإنسان الافتراضي"، وقد نشرت صحيفة الرأي الأردنية الرواية أو أجزاء منها فيما ينشرها بالاتفاق مع المؤلف موقع:http://www.middle-east-online.com .
2- وفي مقالة أخرى له على موقعه بعنوان:"المشهد العربي في الانترنت" أرجع فيها مفهوم: "النص المتشعب التخييلي"، إلى جنس أدبي استحدثه مبدعون روائيون في الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة بعد صياغة تد نلسون لمفهوم "النص المتشعب"، أولهم ميكائيل جويس بروايته Afternoon التي صارت الآن من كلاسيكيات هذا الجنس الروائي.
3- إن نسبة ما يدفعه المواطن الأمريكي من دخله الشهري لقاء استهلاكه للإنترنت بمعدل3 – 4 ساعات يوميا يبلغ 20$ مقابل 60$ يدفعها المواطن العربي، وهو مبلغ باهظ بالنظر إلى الفارق الكبير في مستوى الدخل الذي يميل لصالح المواطن الأمريكي وبالنظر إلى ما يوازي حجم راتب أحد الموظفين في بعض الدول العربية.



















قائمة المصادر


• القرآن الكريم- سورة النمل، الآيات: {38} ،{39} ،{40}.
أولا: الكتب
1. باسم غدير غدير (2003 )، العالم الرقمي وآلية تحليل البيانات: دمشق، دار الرضا للنشر.
2. بيار أنصار(1992)، ترجمة نخلة فريفر العلوم الاجتماعية المعاصرة: بيروت، المركز الثقافي العربي.
3. حنا جريس وآخرون(2004) مستقبل الثورة الرقمية:العرب والتحدي القادم (الهيبر تكست: عصر الكلمة الإلكترونية)، كتاب العربي55، سلسلة فصلية تصدرها مجلة العربي الكويتية، الكويت: 15 كانون أول- يناير.
4. تقرير التنمية البشرية (2001): " توظيف التقنية لخدمة التنمية البشرية"، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي undp.
5. سعد الدين إبراهيم وآخرون (1982) ثورة يوليو وإعادة تفسير التاريخ: مصر والعروبة وثورة يوليو: بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.ط1.
6. عبد الرحمن ابن خلدون(بدون تاريخ)، مقدمة ابن خلدون: القاهرة: دارالشعب، نسخة محققة.
7. عبد الوهاب الكيالي مؤسس وماجد نعمة، مدير تحرير(1986) موسوعة السياسة (هجائية): بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، سبعة أجزاء، وما زالت مستمرة في التنقيح ومواكبة الأحداث، الجزء الأول. ط1.
8. عماد بشير(2004) مستقبل الثورة الرقمية:(الصحافة العربية اليومية في العصر الرقمي): مرجع سابق.
9. عمر محمد بن يونس- أ (2003) المجتمع المعلوماتي والحكومة الإلكترونية، مقدمة إلى العالم الافتراضي: الإسكندرية: دار الفكر الجامعي.
10. عمر محمد بن يونس- ب (2004) مشكلة قواعد البيانات: الإسكندرية: دار الفكر الجامعي ط2.
11. غسان سنو (12،13 /1/2004) البنية التحتية الضعيفة عائق أمام الإنترنت: ندوة مجتمع المعلومات بين المفهوم والتطبيق: الكويت: معهد الكويت للأبحاث العلمية.
12. هانس بيتر مارتين وهارالد شومان(آب2003) فخ العولمة: الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، شهرية عالم المعرفة / 295، ط2.
13. مصطفى المصمودي (1985) النظام الإعلامي الجديد: الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، شهرية عالم المعرفة.
14. موسى الخلف(تموز2003) العصر الجينومي، استراتيجيات المستقبل البشري: الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، شهرية عالم المعرفة.
15. نبيل علي(2004) مستقبل الثورة الرقمية: (عنف المعلومات... وإرهابها): مرجع سابق.
ثانيا: صحف ومواقع الإنترنت
16. أحمد مغربي (صحيفة الحياة اللندنية 10/11/2003): التراكم المعلوماتي عالمياً...كم يساهم العرب فيه؟ نقلا عن غرافيك: " التراكم المعلوماتي على الصعيد العالمي".
17. ثورة(الديجيتال) والفجوة الرقمية: متوفرة على الشبكة الدولية- إنترنت: موقع شبكة النبأ المعلوماتية www.annabaa.org.
18. جان كلود غيبو أ (صحيفة لوموند ديبلوماتيك تشرين الثاني/نوفمبر2000): هل الإنسان على طريق الزوال؟: النسخة العربية.
19. جان كلود غيبو ب (صحيفة النهار البيروتية 22 /1/2003): مقابلة أجرتها صباح زوين.
20. عبد العزيز الشمري (تعطل بدء تطبيق الحكومة الإلكترونية): متوفر على الشبكة الدولية– الإنترنت: http://www.alwatan.com.
21. فرانسيس فوكوياما، (مجلة نيوزويك 25 ديسمبر2001):"هدفهم العالم المعاصر"، الطبعة العربية/ عدد81.
22. محمد اسليم (المشهد العربي في الانترنت): متوفرة على موقع المؤلف في الشبكة الدولية- إنترنت: rhttp://aslimnet.free.f.
23. محمد اسليم (مقدمات العصر الرقمي): مقالة وعنوان لكتاب قيد الإنجاز متوفرة على موقع المؤلف في الشبكة الدولية- إنترنت: نفس الموقع أعلاه.
24. محمد سناجلة (منْ هو الانسان الافتراضي؟): متوفرة على الشبكة الدولية- إنترنت: http://www.al-mashreq.org ".
25. مصطفى أبو لبدة (صحيفة الرأي الأردنية 8/2/2004): بيل غيتس لديه«خطة طريق» التنمية: متوفر على الشبكة الدولية- إنترنت: http://www.alrai.batelco.jo.
26. الموسوعة العربية للكومبيوتر والإنترنت (ثورة المعلومات وأسباب تأخرها في الدول العربية): متوفرة على موقع الموسوعة في الشبكة الدولية www.c4arab.com.
27. الموسوعة العربية للكومبيوتر والإنترنت (الفجوة الرقمية): نفس الموقع أعلاه.











مع تحيات
رشاد ابوجامع فرغلى حسن ( رشاد الفقيه)







تم تحرير الموضوع بواسطة رشاد الفقيه

17/10/2012 - 01:21 صباحاً

رد مع اقتباس | إبلاغ عن الموضوع


رد جديد موضوع جديد الموضوع السابق | الموضوع التالي
المواضيع المتطابقة
العنوان الكاتب القسم آخر رد الردود
موقع ويجان الانجليزي: عمرو زكي مهاجم الفريق الجديد أهدى الفوز للزمالك رشاد الفقيه منتدى محبى نادى الزمالك safa 0





المسؤولون عن المنتدى | مواضيع اليوم(4) | مراسلة الإدارة

ضغط المنتدى Gzip : مُعطل
Powered By MySmartBB Royal 1.1.0 | إعداد و برمجة فريق MySmartBB
Css by vb-style.com
Developed By Bruce | Dev-ly.com
Share to Facebook Share to Twitter Stumble It More...