الرئيسية| التسجيل| الإحصائيات| قائمة الأعضاء| بحـث| آخر المشاركات| قوانين المنتدى| الاسئلة الشائعة| اذاعة القراءن الكريم|

استرجاع كلمة المرور     التسجيل في المنتدى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهلا بك عزيزي الزائر



    آخر المواضيع :


http://www2.0zz0.com/2014/12/06/22/508506600.jpg

منتديات الفقيه » منتدى نظريات ومفاهيم وفروع علم الاجتماع » للمساعده

رد جديد موضوع جديد
  موضوع مثبت 
الكاتب طباعة الموضوع  |  إرسال الموضوع لصديق  |  أخذ نسخة من الموضوع  

yara408

عضو متميز


الهوية الشخصية
رقم العضوية : 965
المشاركات : 13
الزيارات : 35
الانضمام : 17/2/2008
النوع : أنثــــى
الحالة : غير متصل



استاذى الفاضل الدكتور رشاد
اتمنى من سيادتك ان ترشدنى الى بعض الكتب او المراجع التى تتحدث عن نظريه الانتشار الثقافى ونظريه الاتصال لانى بحثت عن هاتين النظريتين فى المكتبه المركزيه ومكتبه الكليه فى جامعه الزقازيق ولم اجدهم فارجوا افادتى ولك منى كل الاحترام والتقدير ..


12/04/2008 - 10:47 مساءً

رد مع اقتباس | إبلاغ عن الموضوع


#1 رد :للمساعده

رشاد الفقيه

المشرف العام


الصورة الشخصية لـرشاد الفقيه


الهوية الشخصية
رقم العضوية : 1
المشاركات : 10420
الزيارات : 2044
الانضمام : 7/5/2007
النوع : ذكـــــر
الحالة : غير متصل



ان شاء الله اختى الكريمة خلال الساعات القادمة ستكون العديد من الموضوعات فى هذا المنتدى عن النظريات الثقافية و خاصة نظرية الانتشار الثقافى و نظرية الاتصال و باذن الله تكون الموضوعات ام ردود متتالية على هذا الموضوع او موضوعات جديدة فى منتدى النظريات و مفاهيم علم الاجتماع و رجاء خاص ارسلى اهداف البحث او ملخص البحث لكى نوسع من دائرة البحث

و ان شاء الله نكون عند حسن النظر و الله ولى التوفيق


التوقيع




مع تحيات
رشاد ابوجامع فرغلى حسن ( رشاد الفقيه)






13/04/2008 - 01:07 صباحاً

رد مع اقتباس


#2 رد :للمساعده

رشاد الفقيه

المشرف العام


الصورة الشخصية لـرشاد الفقيه


الهوية الشخصية
رقم العضوية : 1
المشاركات : 10420
الزيارات : 2044
الانضمام : 7/5/2007
النوع : ذكـــــر
الحالة : غير متصل



النظرية التطورية الثقافية

بعد هذا العرض لأفكار رائدين من رواد الاتجاه التطوري في الأنثروبولوجيا نحاول تحديد الخطوط العامة لهذه النظرية كما تضح من أطروحتهما. في المقام الأول يلاحظ أنه وبالنسبة لهذا الاتجاه لا يمكن فهم العقل الإنساني إلا من خلال ربطه بالعقل التاريخي. إن فهم الممارسة النظرية ممكن فقط من خلا ل التاريخ بحسبانه تاريخ بشر متجانسين تحتويهم دائرة واحدة عامة. أما التمايز فهو وليد ظرف تاريخي محدد. تمثل المجتمعات الإنسانية تواصلاً متجانساً مؤلفاً من طبقات تطورية وأقسام موازية. إن مفهوم درجات التطور التاريخي هو معيار أساسي بالنسبة للتطور الذى يسير بخط مستقيم. وطور البشر تبعاً لذلك، من خلال توحدهم ضمن مجال حياة معين وضمن شروط محددة، ومن خلال ما ينتج عن ذلك من ممارسات ومن اقتصاد، وحدة ثقافية ومجتمعية.



لقد رأى أنصار الاتجاه التطوري في التقدم ثمرة التكامل في الأدوات المادية وثمرة التعقيد في العلاقات خلال مراحل تطورية معقدة. يتمظهر التقدم من خلال الانتقال من المرحلة الحيوانية إلى المرحلة البدائية ومن هذه إلى البربرية فالتمدن. وفي مرحلة الثورة الصناعية صار معيار التقدم يقاس بدرجة التطور التقني. إن مبدأ وحدة الجنس البشرى أساسه عالمية المعرفة التقنية كما عبر عن ذلك مورغان حيث كتب "نجد وحدة في فكر البدائيين البرابرة وإنسان المدنية. إنها هي نفسها ما ساعد البشر على ابتكار الأدوات نفسها والأواني ذاتها عندما يخضعون للعلاقات نفسها، وما يساعد أيضاً على اختراع المنشآت الاجتماعية نفسها وتطويرها انطلاقا من بدايات لا يمكن رؤيتها: من العصر الحجري والسهام التي التمعت صورتها في ذهن البدائي، إلى مزج المعادن، وفيه يتمثل ذكاء البربري، وأخيراً إلى تحريك القطار الحديدي، هذا هو انتصار المدن".



هكذا يترك كل من النمو والتقدم بصماته على مختلف مجالات الحياة الاجتماعية. وكان مورغان قد وصف ذلك في كتاباته كما يلي: "يتحدد الذكاء بالاختراع والاكتشاف"، و"تطور القانون الاجتماعي"، "وتطور مفهوم الأسرة"، و"تطور مفهوم الملكية". بذلك يمكن عد كل وحدة، كل مجموعة إنسانية/ مجتمعاً بقدر ما تكون شروط حياة المجموعة المادية والذهنية. ويمكن وضعها في الدرجة الاجتماعية نفسها طالما أنها نتاج الطبقة نفسها. يتضح من ذلك أن مورغان عدَّ التطور بمثابة خط مستقيم. فالبدائية حالة سبقت البربرية التي سبقت بدورها المدنية، وهذا ما يجده مورغان عند البشريَّة بمجموعاتها المختلفة كلها. إن تاريخ الجنس البشرى قد عرف شكلاً موحداً في نشأته، وفي تجربته، وفي تقدمه (وهذا هو رأى تايلور أيضاً).



وبمكاننا رد التشكل نفسه الذي يشمل مراحل التمدن إلى المؤثرات والأسباب الأولية نفسها. أما مختلف درجات التشكل فهي بمثابة درجات التطور بحيث تكون كل دورة وليدة سابقتها وإسهاماً في تشكيل تاريخ المستقبل.



هكذا يجوز القول بأن آراء التطوريين تتلخص في أن تاريخ الإنسانية وتاريخ الثقافة يمثل خطاً متصاعداً من العادات والتقاليد والعقائد والتنظيمات والأدوات والآلات والأفكار. وأن البشرية مرت بمراحل ثقافية تتدرج من الأشكال غير المعقدة إلى الأشكال المعقدة فالأكثر تعقيداً، وأن هذا الخط المتصاعد من الأسفل إلى الأعلى متشابه في أجزاء العالم نتيجة الوحدة النفسية لبني الإنسان في كل مكان وزمان وهو ما جعل التطوريين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر شغلتهم فكرة تطور الثقافة والمجتمع الإنساني عبر مراحل التبدل من حالة إلى حالة، أكثر مما شغلتهم فكرة اكتشاف القوانين الأساسية التى تحكم عملية تطور الثقافة.



إيجازاً نشير إلى أن مولد الأنثروبولوجيا مهنة ارتباطا باتجاهات نظرية محددة قد حدث في النصف الثاني للقرن التاسع عشر في جو فكرى سادت فيه الفروض والنظريات التطورية في مجال التاريخ الطبيعي للكائنات الحية وفي مجال المجتمعات الإنسانية على حد سواء، وذلك جنباً إلى جنب مع ازدياد السيطرة الغربية على شئون العالم. ولقد كان للإنجازات العظيمة التي أحرزتها العلوم الطبيعية أثرها في حث المشتغلين بالمسائل الاجتماعية والأخلاقية آنذاك، في أن يتبنوا تطبيق أساسيات المنهج العلمي في دراساتهم. فقد شغل بال المفكرين عامة، ومن بينهم الاجتماعيون وعلماء الأنثروبولوجيا بصفة خاصة، سؤالاً معيناً هو كيف نشأت ثقافات العالم وتطورت؟ وبالرغم من سيادة الفكر التطوري في إطار نشأة المجتمعات وتطورها (أي الثقافات) الإنسانية في خط واحد، إلا أنه كان هناك أيضاً إجابة أخرى لهذا التساؤل وذلك في إطار النظرية الانتشارية التي تمتد جذورها إلى مفكرين سابقين على القرن التاسع عشر.



الاتجاه الانتشاري
يفترض دعاة هذا الاتجاه أن الاتصال بين الشعوب المختلفة قد نتج عنه احتكاك ثقافي وعملية انتشار لبعض السمات الثقافية أو كلها وهو ما يفسر التباين الثقافي بين الشعوب. وينطلق دعاة هذا الاتجاه من الافتراض بأن عملية الانتشار تبدأ من مركز ثقافي محدد لتنتقل عبر الزمان إلى أجزاء العالم المختلفة عن طريق الاتصالات بين الشعوب.



وبما أن نظرية الانتشار الثقافي تسعى إلى الكشف عن حلقات لربط الثقافات معاً نتيجة تفاعلها جغرافياً وزمنيا فإنها تلتزم أيضاً بالمبدأ التاريخي في علاقات الثقافات بعضها بالبعض الآخر.



وقد ظهرت في أوروبا مدرستان للانتشار الثقافي. كان فريدريك راتزل رائداً للمدرسة الأولى وتبني منهجاً تاريخياً-جغرافياً بتأثير المدرسة الجغرافية الألمانية وركز على أهمية الاتصالات والعلاقات الثقافية بين الشعوب ودور تلك العلاقات في نمو الثقافة. وادعى راتزل بأن الزراعة اعتمدت إما على الفأس أو المحراث وهو ما يفسر الاختلافات بين الثقافات الزراعية. وتبعه في ذلك هان، المتخصص في الجغرافيا البشرية، وادعى الأخير بأن تدجين الحيوانات أعقب اكتشاف الزراعة المعتمدة على الفأس. ومع اعتراف هان بأن الزراعة المعتمدة على الفأس يمكن أن تكون قد ظهرت عدة مرات في أجزاء مختلفة من العالم إلا انه يؤكد على أن زراعة المحراث وتدجين الحيوانات واكتشاف عجلة الفخاري قد تمت كلها في الشرق الأدنى القديم ثم انتشرت منه إلى بقية أجزاء العالم. أما هاينرينج شورتز فقد أبرز فكرة وجود علاقات ثقافية بين العالم القديم (اندونيسيا وماليزيا) وبين العالم الجديد (الأمريكتين). وقد طور ليو فروبينيوس فكرة انتقال الثقافات عبر المحيطات بادعائه حدوث انتشار ثقافي من اندونيسيا إلى أفريقيا. فقد حاول في كتابه الذي نشره في عام 1898 بعنوان "أصل الثقافات الأفريقية" إثبات وجود دائرة ثقافية ماليزية زنجية في غرب أفريقيا فسرها بوصول نفوذ ثقافي اندونيسي في صورة موجة ثقافية إلى ساحل أفريقيا الشرقي، ومن ثمَّ عبورها إلى غرب أفريقيا حيث لا تزال بقايا تلك الموجة موجودة في حين أن بقاياها قد اندثرت في شرق أفريقيا نتيجة هجرات البانتو والحاميين اللاحقة. بهذا يكون ليو فروبينيوس أول من أدخل مفهوم "الدائرة الثقافية" في الاثنولوجيا وهو المفهوم الذي نال تطوره اللاحق في أعمال جرايبز فكرة أحادية منشأ الثقافة الإنسانية مفترضاً وجود عدة مراكز ثقافية أساسية في جهات مختلفة من العالم.. وبفعل التقاء الثقافات نشأت دوائر ثقافية وحدثت بعض عمليات الانصهار وبرزت تشكيلات مختلفة وهو الأمر الذي يفسر الاختلافات البادية في الثقافات الأساسية. وفي عام 1905 نشر جرايبز بحثه عن "الدوائر الثقافية والطبقات الثقافية في جزر المحيط الهادي" والذي استخدم فيه عدد لا يحصى من العناصر الثقافية التي ترتبط بعضها بالبعض الآخر لتؤلف دائرةً ثقافية. وباستخدام التتابع الزمني وانتشارها في أستراليا وجزر المحيط الهادي. وفي عام 1911 نشر جرايبز كتابه "منهج الاثنولوجيا" الذى رسم فيه الخطوط العامة لمدرسته الانتشارية.



أما فلهلم شميدت فقد نشر مع فيلهلم كوبرز خلاصة آراء مدرسة "فينا" وأكدا على وجود ثقافات أزلية تمثل أقدم أنواع المجموعات الثقافية المعاصرة. وكانت هذه الثقافات الأزلية (أقزام أفريقيا وآسيا والفيدا في سيريلانكا، والسينوى في الملايو، والكوبو في سومطرة) تمثل الدائرة الثقافية الأولى. وتمثلت الدائرة الثانية في الثقافات الرعوية في مناطق سيبيريا وأواسط آسيا (حيث دجن الساموييد في شمال سيبيريا الرنة، ودجن التركمان الحصان، ثم المجموعات التي دجنت الماشية والماعز … إلخ).



وتنطوي فكرة الدائرة الثقافية على نقطتين هما: وجود الدائرة الثقافية وكينونتها، والدائرة الثقافية بحسبانها منهجاً بحثياً اثنولوجياً. ويعرف شميدت الدائرة الثقافية بقوله: "إذا احتوت ثقافة كاملة على كل شيء: النواحي المادية والاقتصادية والاجتماعية والاعتيادية والدينية، فإننا نطلق عليها اسم الدائرة الثقافية لأنها متكاملة وتعود على نفسها مثل الدائرة. إنها تكفي نفسها بنفسها، ومن ثم تؤمن استقلال وجودها. وهى – أي الثقافة- في حالة إذا ما أهملت أو فشلت في إرضاء واحد أو أكثر من الاحتياجات الإنسانية الهامة تتيح حدوث تعويض من ثقافة أخرى. وكلما زاد عدد عناصر التعويض تقل هذه الثقافة عن أن تكون دائرة ثقافية (مستقلة). ويضيف شميدت بأن كل مفردات الثقافة متماسكة تماسكاً عضوياً وليست مجرد ارتباطات تلقائية، غالباً ما يسيطر واحد من مظاهر الثقافة في الدائرة على بقية المظاهر، ومن ثم تدمغ هذه المظاهر بصبغتها الخاصة ويسوق مثالاً النسب الأموي المرتبط بالجماعات الأموية النسب غالباً ما تعبد القمر، بينما إله السماء هو الإله المسيطر عند الرعاة وإله الشمس عند الجماعات الطوطمية الأبوية النسب.



وقد لخص كوبرز في بحثه الذى نشره عن "الانتشارية: الانتقال والتقبل" ضمن كتاب "الأنثروبولوجيا المعاصرة" الذى أشرف عليه توماس وطبع في عام 1956، أهم وجهات نظر المدرسة الانتشارية – النمساوية وقد ترجم محمد رياض تلك النقاط في كتابه "الإنسان : دراسة في النوع والحضارة".



1- حيث أن الثقافة والإنسان (منذ نشأته) متزامنان فإن التاريخ في أوسع معانيه يشتمل على كل الفترة التى ظهر فيها الإنسان على الأرض حتى اليوم.

2- لا ينكر أي باحث – قديماً وحديثاً – أن الانتشار الثقافي، ودرجة انتقاله تقبله حقيقة واقعة.

3- إن الانتشارية مبدأ هام في الدراسات الاثنولوجية ودراسات ما قبل التاريخ. ونتيجة لنقص الوثائق المكتوبة فإن الأمر يحتاج إلى دراسات مقارنة للصفات الثقافية من أجل الحصول على العوامل المكانية والزمانية والسببية.

4- يجب أن يستخدم الانتشاريون مقياس الشكل والعدد المعروف عن المنهج التاريخي. ولا شك أن هذا المنهج لن يؤدى إلى تاريخ مماثل لما نجده في الكتابات التاريخية العلمية. يمثل العنصر الثقافي هنا دليلاً قائماً على الصلات، كما يزداد هذا الدليل قوة نتيجة لمدى ترابط العنصر الثقافي ببقية الثقافة. ولا يمكننا أن نهمل هذه الأدلة على إنها تمثل جزءاً من العملية التاريخية.

5- الانتشار الثقافي لا يمثل كل أحداث التاريخ، فدراسة العناصر الثقافية لا تحل محل الوثائق التاريخية لكنها تعطي إضافات هامة في هذا الاتجاه التاريخى. وفي حالة نقص الوثائق التاريخية، كما هو الحال عند دراسة ما قبل التاريخ والجماعات البدائية، يصبح من غير المعقول أن نمتنع عن تفسير الحقائق في الاثنولوجيا وعلم الآثار.

6- تقوم الدراسات الانتشارية على المتشابهات الثقافية، حتى في الحالات التى لا نستطيع فيها التأكد من وجود ارتباطات وهجرات بين المتشابهات الثقافية، فلا شك أن تأكيدنا بأن الظاهرتين المتشابهتين قد نشأتا نشأة مستقلة يصبح غير مقبول لأنه يفترض شيئاً أبعد تحققاً من الارتباطات السابقة. وعلى العموم يمكننا أن نترك الباب مفتوحاً دون اتخاذ قرار.

7- إن الانتشار والنقل والتقبل لا تسير كلها حسب قواعد معينة هناك دائماً فرص متعددة للقبول أو التعديل ، وهى فرصة الاختيار الحر عند غالبية الجماعات.

8- يترتب على ذلك أن كل حالة من حالات الانتشار الثقافي يجب أن تعالج قائمة بذاتها وحسب ظروفها.



والجدير بالذكر أن فكرة الدوائر الثقافية كانت في مجموعها وسيلة ومنهجاً أدق وأحسن من أفكار المدرسة الانتشارية الثانية التى تأسست في بريطانيا على يد عالم التشريح البريطاني اليوت سميث الذى كان مهتماً بالآثار والهياكل البشرية. وكان سميث وكذلك تلميذه بيري قد اعتقدا بأن الثقافة الإنسانية نشأت على ضفاف النيل وازدهرت في مصر القديمة منذ حوالي خمسة ألف سنة قبل الميلاد تقريباً. وعندما توافرت الظروف وبدأت الاتصالات بين الجماعات والشعوب انتقلت بعض مظاهر تلك الثقافة المصرية القديمة إلى بقية العالم. ففي كتابه "هجرة الحضارات" الذى نشره عام 1915 يؤكد سميث من خلال دراسته للمتشابهات الاثنوغرافية خارج مصر بأن مصر كانت مركزاً للثقافة ومنها انتقلت إلى عالم البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط وأفريقيا والهند واندونيسيا وعالم المحيط الهادي والأمريكتين.



وفي عام 1923 نشر بيري كتابه " أطفال الشمس" الذى حدد فيه عنصراً واحداً سيطر على مجمل الثقافة المصرية … الاعتقاد في ألوهية الملوك أبناء الشمس، وبالتالي عبادة الشمس. واهتم بيري بعدة عناصر ثقافية مصرية في توزيعها العالمي مثل التحنيط وبناء الأهرام والقيمة التي يعطيها المصريون القدماء للمعادن النفيسة بحسبانها قوة مانحة للحياة المديدة… إلخ.



أما في أمريكا فإن الاتجاه الانتشاري وجد تعبيراً له في كتابات فرانز بواس العالم الطبيعي الألماني الذي استهوته الأنثروبولوجيا بعد زيارة قام بها إلى جزيرة بافن في كندا في عام 1883. فقد أشار بواس إلى أنه من خلال دراسة الشكل والتوزيع الجغرافي لمصدر السمات الثقافية وهجرتها واستعارتها عن طريق الاتصال بين الشعوب، يمكن للباحث أن يستدل على كيفية نشأة السمات الثقافية وتطورها، وبالتالي يمكن الوصول إلى نظرية تتوفر فيها عناصر الصدق والبرهان لتفسير المجتمعات الإنسانية وتطور النظم الاجتماعية أو السمات الثقافية. وانطلاقا من هذا الفهم استخدم بواس مصطلح المناطق الثقافية الذى يشير إلى مجموعات من المناطق الجغرافية التي تتصف كل منها بنمط ثقافي معين غض النظر عن احتواء أي من هذه المناطق على شعوب أو جماعات. ويشير مفهوم المنطقة الثقافية إلى طرق السلوك الشائعة بين عدد من المجتمعات التي تتميز باشتراكها في عدد من مظاهر الثقافة نتيجة لدرجة معينة من الاتصال والتفاعل.



وفق هذا الإطار النظري سعت المدرسة الأمريكية بزعامة بواس إلى إنجاز الدراسة التاريخية الدقيقة للعناصر المختلفة لثقافة محددة وتحليل كل جزء أو عنصر من حيث مصدر نشأته وتطوره واستخدامه وتتبع عمليات هجرته أو استعارته بين الشعوب المختلفة. وكان من نتيجة هذا الاتجاه الانتشاري أن أخذ علماء الإنسان في النظر إلى الثقافات الإنسانية بحسبان أنها تؤلف كيانات مستقلة من حيث المنشأ والتطور ومن حيث ملامحها الرئيسة التى تميزها عن غيرها، وهو ما يضع الاتجاه الانتشاري على عكس الاتجاه التطوري الذى يرى أن الثقافات متشابهة وأن الاختلاف الوحيد بينها يكمن فقط في درجة تطورها التقني والاقتصادي. لقد زعزعت المدرسة الانتشارية إن لم يكن إشكالية الاتجاه التطوري فعلى الأقل طريقته. فالاتجاه الانتشاري قد ابتعد على الأقل عن الفهم الخطى للتاريخ، ومن ناحية ثانية جعل نظرية التاريخ لاحقة لتحليل التواريخ الجزئية لكل مجتمع بحسبانه كلاً مستقلاً، هكذا كتب بواس قائلاً "حين نوضح تاريخ ثقافة واحدة ونفهم مؤثرات المحيط والشروط النفسيَّة التى تنعكس فيها، نكون قد خطونا خطوة إلى الأمام . كذلك يمكننا أن نبحث في الأسباب المؤثرة أثناء تكونه، أو إبانة تطور تلك الثقافة . وهكذا، وبفهمنا لمقاطع النمو، يمكننا اكتشاف قوانين عامة. هذه الطريقة أكثر ضماناً من الطريقة المقارنة (التطورية). والتي غالباً ما تمارس، فبدل وضع فرضية تتناول نمطاً لتطور، يقدم التاريخ الفعلي قاعدة الاستنتاجات.



اعتقادنا أن جل الأنثروبولوجيا الثقافية كامن في هذا النص: مفهوم الثقافة، والتحليل الوصفي للمحيط المادي، والتفسير النفسي، والشك بالتاريخ. اهتم بواس في عبارته بالتساؤل عن المنهج الذى يتحكم بالعمل الأنثروبولوجي التقليدي. ومع ذلك فثمة نقد لمفهوم الطبقات، والشرائح. ونجد في كتاب لوفي "المجتمع البدائي" (1920) رفضاً كاملاً لمفاهيم مورغان الأساسية : تتابع ذو خط واحد لطبقات التطور، مفهوم نسق القرابة، مفهوم الأصل … إلخ. استخلص مالينوفيسكي وراد كليف بروان، كما سنرى، هذه النتائج في ما لها من أبعاد.



الاتجاه الوظيفي
يعد الاتجاه الوظيفي من الاتجاهات النظرية الأساسية في علم الإنسان وفي علم الاجتماع. أخذ هذا الاتجاه في التبلور منهجاً نظرياً لدراسة الثقافات الإنسانية في الوقت الذى نشأ فيه الاتجاه الانتشاري في كل من أوروبا وأمريكا كرد فعل على منطلقات الاتجاه التطوري. إلا أن فكرة الوظيفة قديمة وجدت تعبيراً لها في أعمال الفلاسفة والمفكرين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. اقترن الاتجاه الوظيفي بصور ة أساسية بالأنثروبولوجيا الاجتماعية في بريطانيا بأسماء مالينوفسكى ورادكليف بروان.



اقترنت الوظيفية بالاتجاه العضوي في العلوم الطبيعية عرف الاتجاه الوظيفي في الأنثروبولوجيا الاجتماعية بتركيزه على دراسة الثقافات الإنسانية كل على حدة وفق واقعها المكاني والزماني ذلك أن الوظيفية ليست دراسة متزامنة بقدر ما هي آنية. وفي ذلك اختلف الاتجاه الوظيفي عن الدراسات التاريخية النزعة المميزة لكل من الاتجاهين التطوري الانتشاري. وقد تجلى الاتجاه الذى صار يعرف باسم المماثلة العضوية بداية في أعمال الفلاسفة الأخلاقيين الاسكتلنديين من أمثال آدم سميث وديفيد هيوم وغيرهما من الذين رأوا في المجتمع نسقاً طبيعياً ينشأ من الطبيعة البشرية لا من العقد الاجتماعي. وقد استخدم مونتسكيو مفهوم النسق في كتابه "روح القوانين" بوضعه أسس النسق الاجتماعي الكلى بناءً على ارتباط أجزاء المجتمع ارتباطا وظيفياً. وأصبحت فكرة النسق الاجتماعي العامل القوى في إرساء دعائم علم الاجتماع المقارن والأنثروبولوجيا الاجتماعية. أصبح التحليل الوظيفي مدخلاً أساسياً في تحليلات علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا الاجتماعية للربط بين النظام الاجتماعي ووظيفته وبين خصائص سلوك الأفراد الذين يؤلفون ذلك النظام. يشتمل النسق الاجتماعي على عدد من النظم يقوم كل نظام بوظيفته المعينة بغية الحفاظ على سلامة النسق. وينظر الوظيفيون إلى المجتمعات البشرية أنساقاً اجتماعية تعتمد أجزاؤها بعضها على بعض ويدخل كل جزء منها في عدد من العلاقات الضرورية مع الأجزاء الأخرى. وقد ذهب هربرت سبنسر في موضوع المماثلة إلى أبعد من ذلك حيث شبه المجتمع من حيث البناء والوظيفة بالكائن الحي بحسبان أن المجتمع ينمو ويتطور تماماً كما ينمو الأول ويتطور.



واستخدم سبنسر إصطلاحات العلوم الطبيعية في تحليلاته البنائية الوظيفية للمجتمع والحياة الاجتماعية مثل الفسيولوجيا والمورفولوجيا والإيكولوجيا…إلخ. وأشار بوضوح إلى أن البناء يتألف من الأجزاء التى تدخل في تركيبه وفي عناصر جزئية لا حصر لعددها تؤدى دورها في عملية التساند بين جميع الأجزاء التى تدخل في تركيب البناء الكلى.



ويعد إميل دوركايم بحق حلقة الوصل بين الفكر الذى كان سائداً في القرن التاسع عشر والاتجاهات الجديدة للفكر الاجتماعي التى ظهرت في بداية القرن التاسع عشر والاتجاهات الجديدة للفكر الاجتماعي التى ظهرت في بداية القرن العشرين. اتخذ دوركايم موقفاً رافضاً للتفسيرات العضوية التى قال بها أنصار الاتجاه العضوي من أمثال هربرت سبنسر، مستبعداً إمكانية تفسير الظواهر الاجتماعية من خلال المماثلة العضوية. وكان دوركايم يسعى إلى تحرير الظواهر الاجتماعية من محتوياتها النفسية وإلى تجريدها من أصولها البيولوجية بالتركيز على دراسة تلك الظواهر من وجهة نظر اجتماعية صرفة في حدود علم الاجتماع. يرى دوركايم أن الظاهرة الاجتماعية يجب أن تتمتع باستقلالها بحسبانها ظاهرة قائمة بذاتها، أي أنَّ لها وجودها المستقل عن الظواهر البيولوجية ولا يمكن لها ان تتأثر إلا اجتماعيا ولا تفسر إلا على أسس اجتماعية. وفي كتابه "تقسيم العمل" استخدم دوركايم الوظيفة بمعنيين اثنين: أولاً بالإشارة إلى نسق من الحركات الحيوية اللازمة لحياة الكائن العضوي، وثانياً بالإشارة إلى العلاقة التى تربط بين تلك الحركات الحيوية وبين حاجات الكائن العضوي (وظيفة التنفس، والهضم على سبيل المثال). استخدم دوركايم مفهوم الدور مرادفاً لمفهوم الوظيفة ذلك أنه حين يتحدث عن وظيفة الدين مثلاً فإنه يشير إلى الدور الذي يقوم به الدين في الحياة الاجتماعية. ويوصى دوركايم تلاميذه بكلمته: إذا كنت ترغب في دراسة ظاهرة اجتماعية فعليك أن تصل إلى السبب الذى أدى إلى الوظيفة التى تقوم بها الظاهرة.

منقول

و نظرااا لاهمية الموضوع سوف يتم عرضه كموضوع فى المنتدى و ردود هنا لصاحبة هذا الموضوع

تابعى الجزء الباقى


التوقيع




مع تحيات
رشاد ابوجامع فرغلى حسن ( رشاد الفقيه)






13/04/2008 - 01:11 صباحاً

رد مع اقتباس


#3 رد :للمساعده

رشاد الفقيه

المشرف العام


الصورة الشخصية لـرشاد الفقيه


الهوية الشخصية
رقم العضوية : 1
المشاركات : 10420
الزيارات : 2044
الانضمام : 7/5/2007
النوع : ذكـــــر
الحالة : غير متصل



البدايات الأولى للتنظير الأنثروبولوجي

خلال القرنين 15 و16 كان الرحالة الأوربيون قد جلبوا معهم لدى عودتهم من أسفارهم معلومات جديدة عن شعوب ما كان للأوربيين سابق معرفة بها. وخلال القرون اللاحقة امتدت حركة التوسع الكشفي التجاري والاستعماري التى خرج معها العالم الأوربي من مكتبات جامعاته ليتجول في أصقاع غير مكتشفة له ليصل إلى إدراك حقيقة إخوة له من بنى الإنسان يختلفون عته مأكلاً ومشرباً وسلوكاً. فكانت الدهشة الأولى: إنهم "البدائيون" الذين تكتشفهم الأنثروبولوجيا الجديدة. وبعد أن لبس العالم ثوب البدائي وحكى لغته وعاش معه لفترات...كانت الدهشة الثانية. هذا "البدائي" ليس متخلفاً كما صورته المعلومات المختزنة في العقل الأوربي منذ فترات...إن له طريقة حياته التى تختلف عن حياة الأوربي، وله منطقه الخاص. وبعد جولات جديدة جاءت دهشة ثالثة...يختلف منطق "البدائي" عن منطق الأوربي، لكنه منطق متماسك، إن له عالمه الخاص المتماسك بقيمه وبمنطقه وشعائره وطرق إيمانه.



هكذا أخذت في الظهور كتابات يؤلف بعضها خامة جيدة لدراسة بعض العناصر الثقافية. من أهم تلك الكتابات الدراسة الضخمة المكونة من أربعة مجلدات قام بوضعها المبشر الفرنسي الأب جوزيف لافيتو في النصف الأول من القرن الثامن عشر نتيجة تجربة خمس سنوات قضاها بين أفراد الهنود الأمريكيون الإيروكيز في شمال شرقي الولايات المتحدة الأمريكية. انتهت دراسة لافيتو إلى أن التنظيمات الاجتماعية عند الإيروكيز تساوى التنظيمات البدائية لبنى الإنسان. واكتشف لافيتو وجود تشابه بين النظام الأمومي عند الإيروكيز مع ذلك النظام ما قبل التاريخى الذى وصفه هيرودوت (480-425 ق.م.) عند سكان ليكيا في آسيا الصغرى. ولكون لافيتو حاول تفسير وجود هذا التشابه باحتمال انتشار هذا النظام من آسيا الصغرى إلى أمريكا فإنه يجوز عد لافيتو من أوائل القائلين بمبدأ الانتشار الثقافي diffusion of culture.



أثارت كتابات لافيتو والرحالة والمبشرين الذين سبقوه من أمثال بارتولوميو دى لاس كازاس (1502)، تاجر الرقيق الذى تحول إلى الرهبنة والتبشير في أمريكا الوسطى، والدببلوماسى النمساوي سيجموند هربرشتاين الذى كتب عن الروس والفينو-اوجريين (1577)، وشيفر الذى كتب عن النظم الشامانية في شمال سكاندنافيا (1675)، ودابر الذى سافر كثيراً في أفريقيا وكتب عن الأفارقة وعاداتهم (1686)، وبينز كالب الذى وضع مؤلفاً عن شعب الهوتنتوت (السان) في جنوب أفريقيا (1700) وغيرهم، أثارت رد فعل بين الفلاسفة والمفكرين الأوربيين في القرنين 17و18 والذين حاولوا صياغة قوانين عامة يمكنها أن تشرح بطرق طبيعية تطور المجتمعات البشريَّة عبر مراحل من التقدم. وشكلت أعمال أولئك الفلاسفة والمفكرين الأساس الذى نشأت عليه التطورية الثقافوية اتجاهاً نظرياً في الأنثروبولوجيا في القرن 19 بخاصة لدى لويس هترى مورغان وادوارد برنت تايلور.



ففي إيطاليا قدم جيامباتستا فيكو (1668-1744) نظريته حول الدورة التاريخية التى يشير فيها إلى أن المجتمع لا بدَّ أن يتطور وفقاً لقوانين داخلية معينة. طبقاً لذلك رأى فيكو أن كل أمة تمر بثلاث مراحل في تطورها: المرحلة الإلهية، والمرحلة البطولية، والمرحلة الإنسانية، وهى مراحل تمثل دورة الحياة الإنسانية- الطفولة والشباب والنضج. وتمثل الدولة التى لا تنشأ إلا في المرحلة البطولية، سيطرة الأرستقراطية. ويحل محل الدولة في المرحلة الإنسانية مجتمع ديمقراطي تنتصر فيه الحرية و"العدالة الطبيعية". ويتبع هذا، وهو ذروة التقدم الإنساني، انهيار بحيث يعود المجتمع إلى حالته الأولى الإلهية، ثم يستأنف حركته الصاعدة مجدداً لتبدأ دورة جديدة.



تظهر بعد ذلك تأملات شارل دى مونتسكيو (1689-1755) التى تجعله من مؤسسي نظرية الحتمية الجغرافية بادعائه أن السيماء الأخلاقية للشعوب وطابع قوانينها وأشكال حكوماتها يحددها المناخ والتربة ومساحة الإقليم. في كل عمل مونتسكيو تنتشر فكرة أن القوانين تؤلف نظاماً "ثمة أشياء عديدة تحكم الناس: المناخ والدين والقوانين والمبادئ الأساسية للحكومة وأمثلة الأشياء الماضيَّة والطبائع والآداب". قد تبدو اللائحة للوهلة الأولى مجرد تعداد، لكن مونتسكيو يدخل معياراً يسمح بتمييز الطريقة التى تؤثر فيها هذه الضغوط المختلفة على الأنواع المتباينة للقوانين. كلما كان التمايز في المجتمع أقل، كلما كان الأساس "التشكلى" (المناخ والبيئة والبنية الديموغرافية) أكثر إلزاماً. كلما كان الناس أكثر "تمدناً" كلما ازداد استناد قانونية النظام الاجتماعي على القوانين والطبائع والآداب. يميز مونتسكيو التعابير الثلاثة، لكنه يميز أولاً الاثنين الأخيرين عن الأول. إن الصين حيث ينم الانتظام عن طريق "الآداب" و"العبادات والطقوس"، تختلف عن إسبارطة حيث الأولوية كانت دائماً "للطبائع"، أي لقواعد السلوك إزاء الآخر. فبعد أن ميز بينها يعود فيجمع الطبائع والآداب التى يضعها معاً في مواجهة القوانين التى هي "أعراف أقرها المُشرع". إن الشعوب الحرة هى التى يحكمها القانون، في حين أن البلدان التى تسيطر فيها الطبائع والآداب تكون عرضة للاستبداد والطغيان. لكن الضبط عن طريق القوانين هو نفسه معقد وموضع خلاف. صحيح أن الحرية السياسية، كما يوحى بذلك مثل إنجلترا، يمكن أن تنتج طبائع وآداب حرة في نطاق التجارة والحياة الخاصة. ولكن يمكن أن يحصل كذلك، كما في إسبرطة وروما، أن لا تكون القوانين إلا اصطناعا من المُشرع الذى يسعى إلى استعادة "العادات القديمة"، أي إلى استعادة الطبائع والآداب، سلطة كانت قد فقدتها. وبما أن قوانين كل بلد تشكل نظاماً، فإننا نستطيع أن نقارن بين هذه البلدان. يقارن مونتسكيو إنجلترا بروما، والصين باسبرطة، لكنه يبدى حذره لكي يحدد تحت أية علاقة يقارنها، يمكن لمجتمعين أن يتشابها تحت علاقة ما، في حين أنهما مختلفان تحت علاقة أخرى.



ونادى آن روبير جاك تيرغو (1727-1781) بالفكرة القائلة بأن تقدم المجتمع يرتبط ارتباطا وثيقاً بتطور الحياة الاقتصادية. وكان تيرغو يعترف بأهمية النمو الاقتصادي وتقدم العلم والتقنية لما فيه صالح التطور الاجتماعي، واعتقد بأن "الناتج الصافي"، أي فائض القيمة يتم خلقه في مجال الإنتاج لا في مجال التداول، وقدم بعض الأفكار عن التقسيم الطبقي للمجتمع وجوهر الأجور.



أما جان أنطوان كوندورسيه (1743-1794) ففقد دعا إلى طرح الخرافات جانباً وتطوير المعرفة العلميَّة. يتصور كوندورسيه التاريخ نتاجاً للعقل الإنساني معلناً بأن النظام البورجوازي هو قمة المعقولية و"الطبيعة". قسم كوندورسيه التاريخ إلى عشر فترات على أساس الصفات الاتفاقية، وأخذ على عاتقه مهمة تبرير أن الرأسمالية تضمن تقدماً لا نهائياً. وعارض كوندورسيه نظام المقاطعات الاجتماعية، وحارب من أجل المساواة السياسية داعياً إلى استئصال الحكم الدكتاتوري وإلى التطور الحر للفرد. لكنه اعتقد في الوقت نفسه أن عدم المساواة فيما يتعلق بالملكية أمراً مفيداً.



وأقام كلود هنرى سان سيمون (1760-1825) مبدأ الفلسفة الطبيعية، أى دراسة الطبيعة في مواجهة التقاليد المثالية بخاصة المثالية الألمانية. واعتنق الحتميَّة بصورة حاسمة ومدَّ نطاقها إلى تطور المجتمع البشرى موجهاً اهتماما خاصاً بدعم الفكرة القائلة بأن التاريخ تحكمه قوانين. وكان يعتقد أن التاريخ لا بدَّ أن يسهم في التقدم البشرى بالقدر الذى تسهم به العلوم الطبيعية. فكل نظام اجتماعي هو خطوة للأمام في التاريخ. ولكن القوى المحركة للتطور الاجتماعي هي تقدم المعرفة العلمية والأخلاق والدين. وبالتالي فإن التاريخ يمر بثلاث مراحل: لاهوتية (وهى فترة سيطرة الدين) وتشمل النظامين العبودي والإقطاعي، وميتافيزيقية (وهى فترة سقوط النظامين العبودي والإقطاعي)، ووضعية (وهى النظام الاجتماعي المستقبلي القائم على العلم). وقد ساعده مفهومه الاجتماعي على أن يبين أن كل نظام اجتماعي ينبثق انبثاقا طبيعياً من التطور التاريخى السابق له. وسوف يقوم المجتمع المستقبلي على أساس صناعة واسعة النطاق منظمة تنظيماً علمياً، ولكن مع الاحتفاظ بالملكية الخاصة والطبقات، وسوف يكون الدور الرائد فيه من نصيب العلم والصناعة وسينهض به العلماء ورجال الصناعة. وينبغي أن يعطى حق العمل لكل إنسان كل حسب قدرته.



وفي عام 1859 ظهر عمل شارلس داروين (1809-1882) "أصل الأنواع" الذى جاء إيذاناً باندلاع عاصفة لم تنقشع حتى يومنا هذا. لقد تم بفضل عمل داروين تفسير لغز الأنواع: الأنواع غير ثابتة بل هي متحولة تطورت عن أنواع أخرى عبر بميكانيزم الاصطفاء الطبيعي. وشرح داروين في كتابه المذكور مفهوم التطور في خمس نقاط يمكن اختزالها في الآتي:



أولاً، أن كل الأنواع قادرة على إنتاج نسل بصورة أسرع مما هو عليه الحال بالنسبة للزيادات في إنتاج الطعام.

ثانياً، تظهر كل الكائنات الحية تنوعات، فليس هناك من فردين للنوع الواحد متشابهين تماماً.

ثالثاً، بما أن عدد الأفراد الموجودين أكثر مما يفترض بقاءه فإن صراعاً مريراً ينشأ تكون الغلبة فيه لأولئك الأفراد الذين يؤلفون نوعاً إيجابياً كماً، وقوة، ومقدرة على الجري أو أية خصائص إيجابية أخرى ضرورية للبقاء.

رابعاً، تنتقل تلك التنوعات الإيجابية بالوراثة إلى الجيل اللاحق.

خامساً، تنتج تلك الأنواع الناجحة، على مدى فترات من الزمن الجيولوجي، اختلافات تؤدى إلى ظهور أنواع جديدة.


وكان العلماء في وقت سابق يرون في الأنواع وحدة غير متغيرة إذ أنه إذا تبدلت الأنواع فلن تكون أنواعاً. فالأنواع كانت، إذن، في أساس المناقشات حول النباتات والحيوانات ولم تكن للأفراد أهمية في داخل الأنواع. من هنا صَعُّب على العديد من العلماء رؤية الكيفية التى يمكن بها حدوث التغير. وكان داروين يرى أن تنوع الأفراد هو ما قد يفسر كيفية حدوث التغير. التنوعات الأكثر كفاءة تم اصطفاءها عن طريق الطبيعة للبقاء بينما الأقل كفاءة تم استثناءها. ومن ثم فإن مفكري علم السكان أصبحوا يؤكدون على تفرد كل شئ في العالم العضوي. الأهم بالنسبة لهم هو الفرد لا النوع. إنهم يؤكدون على أن كل فرد من الأنواع التى تعيد إنتاج نفسها جنسياً هو نوع مختلف فرداً عن كل الآخرين. ليس هناك فرد نموذجي في تصورهم. وقد تم التأكيد على تفرد الفرد (أي التنوع الذى يحدث في كل المجموعات السكانية- بمعنى أن السكان هم مجموعة من الأفراد المتفاعلين، لا نوعاً) وهذا هو ما قاد داروين إلى مفهوم الاصطفاء الطبيعي ميكانيزماً مكن التطور من أن يكون فاعلاً. فالاصطفاء الطبيعي يفعل في الأفراد، إيجاباً أو سلباً، لكن السكان هم الذين يتطورون. وحدة الاصطفاء الطبيعي أصبحت انطلاقا من هذا الفهم هى الفرد بينما أصبح السكان هم وحدة التطور.



هكذا فإن نظرية التطور في الطبيعة الحية كما صاغها داروين يمكن اختزالها في أن العوامل الرئيسة في تطور الكائنات الحيَّة هي التحول والوراثة والاصطفاء الطبيعي. الأصلح بين الكائنات الحية هو وحده الذى يبقى ويتكاثر في الصراع من أجل البقاء تحت تأثير البيئة الخارجية. ويُحسن الاصطفاء الطبيعي بصورة مستمرة بنيان الكائنات العضوية ووظائفها دافعاً قدرتها على التكيف مع الأشياء الخارجية المحيطة...هكذا لم يعد العلم بعد داروين كما كان عليه أبداً.


الاتجاه التطوري: البدايات الأولى
على قاعدة هذا التقدم الفكري والعلمي المحقق في القرن 18 والنصف الأول من القرن 19 بدأ ظهور الأنثروبولوجيا الحديثة مفهوماً وموضوعاً ومنهجاً. ففي الفترة 1860-1880 انبثقت التطورية الثقافوية اتجاها نظرياً رئيساً في الأنثروبولوجيا. كان مؤلف باخوفن "حق الأم"، ومؤلف هنرى مين "القانون القديم" الذين صدرا كلاهما في عام 1861 باكورة مؤلفات المدرسة التطورية في الأنثروبولوجيا. أعقبهما في عام 1865 مؤلف تايلور "أبحاث في التاريخ المبكر للجنس البشرى". وفي عام 1869 ظهر مؤلف مورغان "أنظمة القرابة والمصاهرة في الأسرة البشرية". وظهر مؤلف تايلور "المجتمع البدائي" في عام 1871، ومن ثم مؤلف مورغان "المجتمع القديم" في العام 1877.



أحرزت الأنثروبولوجيا بمفهومها الحديث وتوجهها النظري التطوري تقدماً ملحوظاً منذ النصف الثاني من القرن 19 تحديداً مع بدايات الحركة الإمبريالية التى مكنت الكثير من دول أوربا الغربية في فرض سيادتها على العديد من المجتمعات غير المعقدة والمنعزلة جغرافياً وثقافياً، وهى المجتمعات التى أطلق عليها الأنثروبولوجيون في المراحل السابقة تسميات متنوعة: "المجتمعات البدائية" و"الطبيعية" و"المتوحشة". أتاحت حركة التوسع الإمبريالي الغرب أوربي الفرصة لعلماء الأنثروبولوجيا الأوربيين التعرف على العديد من المجتمعات غير المعقدة والمنعزلة جغرافياً ودراستها وتحليل بنياتها الثقافية والاجتماعية. وقد دفعهم إلى ذلك عدة أسباب نذكر منها: (1) محاولة ربط ما تم الكشف عنه من معطيات نتيجة تقدم أعمال التنقيب الآثارى في مواقع ما قبل التاريخ الأوربية والعالمية بثقافات الجماعات "البدائية" المنعزلة وذلك عن طريق التعرف على بنياتها وعاداتها وتقاليدها وطقوسها الدينية وفنونها الخ. (2) اختبار الفرضيَّات القائلة بكون تلك الثقافات "البدائية" المعاصرة تمثل المراحل الأولى للتطور الثقافي لبنى الإنسان عموماً، أي تسخير الدراسات الأنثروبولوجية للتعرف على خصائص أنماط الحياة البدائية بحسبانها نموذجاً حياً معاصراً من أنماط الحياة السابقة "الطبيعية" في المراحل التاريخية الوحشية والبربرية.."الاهتمام من ناحية اجتماعية على جماعة الفلاحين البدائيين الذين تختلف حياتهم عن طرق حياة الأوربيين والحضارة الغربية..دراسة هذه الجماعات البدائية ليست مثيرة فقط ومهمة للمشتغلين في البلدان المختلفة، ولكنها تنير طريق دراسة العادات والمعتقدات الأوربية". (3) نتيجة لما توفره تقارير الرحالة والمبشرين عن تلك الجماعات التى عاشوا وسطها وتعرفوا على ثقافاتها، سعت الدراسات الأنثروبولوجية إلى سد النقص في سلسلة المعارف والمعلومات عن مجتمعات غير غربية يختلف نمط حياتها عن نمط الحياة الأوربية. (4) سياسياً تساعد تلك الدراسات السلطات الاستعمارية في إحكام قبضتها على المجتمعات المقهورة المستعمرة إدارياً..."لقد قمنا بدراسة شعوب الأراضي المنخفضة بشكل لم يقم به منتصر آخر، وبشكل لم تدرس أو تفهم فيه قبيلة خاضعة للسيطرة. فنحن نعرف تاريخهم وعاداتهم وحاجاتهم ونقاط ضعفهم بل وأحكامهم المسبقة، وهذه المعرفة الخاصة قد أتاحت لنا توفير قاعدة للإرشادات السياسية التى يمكن ترجمتها بالحذر الإداري والإصلاح اللازم في حينه، وهذا ما يرضى الرأي العام". (5) استغلال الأنثروبولوجيا لأغراض "الاستعمار العلمي"..وصف شروط الوجود البدائي في المرحلة السابقة لدخول الاستعمار، بحيث تصف نمط هذا الوجود قبل أن يصار للقضاء عليه، أو تتناول وصف شروط هذا الوجود كما خلقه الاستعمار، أى يتحول حقل الأنثروبولوجيا إلى دراسة التغير الاجتماعي أو "التثاقف".



من أهم ما يميز النصف الثاني للقرن 19 هو سيادة نظرية التطور الداروينية. من خلال الداروينية نمت الأنثروبولوجيا الفيزيقية نمواً هائلاً. في فرنسا قام بول بروكا بفصل جمعية باريس الأنثروبولوجية في عام 1859 عن الجمعية الاثنولوجية التى كانت قد أنشئت منذ العام 1939. وفي بريطانيا أنشأ جيمس هنت الجمعية الأنثروبولوجية البريطانية. وظهرت في فرنسا دراسات بوشيه دى برث عن آثار ما قبل التاريخ التى تم الكشف عنها في وادي السوم والتي تركت تأثيراً كبيراً على تقدم الاتجاه التطوري الثقافوى في دراسة الثقافات الإنسانية. وفي ألمانيا بدأت الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة على يد تيودور فايتز الذى أكَّد في الجزء الأول من كتابه "أنثروبولوجية الشعوب الطبيعية" الصادر في عام 1858 (قبل عام من نشر عمل داروين) على أن اختلاف الشعوب فيما بينها يرجع إلى تأثيرات البيئة عامة والمناخ خاصة، وإلى نوعية الغذاء ونمط الحياة وإلى التطور الثقافي والطفرات. ويؤكد فايتز أن كافة الشعوب قد بدأت من درجة الصفر: الإنسان الطبيعي بدون مدنية. ويؤكد أن الاختلافات في درجات التطور لا ترجع إلى هبات أو قدرات عقلية، فهذه متساوية عند جميع الناس. نجمت الاختلافات عن اختلاف الفرص التى هيأتها الظروف الطبيعية وخاصة المناخ والموقع الجغرافي والعلاقات التاريخية.



وتعرض فايتز لمبدأ الانتشارية في مواجهة النشأة المستقلة لكثير من العناصر الثقافية المتشابهة. وأشار إلى ظاهرة الكوفادة التى يتكرر ظهورها في مجتمعات متباعدة جغرافياً: أفريقيا، وإقليم الباسك الأسباني، والأناضول القديمة، وأندونيسيا، وأمريكا الجنوبية. ولم يحاول فايتز تفسير الكوفادة أو غيرها من الظواهر الثقافية. يميل فايتز عموماً إلى مبدأ الانتشارية بخاصة عند معالجته للتشابهات الثقافية الكبرى مثل تلك الملاحظة بين كل من أمريكا الشمالية وسيبريا، والهند وبولونيزيا. ويؤكد أن التشابه في نظام تقسيم السنة عند الآسيويين والمكسيكيين يعود إلى الانتشار رافضاً احتمال استقلالية النشأة في كل من المنطقتين على حدة. ويحدد مسار حركة الانتشار من آسيا إلى أمريكا عبر مضيق بيهرنج مع عدم استبعاد لإمكنية حدوث الانتشار من آسيا إلى المكسيك عبر جزر المحيط الهادي مباشرة.



وفي عام 1861 ظهر كتاب عالم الأنثروبولوجيا النمساوي يوهان ياكوب باخوفن (1815-1887) المعنون "حق الأم". وضع باخوفن في هذا الكتاب تتابعاً زمنياً لنظم الزواج والأسرة والميراث والتركيب الاجتماعي. وتتلخص آراء باخوفن في أنه كانت هناك عدة مراحل أقدمها مرحلة "الاختلاط الجنسي"، تليها مرحلة ثورة المرأة على هذه الأوضاع وتأسيسها لما يسمى بمرحلة النظام الأمومي الذى تثبت فيه صلات الأمهات بالأبناء، ويسمى باخوفن هذه المرحلة ب"الأمازونية". ويربط باخوفن هذا النظام بمجموعة من الوظائف الاجتماعية: الأسرة الأمومية، والنسب الأموي، والإرث الأموي، ونظم دينية تسيطر عليها آلهة الأرض، وتقوم فيها النساء بدور رئيس في النظام الكهنوتي، بالإضافة إلى شيوع عادات وطقوس الخصوبة. وأخيراً يسيطر القمر (بصيغته مؤنثاً) على الشمس. ثم تأتى المرحلة الثالثة حيث تسقط وظيفة المرأة السياسية والدينية ويحل محلها النظام الأبوي. وتظهر في هذه المرحلة الأسرة الحقيقية وتسيطر آلهة السماء على آلهة الأرض والشمس على القمر. لكن بقايا النظام الأمومي لا تزال تظهر في بعض العناصر الثقافية مثل نظام وراثة ابن الأخت للخال (وهو ما كان سائداً في كوش حتى بداية عصرها الإسلامي)، ونظام الكوفادة، ونظام الزواج الأموي المكان ..الخ.


ولا شك أن المراحل الثلاث تلك هي مجرد تركيب نظري بحت بخاصة المرحلة الأولى. وقد اعتمد باخوفن على كتابات هيرودوت عن النظام الأمومي في ليكيا. ورغم أن لافيتو كان قد سبق باخوفن في دراسة النظام الأمومي كما أسلفنا، فإن دراسة الأول كانت ذات طبيعة تاريخية محضة لتطور النظام عند الإيروكيز، هذا في حين جاءت دراسة باخوفن نابعة عن وظيفة النظام الأمومي ودوره في التركيب الاجتماعي
منقول


التوقيع




مع تحيات
رشاد ابوجامع فرغلى حسن ( رشاد الفقيه)






13/04/2008 - 01:16 صباحاً

رد مع اقتباس


#4 رد :للمساعده

رشاد الفقيه

المشرف العام


الصورة الشخصية لـرشاد الفقيه


الهوية الشخصية
رقم العضوية : 1
المشاركات : 10420
الزيارات : 2044
الانضمام : 7/5/2007
النوع : ذكـــــر
الحالة : غير متصل



انتشار المثير الثقافي

Stimulus Diffusion

هو عملية الانتشار الثقافي التي تنتشر فيها فكرة اختراع ثقافي من شعب إلى آخر، ويصوغ فيها المستقبلون هذه الفكرة في شكل جديد متفرد. وقد قدم كروبر هذا المفهوم عام 1940. وهو يرى أن هذا النوع من الانتشار (يحدث في الظروف التي لا يلقى فيها النسق أو النمط في حد ذاته، أي مقاومة لانتشاره، ولكن توجد صعوبات فيما يتعلق بنقل المضمون الملموس لهذا النسق. فالذي يقبل في هذه الحالة هو فكرة هذا المركب أو النسق، ولكن يبقى على الثقافة المستقبلة أن تضع مضموناً جديداً) فهي بهذا المسألة إعادة اختراع، على نحو أو آخر. ويضيف كروبر إلى هذا أن انتشار المثير الثقافي (هو مفهوم لاختبار بعض أوجه الشبه بين الثقافات التي ضعفت العلاقة التاريخية بينها أو لم تقم لها قائمة على الإطلاق) ومن العبارات الأخرى الدالة على العملية نفسها (انتشار الفكرة).

منقول


التوقيع




مع تحيات
رشاد ابوجامع فرغلى حسن ( رشاد الفقيه)






13/04/2008 - 01:17 صباحاً

رد مع اقتباس


#5 رد :للمساعده

رشاد الفقيه

المشرف العام


الصورة الشخصية لـرشاد الفقيه


الهوية الشخصية
رقم العضوية : 1
المشاركات : 10420
الزيارات : 2044
الانضمام : 7/5/2007
النوع : ذكـــــر
الحالة : غير متصل




اولا اسف على هذا الرد الطويل جداااا و لكن هذا الرد به العديد من مداخل الانثروبولوجيا بما فيها المدخل الثقافى

وانطلاقاً من هذا الاتّجاه، ظهرت في أوروبا نظريتان مختلفتان حول التفسير الانتشاري لعناصر الثقافة.‏

النظرية الأولى : هي النظرية الانتشارية التي تعتمد الأصل المركزي الواحد للثقافة / الحضارة . سادت هذه النظرية في إنكلترا، وأرجعت نشأة الحضارة الإنسانية كلّها إلى مصدر واحد، ومنه انتشرت إلى المجتمعات الإنسانية الأخرى .‏

وكان من روّاد هذه النظرية، عالم التشريح / إليوت سميث / وتلميذه / وليم بيري / اللذان رأيا أنّ الحضارة الإنسانية، نشأت وازدهرت على ضفاف النيل في مصر القديمة، منذ حوالي خمسة آلاف سنة قبل الميلاد .‏

وعندما توافرت الظروف المناسبة للتواصل بين الجماعات البشرية، بدأت بعض مظاهر تلك الحضارة المصرية القديمة تنتقل إلى أرجاء متعدّدة من العالم، حيث عجزت شعوبها عن التقدّم الثقافي والابتكار الحضاري، فراحت تعوّض عن ذلك العجز بالاستيراد والتقليد. (رياض، 1974، ص 127)‏

لقد نال / إليوت سميث / شهرة كبيرة عن جدارة، نتيجة أبحاثه عن المخ ودراساته في الأنثروبولوجية القديمة Paleo-anthropology))، حيث انكبّ في إحدى فترات حياته على دراسة المخ في المومياء المصرية. وقادته أبحاثه هذه إلى الإقامة في مصر، حيث أدهشته الحضارة المصرية القديمة. وأخذ، كما فعل العديدون، يلاحظ أنّ الثقافة المصرية القديمة، تضمّ عناصر كثيرة يبدو أنّ لها ما يوازيها في ثقافات بقاع أخرى من العالم، وقلبت نظرياته الجريئة، الاعتبارات التقليدية عن الزمان والمكان. فلم يقتصر على القول بأنّ العناصر المتشابهة في حوض البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا والشرق الأدنى والهند، من أصل مصري، بل ذهب إلى أنّ العناصر المماثلة في ثقافات أندونيسيا والأمريكتين، تنبع من المصدر المصري ذاته .‏

أمّا / وليم بيري / فقد أعطى في كتابه (أبناء الشمس) شرحا كاملاً للنظرية " الهيليوليتية Heliolithic " وهو الاسم الذي أطلق على / المدرسة الانتشارية / عن تاريخ الثقافة. فعنوان الكتاب، يشير إلى أحد عناصر المجمّع الثقافي الذي تزعم هذه المدرسة أنّ أصله في مصر، ومنها انتشر.. وهو الاعتقاد بأنّ الملك ابن الشمس، والعناصر الأخرى في هذا المجمّع هي : التحنيط، بناء الأهرامات، والقيمة الكبرى للذهب واللآلىء .( هرسكوفيتز، 1974، ص 210 )‏

وتنطلق براهين / سميث وبيري / من أنّ بناء الأهرامات أيضاً من منشأ مصري، كما هي الحال في أهرامات المكسيك. وكذلك الأمر في احتفاظ الأفريقيين بعظم ساق الملك المتوفّى، لاستعماله في الطقوس الدينية نتيجة لانتشار عادة التحنيط عند المصريين.‏

النظرية الثانية : هي النظرية الانتشارية التي تعتمد الأصل الثقافي / الحضاري، المتعدّد المراكز. وكان من دعاة هذه النظرية، فريق من العلماء الألمان والنمساويين، وفي طليعتهم / فريتز جراينور / الذي عاش في الفترة ما بين 1875-1934) و/وليم شميدت / الذي عاش في الفترة ما بين (1868-1959) .‏

لقد رفض هذا الفريق فكرة المنشأ( المركز) الواحد للحضارة الإنسانية، لأنّ هذه الفكرة ضرب من الخيال أكثر من قربها إلى الأساس العلمي. وافترضوا وجود مراكز حضارية أساسية وعديدة ، في أماكن متفرقة في العالم. ونشأ من التقاء هذه الحضارات، بعضها مع بعض، دوائر ثقافية تفاعلت ببعض عمليات الانصهار والتشكيلات المختلفة .‏

وكان / ويسلر / أوّل من استعمل (الدائرة الثقافية) بهذا المعنى، في بحثه عن ثقافات الهنود الأمريكيين. ولا يزال تعريفه لهذا المفهوم على الرغم من تعديله، منذ ذلك الوقت مفيدا في هذا المجال. يقول / ويسلر / : " إذا أمكننا تجميع سكان العالم الجديد الأصليين، أي الهنود الأمريكيين، فسنحصل على دوائر متعدّدة : دوائر طعام، دوائر منسوجات، ودوائر خزف ... وغيرها. وإذا أخذنا في الحسبان العناصر جميعها في وقت واحد، وحوّلنا الوحدات الاجتماعية أو القبلية، يمكننا أن نجد جماعات محدّدة المعالم، وهذا ما يعطينا الدوائر الثقافية، أو تصنيفاً للجماعات وفق عناصر ثقافتهم ". (هرسكوفيتز، 1974، ص 124 )‏

وهذا ما يفسّر أوجه الاختلاف عن تلك الثقافات المركزية الأساسية. إلاّ أنّ أصحاب هذا الرأي لم يقدّموا الدلائل على أماكن وجود تلك المراكز، أو عمليات تتبع حركات الاتّصال فيما بينها، ودراسة النتائج المترتّبة على ذلك، بطريقة منهجيّة سليمة .( فهيم، 1986، ص160)‏

لقد كانت وجهة نظر المدرسة (الثقافية التاريخية) الألمانية – النمساوية، أكثر عمقاً وتنميقاً .. وكانت عنايتها باختيار معايير الحكم على قيمة وقائع الاقتباس المفترضة، وإصراراها على الحيطة في استخدام مصادر المعلومات، ودقّتها في تحديد تعريفاتها، وغنى وثائقها، تتجاوب كلّها تماماً مع متطلّبات البحث العلمي الدقيق، ولهذا لاقت قبولاً واسعاً .‏

تقوم نظرية المدرسة (الثقافية – التاريخية) في جوهرها، وكما شرحها زعيمها / وليم شميدت /، على نظرة صوفية إلى طبيعة الحياة وإلى التجربة الإنسانية. فقد نشأت هذه المدرسة ضمن إطار فكري، واستخدمت تعبيرات ومصطلحات تختلف اختلافاً جوهرياً عن النظرة العقلانية، وعن مفردات أغلب المفكّرين الأنثروبولوجيين .. ويظهر ذلك في مناقشة / شميدت /طرائق البحث في دراسة الدوائر الثقافية المختلفة، والتي تقسم إليها هذه المدرسة، أي الثقافات جميعها .، وترى أنّها انتخبت الثقافات الموجودة – اليوم – في العالم، بواسطة انتشار عناصرها .‏

ويعترف / شميدت /، كما يعترف الأنثروبولوجيون جميعهم، بالحاجة إلى فهم (معنى الحياة البدائية) بالنسبة لمن يعيشونها. والأهمّ من ذلك، فهم معناها بالنسبة لأولئك الذين عاشوها في العصور الغابرة ... ويقول / شميدت / إنّنا نعرف ذلك باللجوء إلى المبدأ السيكولوجي التعاطفي، الذي يستطيع الإنسان بواسطته أن يضع نفسه في الحالة النفسيّة للشخص الذي يرتبط معه بعلاقة ما.(هرسكوفيتز، 1974، ص213)‏

أمّا إسهام / فريتز جرابنور/ في منهج المدرسة التاريخية – الثقافية بوجه خاص، وفي علم الأنثروبولوجيا، بوجه عام، فتمثّل في التحديد الدقيق الموضوعي لمعايير تقييم انتشار بعض العناصر الثقافية، من شعب إلى شعب آخر .‏

فالنظام الاجتماعي والثقافة السائدان عند جماعة (مجتمع ما) لهما تأثير انتقائي، إذ يحولان دون قبول نماذج لا تنسجم البتّة مع النسق القائم. وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أثر الاقتباس على الأنظمة الاجتماعية، حيث تتوقّف فرص الاقتباس على الاحتكاكات التي تكون وليدة المصادفات. ومثال ذلك : أن تكون الثقافة التي احتكّ بها الهنود المكسيكيون هي الثقافة الإسبانية، أمر يمكن اعتباره حدث اتفاقاً وعَرَضاً. وكذلك الحال بالنسبة لهنود الولايات المتّحدة الأمريكية، الذين كان معظم احتكاكهم بالثقافتين الإنجليزية والفرنسيّة. (لينتون، 1964، ص 354 )‏

إنّ هذه المعايير التي يدعونها معايير الكيف والكم، هي أساسية في الدراسات التي تتناول النقل الثقافي جميعها، ومعناها بسيط جدّا ؛ فعندما يبدو للعيان تماثل بين ثقافتي جماعتين مختلفتين، فإنّ حكمنا حول احتمال اشتقاقهما من مصدر واحد، يتوقّف على عدد العناصر المتماثلة ومدى تشابكها. فكلّما ازداد عدد العناصر المتماثلة، ازداد احتمال وقوع الاقتباس .. وينطبق الأمر ذاته على مدى تداخل (تعقيد) عنصر من العناصر. ولذا يمكن استخدام القصص الشعبية، مثلاً، استخداماً مفيداً في دراسة الاحتكاك التاريخي بين الشعوب البدائية. (هرسكو فيتز، ص 213)‏

ولم يقتصر التفسير الانتشاري على أوروبا فحسب، وإنّما امتدّ أيضاً إلى أمريكا حيث ظهرت حركة مماثلة لآراء / سميث وشميدت / من حيث نقد التفسير التطوّري للثقافة، والاتّقاق على فكرة انتشار العناصر الثقافية بطريق الاستعارة والتقليد، كأساس لتفسير التباين الثقافي / الحضاري بين الشعوب .‏

أمّا بخصوص فكرة المراكز الحضارية (الدوائر الثقافية) فيرى أصحاب المدرسة الأمريكية، أنّ الملامح المميزّة لثقافة ما، وجدت أولاً في مركز ثقافي – جغرافي محدّد ثمّ انتقلت إلى أماكن أخرى من العالم. وهذا يعني أنّ أصحاب الاتّجاه الانتشاري في أمريكا، رفضوا آراء الأوربيين بعدم إمكانية التطوّر الحضاري المستقلّ، وأن بعض الناس بطبيعتهم غير مبتكرين أو قادرين على القيام بعملية الابتكار والتطوّر.‏

وكان الأمريكي / فرانز بواز / الرائد الأوّل لهذا الاتّجاه التاريخي / التجزيئي، قد عارض الفكرة القائلة بوجود طبيعة واحدة وثابتة للتطوّر الثقافي. ورأى أنّ أية ثقافة من الثقافات، ليست إلاّ حصيلة نمو تاريخي معيّن. ولذلك، يتوجب على الباحث الأنثروبولوجي أن يوجّه اهتمامه نحو دراسة تاريخ العناصر المكوّنة لكلّ ثقافة على حدة، قبل الوصول إلى تعميمات بشأن الثقافة الإنسانية بكاملها. وقد أصرّ/ بواز/ على أنّه لكي تصبح الأنثربولوجيا علماً، فلا بدّ أن تعتمد في تكوين نظرياتها على المشاهدات والحقائق الملموسة، وليس على التخمينات أو الفرضيات الحدسيّة .‏

ومن هذا المنطلق، استخدم / بواز / مصطلح (المناطق الثقافية) للإشارة إلى مجموعة من المناطق الجغرافية ذات النمط الثقافي الواحد، بصرف النظر عمّا تحتويه هذه المناطق من جماعات أو شعوب. وقد طبّق / بواز / هذا المفهوم على ثقافات قبائل الهنود الحمر في أمريكا، واستطاع تحديد – تمييز- سبع مناطق ثقافية رئيسة، يندرج تحتها هذا العدد الهائل من قبائل الهنود الحمر، والذي كان يزيد عن (50) قبيلة، في الوقت الذي نزح الأوروبيون لاستعمار القارة الأمريكية .‏

وبهذا يشير مفهوم (المنطقة الثقافية) إلى طرائق السلوك الشائعة بين عدد من المجتمعات التي تتميّز باشتراكها في عدد من مظاهر الثقافة، نتيجة لدرجة معيّنة من الاتّصال والتفاعل.(أبو زيد، ،1980، ص 202 )‏


وإذا ما تصفّحنا كتابات / بواز / وجدنا أنّ أفكاره تتميّز عن أفكار/ سميث وبيري وشميدت / وغيرهم من الانتشاريين المتطرّفين، وذلك بتشديده على النقاط التالية :‏

1- إنّ الدراسة الوصفية للانتشار، مقدّمة لدراسة عملية الانتشار دراسة تحليلية .‏

2- يجب أن تكون دراسة الانتشار دراسة استقرائية، أي أنّه يجب دراسة العناصر الثقافية المترابطة (المجمّعات الثقافية) التي يزعم أنّها ناشئة عن الانتشار تبعاً لعلاقتها الداخلية، أكثر من كونها مجموعة من العناصر شكّلها الباحث اعتباطياً .‏

3- يجب أن تتّجه دراسة الانتشار من الخاص إلى العام، ورسم توزيع للعناصر في مناطق محدودة، قبل رسم خارطة توزّعها في القارة، وترك الكلام عن توزّعها في العالم كلّه .‏

4- إنّ منهج دراسة العملية الديناميكية ،والانتشار ليس سوى وجه من وجوهها، يجب أن يكون منهجاً سيكولوجياً، وأن يعود إلى الفرد بغية فهم حقائق التغيّر الثقافي. (هرسكوفيتز، 1974، ص 216)‏

واستناداً إلى هذه المنطلقات، يرى / بواز / أنّ مراعاة العوامل السيكولوجية الكامنة في عملية الاقتباس، تكتسب أهميّة كبيرة في هذه الدراسات الثقافية. كما يجب تحليل هذه الثقافات بصورة إفرادية أولاً، ومن ثمّ إجراء مقارنة تفصيلية فيما بينها، سواء من حيث نظامها البنائي أو من حيث عناصرها. ولا تكون النتائج مقبولة، إلاّ بتحرّيات في مناطق عديدة ـ تسمح بتعميم هذه النتائج .‏

فقد اكتشف / بواز / أنّ ثمّة عدداً من السمات الثقافية المشتركة بين جماعات الهنود الحمر، التي تعيش في السهول الساحلية لأمريكا الشمالية .فعلى الرغم من أنّ لكلّ منها استقلاليتها الخاصة واسمها ولغتها وثقافتها، إلاّ أنّ سكانها جميعهم يصطادون الجاموس للغذاء، ويبنون المساكن على أعمدة يغطونها بالجلود التي يستخدمونها أيضاً في صنع الملابس. ..‏

وهكذا جاء مفهوم (مصطلح) المنطقة الثقافية، كتصنيف وصفي وتحليلي للثقافات، الأمر الذي يسهل المقارنة بين الثقافات، ومن ثمّ الوصول إلى تعميمات بشأن الثقافة الإنسانية كلّها .( أبو زيد، 1980، ص 203)‏

ونتج عن هذا الاتّجاه الانتشاري بوجه عام، أن بدأ الأنثروبولوجيون ينظرون إلى أنّ للثقافات الإنسانية كيانات مستقلّة من حيث المنشأ والتطوّر والملامح الرئيسة التي تميّز بعضها من بعض. وهذا ما عزّز فكرة تعدّد الثقافات وتنوّعها، وطرح مفهوم النسبية الثقافية التي أصبحت من أهمّ المفهومات الأساسيّة في الفكر الأنثربولوجي وتطوّره، كعلم خاص من العلوم الإنسانية لـه منطلقاته وأهدافه، توجب دراسته من خلالها .‏

ولكنّ نظرية الانتشار الثقافي بحسب فكرة الدوائر المتّحدة المركز، لاقت انتقادات شديدة، ومنها ما وجّهه / إدوارد سابير/ الذي ذكر ثلاثة تحفّظات على فكرة التوزّع المستمرّ :‏

أولها : يمكن أن يكون الانتشار في أحد الاتّجاهات، أسرع منه في اتّجاه آخر .‏

ثانيها: قد يكون الشكل الأقدم تاريخياً، تعرّض لتعديلات في المركز، بحيث يخطىء الباحث في تحديد المركز الحقيقي لأصل الشكل.‏

وثالثها: قد يكون لتحرّكات السكان داخل منطقة التوزّع، آثار تؤدّي إلى سوء تأويل نموذج " الانتشار الثقافي " .‏

ولكن، هل يعني هذا التخلّي عن محاولات إعادة تركيب الاحتكاك التاريخي، بين الشعوب البدائية والتطوّر التاريخي للمناطق التي ليس لها تاريخ؟ والجواب : ليس ثمّة ما يبرّر هذه النتيجة. ويبدو أنّ هذا الجهد المبذول في هذا المجال، إذا ما أخذ كل شيء في الحسبان، جدير بالاهتمام والعناية، بشرطين :‏

1- أن يكون بالإمكان اعتبار المنطقة المختارة للتحليل، ذات وحدة تاريخيّة.‏

2- أن يكون الهدف من التحليل، تقرير احتمال وقوع التطوّرات التاريخية، وليس تقرير الحقيقة المطلقة عنها .( هرسكوفيتز1974، ص 221 )‏

ولكن، مهما تعدّدت الأدلّة على ظاهرة الانتشار الثقافي، فإنّه يتعذّر بالنسبة للمجتمعات غير المتعلّمة –وفي معظم الأحيان – التمييز بين العناصر الثقافية التي تسرّبت إليها من الخارج، وبين العناصر التي نشأت من داخلها. ويتّضح من وجهة النظر التجريبية، أنّ كلّ ثقافة بمفردها اقتبست عن الثقافات الأخرى، أشياء أكثر من التي اخترعتها بذاتها. والدليل على ذلك، الانتشار الواسع لعناصر ثقافية معقدة في مجالات التكنولوجية والفنون الشعبية، والمعتقدات الدينية والمؤسّسات الاجتماعية. (لينتون، 1967، ص 272)‏

وهكذا نجد، أنّ عملية الانتشار الثقافي تسير في اتّجاهين، حيث يستفيد كلّ مجتمع من ثقافة المجتمع الآخر الذي يحتكّ به .. ولا سيّما في المجتمعات الكبيرة، حيث تتمّ عملية الانتشار الثقافي من خلال اقتباس عناصر من ثقافات أخرى، وانتشار مقوّماتها وأنماطها الرئيسة والفرعية، بين فئات هذه المجموعة البشرية الكبيرة.‏


1/2- الاتّجاه التاريخي / النفسي :‏
بدأ الاتّجاه التاريخي / التجزيئي يتعدّل ويأخذ مسارات جديدة، حيث ظهرت فكرة توسيع المفهوم التاريخي في دراسة الثقافات الإنسانية، وذلك بفضل من تأثّروا بنتائج علم النفس، ولا سيّما / سيغموند فرويد / الذي عاش ما بين (1852-1939) وتلامذته، الذين رأوا أنّه بالإمكان فهم الثقافة من خلال التاريخ، مع الاستعانة ببعض مفهومات علم النفس وطرائقه التحليلية. وهذا ما كان لـه أثر كبير في الاتّجاه نحو الكشف عن الأنماط المختلفة للثقافات الإنسانية.‏

فقد رأت / روث بيند كيت / ورفاقها أنّ دراسة التاريخ، بوقائعه وأحداثه، لا تكفي لتفسير الظواهر الاجتماعية والثقافية، وذلك لأن الظاهرة الثقافية بحدّ ذاتها مسألة معقّدة ومتشابكة العناصر. فهي تجمع بين التجربة الواقعية المكتسبة والتجربة السيكولوجية (النفسية )، وأنّ أية سمة من السمات الثقافية، تضمّ مزيجاّ من النشاط الثقافي والنفسي بالنسبة لبيئة معيّنة .( أبو زيد، 1980،‏

227)‏

وعلى الرغم من ذلك، فإنّ أية ثقافة لا تؤلّف نظاماً مغلقاً أو قوالب جامدة، يجب أن تتطابق معها سلوكات أعضاء المجتمع جميعهم . ويتبيّن من حقيقة الثقافة السيكولوجية، أن الثقافة – بهذه الصفة – لا تستطيع أن تفعل شيئاً، لأنّها ليست سوى مجموع سلوكات الأشخاص الذين يؤلّفون مجتمعاً خاصاً (في وقت معين ومكان محدّد) وأنماط عادات التفكير عند هؤلاء الأشخاص.‏

ولكنّ، على الرغم من أنّ هؤلاء الأشخاص يلتزمون – عن طريق التعلّم والاعتياد- بأنماط الجماعة التي ولدوا فيها ونشأوا، فإنّهم يختلفون في ردود أفعالهم تجاه المواقف الحياتية التي يتعرّضون لها معاً. كما أنّهم يختلفون أيضاً في مدى رغبة كلّ منهم في التغيير، إذ إنّ الثقافات جميعها عرضة للتغيير. (هرسكو فيتز 1974، ص65)‏

وهذا يدلّل على مرونة الثقافة، وإتاحتها فرصة الاختيار لأفرادها .. بحيث أنّ القيم التي يتمسّك بها مجتمع ما وتميزه من المجتمعات الأخرى، ليست كلّها ثابتة بالمطلق وتنتقل إلى حياة الأجيال المتعاقبة، وإنّما ثمّة قيم متغيّرة، تتغيّر بحسب التغيّرات الاجتماعية والثقافية التي يمرّ بها المجتمع.‏

ويعتبر كتاب " أنماط الثقافة " الذي نشرته/ بيند كيت / عام 1932، البداية الحقيقية لبلورة الاتّجاه التاريخي / النفسي في دراسة الثقافات الإنسانية. حيث أوضحت الدراسة أنّه من الضرورة النظرة إلى الثقافات في صورتها الإجمالية، أي كما هي في تشكيلها العام. وذلك، لأنّ لكلّ ثقافة مركز خاص تتمحور حوله وتشكّل نموذجاً خاصاً بها، يميزها عن الثقافات الأخرى .‏

ومن هذا المنظور، قامت/ بيند كيت/ بإجراء دراسة مقارنة بين ثقافات بدائية متعدّدة، وخلصت إلى أنّ ثمّة علاقات قائمة بين النموذج الثقافي العام ومظاهر الشخصية، وهذا ما ينعكس لدى الأفراد في تلك المجتمعات .(F reidle, 1977, p.302)‏

ومن الممكن دراسة مظاهر التكيّف المورفولوجي (الشكلي) للنوع البشري بالمصطلحات المألوفة في علم الأحياء، وفي الوقت نفسه، كان لا بدّ من تطوير أساليب فنيّة جديدة لوصف مظاهر التكيّف السلوكي والنفسي. ويعدّ مفهوم الثقافة من أهم المفهومات التي طوّرت في هذا المجال، وأكثرها فائدة وحيوية. ومع أنّ هذا المفهوم اقتصر في السابق على النواحي الوصفية، فإنّه – على أضعف تقدير – زوّدنا بطريقة محدّدة للتعرّف إلى النتاج النهائي لعمليات التكيّف، فوضع بالتالي أسساً للمقابلة بين النماذج المختلفة لطرق التكيّف. (لينتون، 1967، ص 196 )‏

لقد شهد الاتّجاه التاريخي/ النفسي في الدراسات الأنثربولوجية، ظهوراً متميّزاً في الربع الثاني من القرن العشرين، مترافقاً مع انتشار مدرسة التحليل النفسي التي أنشأها / فرويد / واستمدّ منها الأنثروبولوجيون الكثير من المفاهيم النفسية، لتحديد العلاقات المتبادلة بين الفرد وثقافته في إطار المنظومة الثقافية / الاجتماعية.‏

وقد انصبّ اهتمام أصحاب هذا الاتّجاه، على دراسة الموضوعات المتعلّقة بالتمييز الثقافي / الاجتماعي، بالاستناد إلى الميزات النفسية السائدة بين الأفراد والجماعات. وتعدّ دراسة بيند كيت، بعنوان " الكريزنتيموم والسيف The Chrsyanthemum and the Sword، عام 1946 " من أهمّ الدراسات في هذا الاتّجاه، حيث بحثت في علاقة الثقافة بالشخصيّة اليابانية .‏

وهذا ما ساعد في بلورة السياسة الأمريكية تجاه استسلام المحاربين اليابانيين في أثناء الحرب العالمية الثانية. وأوضحت الدراسة أنّ الجنود اليابانيين كانوا سيرفضون الاستسلام بصورة مطلقة، ويستمرون في القتال حتى الموت. إلاّ أنّ تأثير مبادىء الطاعة والولاء للإمبراطور على هؤلاء الجنود، جعلهم يستجيبون لتعليماته ويخضعون لأوامره .( المرجع السابق، ص510)‏

ولكن يرى بعض العلماء _ وهو محقّ في ذلك – أنّ الانشغال الزائد بالأشكال الخارجية للثقافة، قد أثّر سلبياً في المحاولات الرامية إلى تفهّم دلالتها السيكولوجية. ومن المعروف أن الحقيقة النهائية للثقافة، هي سيكولوجية .. ونقصد بذلك، أنّ وجود الثقافة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بوجود أناس يديرون مؤسّساتها. وهذه الحقيقة السيكولوجية للثقافة تفسّر الاستقرار الثقافي، أو بالأحرى، تفسّر السبب الذي من أجله تشعر الكائنات البشرية بارتياح كبير عندما تعيش وفق نظام رتيب معروف .‏

وهذه الحقيقة تفسّر أيضاً آلية التغيّر الثقافي. فالأفراد في كلّ مجتمع يملكون قابليات وحوافز وميولاً، وقدرات تؤدّي دورها ضمن إطار القالب الثقافي العام، وتسهم باستمرار في مراجعة التقاليد القائمة، وإدخال تحسينات عليها. (لينتون، 1967، ص 285 )‏

وكان من نتيجة ذلك، ظهور مدرسة ثقافية نفسية (أمريكية) من روادها : (كلايد كلاكهون، مرغريت ميد، رالف لينتون) وغيرهم ممّن اعتمدوا على مفهوم بناء الشخصيّة الأساسي الذي يشير إلى مجموعة الخصائص السيكولوجية والسلوكية، التي يبدو أنّها تتطابق مع كلّ النظم والعناصر والسمات التي تؤلّف أية ثقافة. (أبو زيد، 1989، ص238) إذ إنّه على الرغم من أنّ النمط الثقافي السائد في إي مجتمع، لا يمكن أن يزيد – أو يقلّل – من وجود الفوارق الفردية في نطاق الثقافة الواحدة، إلاّ أن تلك العلاقة القائمة بين الأنماط الثقافية والشخصيّة الفردية، وما تحدث من تأثيرات متبادلة بينهما، لا يجوز إهمالها، بل يجب أخذها في الحسبان أثناء دراسة الثقافات الإنسانية .(Freidle, 1977, p.303)‏

إنّ الأساس السيكولوجي للقوانين الاجتماعية القائمة، مثل : (أنماط السلوك الثابتة، والأعراف والتقاليد، والعادات والقيم)، هو تكوين أطر استناد مشتركة، ناتجة عن احتكاك الأفراد بعضهم ببعض ؛ وإذا ما تكوّنت مثل هذه الأطر الاستنادية وتغلغلت في أعماق الفرد، أصبحت عاملاً هامّاً في تحديد ردود فعله أو تعديلها، في الأوضاع التي سيواجهها فيما بعد، سواء كانت اجتماعية أو غير اجتماعية، ولا سيّما في الحالات التي لا يكون الحافز فيها جيّد التنظيم، أي في حالة تجربة ليس لها سوابق في السلوك الذي اعتاد عليه الفرد. (هرسكوفيتز، 1974، ص 68 )‏

وضمن هذا الاتّجاه أيضاً، اهتمّ / مالينوفسكي / بنظرية فرويد وكتاباته النفسيّة / وعلاقة ذلك بالمحرّمات الجنسيّة، من خلال المادة التي جمعها ميدانياً من سكان جزيرة (التروبرياند ). إلاّ أنّه عارض تفسير فرويد لعلاقة الابن بالأم وغيرته من الأب في إطار ما أسماه فرويد بـ (عقدة أوديب )، وقدّم بدلاّ منها تفسيراً وظيفيّاً، توصّل من خلاله إلى أنّ تحريم العلاقات الجنسية المكوّنة للعائلة الموحّدة (النووية) والتي تشمل : " الأم والأبناء والأخوة والأخوات " هو الذي يمنع ما قد ينشأ من صراعات داخلية، بسبب الغيرة أو التنافس .. وهذا ما يحفظ بالتالي تماسك الأسرة، ويمنع تفكّك أواصرها وتهديم كيانها، وما ينجم عنه من ضعف المجتمع العام، وتهديد وحدته وتماسكه. Freidle, 1977, p. 303))‏

وخلاصة القول، إنّ هذه الاتّجاهات بأفكارها وتطبيقاتها، مثّلت مرحلة انتقالية بين الأنثروبولوجيا الكلاسيكية التي كانت تعتمد على التخمينات والتفسيرات النظرية فحسب، وبين الأنثروبولوجيا الحديثة التي بدأت مع النصف الثاني من القرن العشرين معتمدة على الدراسات الميدانية / التحليلية، والتي تعنى بالجوانب الاجتماعية الثقافية المكوّنة للفكر الأنثروبولوجي.‏

وهذا ما أدّى بالتالي إلى ظهور التخصّص في علم الأنثروبولوجيا، ممّا ساعد في إرساء المبادىء الأساسيّة للأنثروبولوجيا المعاصرة


2-الاتّجاه البنائي / الوظيفي :‏
ترافق نشوء هذا الاتّجاه مع ظهور اتّجاه الانتشار الثقافي، كردّ فعل عنيف على النظرية التطوّرية. وقد تميّز الاتّجاه البنائي، بأنّه ليس تطوّرياً وليس تاريخياً، حيث ركّز على دراسة الثقافات الإنسانية كلّ على حدة، في واقعها الحالي / المكاني والزماني /.‏

وهذا ما جعله يختلف عن الدراسات التاريخيّة، لأنّه اعتمد العلم في دراسة الثقافات الإنسانية كظاهرة، يجب البحث في عناصرها والكشف عن العلاقات القائمة فيما بينها، ومن ثمّ العلاقات القائمة فيما بينها وبين الظواهر الأخرى. (فهيم، 1986، ص 164)‏

يعود الفضل في تبلور الاتّجاه البنائي / الوظيفي في الدراسات الأنثروبولوجية، إلى أفكار العالمين البريطانيين، (برونسلو مالينوفسكي) و (راد كليف براون )، اللذين عاشا في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. ويدينان باتّجاهاتهما النظرية، إلى أفكار عالم الاجتماع / إميل دوركهايم / الذي ركّز اهتمامه على الطريقة التي تعمل بها المجتمعات الإنسانية ووظائف نظمها الاجتماعية، وليس على تاريخ تطوّر هذه المجتمعات والسمات العامة لثقافاتها.‏

ولعلّ / كلود ليفي ستروس / الوحيد بين البنائيين الفرنسيين، الذي يستخدم كلمة (بناء أو بنائية) صراحة في عناوين كتبه ومقالاته، ابتداء من مقاله الذي كتبه عام 1945، عن " التحليل البنائي " في اللغويات وفي الأنثروبولوجيا، والذي يعتبر – بحق –" ميثاق " النزعة البنائية، وإلى كتاب " الأبنية الأولية للقرابة " الذي كان سبباً في ذيوع اسمه وشهرته، والذي يعتبره الكثيرون أهمّ وأفضل إنجاز في الأنثروبولوجيا الفرنسية على الإطلاق .. ومن ثمّ إلى كتابه " الأنثروبولوجيا البنائية ".‏

وعلى الرغم من الانتقادات التي وجّهت إليه، فلا يزال يؤمن بأنّ البنيوية (البنائية) هي أكثر المناهج قدرة على تحليل المعلومات وفهم الأثنوجرافيا وتقريبها إلى الأذهان، وإنّها في الوقت نفسه، أفضل وسيلة يمكن بها تجاوز المعلومات والوقائع العيانية المشخّصة، والوصول إلى الخصائص العامة للعقل الإنساني. فقد أفلح في أن يحقّق للبنائية ما لم يحقّقه غيره، مع أنّه لم يقم بدراسات حقلية بين الشعوب المتخلّفة (البدائية )، وحتى حين قام بدراساته في (البرازيل والباكستان) كان يمضي فترات قصيرة ومتباعدة بين الجماعات التي درسها. وخرج بالبنائية من مجال الأنثروبولوجيا، إلى ميادين الفكر المختلفة، الواسعة والرحيبة. وجعل منها اتجاهاً فكرياً ومنهجياً يهدف إلى الكشف عن العمليات العقلية العامة، وله تطبيقاته في الأدب والفلسفة واللغة والميثولوجيا (الأسطورة) والدين والفن. وبلغ من قوّة البنائية أن أصبحت في البداية، تمثّل تهديداً مباشراً للوجودية التي تركّز على الفرد والسلوك الفردي. (أبو زيد، 2001، ص 82-83 )‏

فالاتّجاه البنائي / الوظيفي، يعبّر في جملته عن منهج دراسي تمّ التوصّل إليه من خلال المقابلة (الموازنة) بين الجماعات الإنسانية (المجتمعات) والكائنات البشرية (الأفراد ). ولم يعد استخدامه مقصوراً على الأنثروبولوجيين، وإنّما تناولـه أيضاً علماء الاجتماع بالفحص والتطبيق والتعديل، على يد / تلكوت بارسونز، وجورح ميرتون /. كما ارتبط أيضاً بالعلوم الطبيعية، ولا سيّما علوم الحياة والكيمياء. Leach, 1982, p.184))‏

فقد رأى / مالينوفسكي / أنّ الأفراد يمكنهم أن ينشئوا لأنفسهم ثقافة خاصة، أو أسلوباً معيّناً للحياة، يضمن لهم إشباع حاجاتهم الأساسية، البيولوجية والنفسيّة والاجتماعية. ولذلك ربط الثقافة – بجوانبها المختلفة، المادية والروحية والاجتماعية، بالاحتياجات الإنسانية .‏

فالاهتمام بالبنية Struture، كترابط منظّم وخفي للعناصر الثقافية، يساعد النموذج في تفسيره وراء العلاقات الاجتماعية، يوازيه في اتجاه آخر اهتمام وظائفي بالمعنى الذي يحدّده / مالينوفسكي /، والذي تعني فيه الوظيفة : تلبية حاجة من الحاجات، ويكون فيها التحليل الوظيفي هو ذلك الذي : " يسمح بتحديد العلاقة بين العمل الثقافي والحاجة عند الإنسان، سواء كانت هذه الحاجة أولية أو فرعية / ثانوية " (لبيب، 1987، ط3، ص12 )‏

فالثقافة كيان كلّي وظيفي متكامل ، يماثل الكائن الحي، بحيث لا يمكن فهم دور وظيفة أي عضو فيه، إلاّ من خلال معرفة علاقته بأعضاء الجسم الأخرى، وإنّ دراسة هذه الوظيفة بالتالي، تمكّن الباحث الأثنولوجي من اكتشاف ماهية كل عنصر وضرورته، في هذا الكيان المتكامل .‏

ولذلك، دعا / مالينوفسكي / إلى دراسة وظيفة كلّ عنصر ثقافي، عن طريق إعادة تكوين تاريخ نشأته أو انتشاره، وفي إطار علاقته مع العناصر الأخرى. وهذا يقتضي دراسة الثقافات الإنسانية كلّ على حدة، وكما هي في وضعها الراهن، وليس كما كانت أو كيف تغيّرت .‏

وبذلك يكون / مالينوفسكي / قد قدّم مفهوم( الوظيفة) كأداة منهجيّة تمكّن الباحث الأنثروبولوجي من إجراء ملاحظاته بطريقة مركّزة ومتكاملة، في أثناء وصفه للثقافة البدائية. (Freidle, 1977, p.304 )‏

أمّا / براون / فقد قام من جهته، بدور رئيس في تدعيم أسس الاتّجاه البنائي / الوظيفي، في الدراسات الأنثروبولوجية، وذلك مع بداية القرن العشرين، موجّهاً الأثنولوجيا نحو الدراسات المتزامنة، وليس نحو التفسير البيولوجي للثقافة كما فعل / مالينوفسكي / .‏

اعتمد / براون في دراسة المجتمع وتفسير الظواهر الاجتماعية تفسيراً اجتماعياً، بنائياً ووظيفياً، على فكرة الوظيفية التي نادى بها / دوركهايم / والتي تقوم على دراسة المجتمعات الإنسانية، من خلال المطابقة (المماثلة) بين الحياة الاجتماعية والحياة العضوية، كما هي الحال في المشابهة بين البناء الجسمي المتكامل عند الإنسان، والبناء الاجتماعي المتكامل في المجتمعات الإنسانية .‏

ويوضح / براون / طبيعة هذا (البناء الاجتماعي) بأنّه يندرج تحت هذا المفهوم، العلاقات الاجتماعية كلّها، والتي تقوم بين شخص وآخر. كما يدخل في ذلك التمايز القائم بين الأفراد والطبقات، بحسب أدوارهم الاجتماعية، والعلاقات التي تنظّم هذه الأدوار. وكما يستمرّ تجدّد بناء الكائن العضوي طوال حياته، فكذلك تتجدّد الحياة الاجتماعية مع استمرارية البناء الاجتماعي في علاقاته وتماسكه .‏

واستناداً إلى ذلك، يصبح الاعتراف بالتنوّع الثقافي بين المجتمعات – مهما كان شكله- إحدى الخطوات الهامة في تطوّر علم الأنثروبولوجيا، انطلاقاً من النقاط التالية:‏

1- إنّ الثقافة تعبير عن سلوك شعب ما، وعن قواعد هذا الشعب .‏

2- إنّ مجموع التنوّعات في العقيدة والسلوك الفرديين لدى أفراد جماعة معيّنة وفي زمن معيّن، يحدّد ثقافة تلك الجماعة .. وهذا صحيح بالنسبة للثقافات الفرعية في الوحدات الصغيرة، داخل الكلّ الاجتماعي.‏

3- ليست العقيدة والسلوك في أي مجتمع، أبداً نتاج الصدفة، بل يتحوّلان وفق قواعد راسخة.‏

4- يجب استنباط هذه القواعد بواسطة الاستقراء من التوافق الملاحظ في العقائد وأنماط السلوك لدى جماعة ما .. وهي تشمل نماذج ثقافة تلك الجماعة .‏

5- كلّما صغر حجم الجماعة، كانت نماذج عقائدها وسلوكاتها، أكثر تجانساً فيما إذا تساوت الأمور الأخرى.‏

6- قد يظهر لدى الفئات الاختصاصية، تنوّع في حقل اختصاصها أكثر اتّساعاً ممّا يظهر لدى الفئات الأخرى، المساوية لها في الحجم، بين الجماعة الكليّة. (هرسكوفيتز، 1974، ص 263-264 )‏

وإزاء هذه الأمور مجتمعة، لا بدّ من الاعتراف بأهميّة مسألة التجانس الثقافي والتنافر الثقافي، في الدراسات الأثنولوجية، وفي أثناء مناقشة النظريات الأنثروبولوجية.‏

وإذا كان / مالينوفسكي / أخذ بفكرة النظم الاجتماعية لتأمين الحاجات البيولوجية والنفسية للأفراد، بينما اتّجه / براون / نحو مسألة تماسك النظام الاجتماعي، من حيث مكوّناته وعلاقاته، فأنّهما رفضا معاً فكرة تجزئة العناصر الثقافية (مكوّنات البناء الاجتماعي) إلى وحدات صغيرة يقوم الباحث بدراسة منشئها أو انتشارها وتطوّرها ..‏

واعتمدا بدلاّ من ذلك على الدراسات الميدانية، لوصف الثقافات بوضعها الراهن. وقد وجد هذا الاتّجاه قبولاً واسعاً لدى المهتمّين بدراسة الثقافات الإنسانية في النصف الأوّل من القرن العشرين، ولا سيّما بين الأنثربولوجيين الأوروبيين، الذين انتشروا في المستعمرات لإجراء دراسات ميدانية، وجمع المواد الأولية اللازمة لوصف الثقافات في هذه المجتمعات، وتحليلها في إطارها الواقعي وكما هي في وضعها الراهن .‏


المصادر والمراجع:‏

- أبو زيد، أحمد (1980) البناء الاجتماعي – مدخل لدراسة المجتمع، ج1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة .‏

- أبو زيد (2001) الطريق إلى المعرفة، كتاب العربي (46 )، منشورات مجلّة العربي، الكويت .‏

- جابر، سامية (1991) علم الإنسان – مدخل إلى الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، دار العلوم العربية، بيروت .‏

- رياض، محمد (1974) الإنسان – دراسة في النوع والحضارة، دار النهضة العربية، بيروت .‏

- فهيم، حسين (1986) قصة الأنثروبولوجيا – فصول في تاريخ الإنسان، عالم المعرفة (198 )، الكويت .‏

- لبيب، الطاهر (1987) سوسيولوجيا الثقافة، دار الحوار، اللاذقية .‏

- لينتون، رالف (1967) الأنثروبولوجيا وأزمة العالم الحديث، ترجمة: عبد الملك الناشف، المكتبة العصرية، بيروت‏

- هرسكوفيتز، ميلفيل. ج (1974) أسس الأنثروبولوجيا الثقافية، ترجمة : رباح النفاخ، وزارة الثقافة، دمشق .‏

- Burns , Edward (1973) Western Civizalition , New York .‏

- Freidl ,John (1977) Anthropology , HarperandRowPublishers, New York .‏

- Leach , Edmund, (1982) Social Anthropology , Font and‏

- Paperbacks


ـ الأنثروبولوجيا العضوية (الطبيعيّة ) Physical Anthropology
أولاً- تعريف الأنثروبولوجيا العضوية (الطبيعية)‏

تعرّف بوجه عام، بأنّها العلم الذي يبحث في شكل الإنسان من حيث سماته العضوية، والتغيّرات التي تطرأ عليها بفعل المورّثات. كما يبحث في السلالات الإنسانية، من حيث الأنواع البشرية وخصائصها، بمعزل عن ثقافة كلّ منها. وهذا يعني أنّ الأنثروبولوجيا العضوية، تتركّز حول دراسة الإنسان / الفرد بوصفه نتاجاً لعملية عضوية، ومن ثمّ دراسة التجمعّات البشرية / السكانية، وتحليل خصائصها.‏

وتهتمّ هذه الدراسة بمجالات ثلاثة هي :‏

- المجال الأوّل : ويشمل إعادة بناء التاريخ التطوّري للنوع الإنساني، ووصف (تفسير) التغيّرات التي كانت السبب في انحراف النوع الإنساني، عن السلسلة التي كان يشترك بها مع صنف الحيوانات الرئيسة .‏

- المجال الثاني : يهتمّ بوصف (تفسير) التغيّرات البيولوجية عند الأحياء من الجنس الإنساني. وتمتدّ هذه الأبحاث لتشمل : العلاقة الكامنة بين التركيب البيولوجي من جهة، والثقافة والسلوك من جهة أخرى.‏

- المجال الثالث : وهو تخصّص هام في علم الأنثروبولوجيا العضوية، ويبحث في الرئيسات : علاقاتها مع بيئاتها، تطوّرها، سلوكها الجماعي.‏

ومن أجل إعادة بناء التاريخ التطوّري للإنسان، يعمل علماء الأنثروبولوجيا الطبيعية – أحياناً- ما يعتبره غالبية الأنثروبولوجيين العمل الأكثر سحراً في الأنثربولوجيا العضوية، وهو البحث عن المستحاثات، ولا سيما تلك التي تتعلّق بالنوع الإنساني، وبأسلافه من الرئيسات التي وجدت من قبله. Daniel , 1990,8))‏

ويستخدم مصطلح الأنثربولوجيا الطبيعيّة (العضوية) للإشارة إلى ذلك العلم الذي يهتمّ بدراسة الجانب العضوي (الحيوي) للإنسان، منذ نشأته كنوع حيواني على سطح الأرض، وقبل فترة زمنية تزيد على ثلاثة ملايين سنة ونيّف، وحتى الوقت الحاضر الذي نعيش فيه.‏

إنّ الموضوع الأساسي في الأنثروبولوجيا العضوية (الفيزيائية) هو الاختلاف البيولوجي الذي يطرأ على الكائن الإنساني في الزمان والمكان .. والشيء الذي ينتج غالبية هذه الاختلافات، هو اتحاد المقومات الوراثية مع البيئة .. فثمّة تأثيرات بيئية لها صلة مباشرة بهذا الموضوع، مثل : (الحرارة، البرودة، الرطوبة، أشعة الشمس، الارتفاع، والمرض ..). وهذا التركيز على اختلاف الكائن الإنساني عن غيره من الرئيسات، يضم خمسة تأثيرات محدّدة تدخل في سياق الأنثروبولوجيا العضوية، وهي :‏

1- نشوء الكائن الشبيه بالإنسان، كما تمّ الكشف عنه من خلال التقارير التي نجمت عن البحث في المستحاثات (الأنثروبولوجيا القديمة ).‏

2- التركيب الوراثي للإنسان .‏

3- نموّ الإنسان وتطوّره .‏

4- المرونة (المطواعية) الموجودة في بيولوجيا الإنسان (قدرة الجسم على التكيّف مع ضغوطات، مثل : الحرارة، البرودة، درجة حرارة الشمس..)‏

5- التركيب البيولوجي وما يتبعه من عملية النشوء والسلوك والحياة الاجتماعية للسعادين (القردة )، والحيوانات الأخرى من فصيلة الرئيسات. Kottak, 1994,9))‏

ولا بدّ من الإشارة هنا، إلى أنّ الألمان يعتبرون / يوهان بلومينياخ / المؤسّس الأول للأنثروبولوجيا الطبيعيّة. فهو من الروّاد في دراسة الجماجم البشرية، كما أنّه قسّم الجنس البشري إلى خمسة أقسام (سلالات )، هي : القوقازي، المغولي، الأثيوبي، الأمريكي، والملاوي. (سليم، 1981،‏

ص 122)‏

ولكي نستطيع أن نفهم الإنسان كنتاج لعملية عضوية، يجب أن نفهم تطوّر أشكال الحياة الأخرى، بل وطبيعة الحياة ذاتها، وكذلك خصائص الإنسان القديم والإنسان الحديث .. وقد استطاع هذا العلم – من هذه المنطلقات – أن يجيب عن العديد من التساؤلات ، التي كانت موضع اهتمام الإنسان وتفكيره منذ القديم وحتى العصر الحاضر. (محمّد، 1974، ص 12)‏


ثانياً- فروع الأنثروبولوجيا العضوية‏
تقسم الأنثروبولوجيا العضوية بحسب طبيعة الدراسة، إلى فرعين أساسيين، هما:‏

1- فرع الحفريات البشرية Paleontology)) :‏

وهو العلم الذي يدرس الجنس البشري منذ نشأته، ومن ثمّ مراحله الأولية وتطوّره، من خلال ما تدلّ عليه الحفريات والآثار المكتشفة. أي أنّه يتناول بالبحث نوعنا البشري واتجاهات تطوّره، ولا سيّما ما كان منها متّصلاً بالنواحي التي تكشفها الأحافير. (لينتون، 1967، ص 17)‏

ومهمّة هذا النوع من الدراسة، هي محاولة استعادة (معرفة) ما نجهله عن الإنسان البائد، وذلك من خلال الحفريات التي تكشف عن بقاياه وآثاره وما خلفه وراءه من أدوات، ومحاولة تحليل هذه المكتشفات من أجل معرفة الأسباب التي دعت إلى حدوث تغيّرات مرحلية في شكل الإنسان، الذي أصبح كما هو عليه الآن.‏

ويحاول العلماء الذين يدرسون هذا الفرع، الإجابة عن العديد من التساؤلات التي تدور حول موضوع الإنسان، وكيفيّة ظهوره على الأرض، ومن ثمّ كيف اختلفت الأجناس البشرية، بفصائلها وسلالاتها وأنواعها. وكيف تغيرّ الإنسان وتطوّرت الحياة على وجه الأرض إلى أن وصلت إلىشكلها الحالي / المعاصر. (ناصر، 1985، ص32)‏

وقد برهن العديد من الحفريات التي تمّت في هذا المجال، على أنّ الإنسان القديم الذي كان يعيش على هذه الأرض منذ ما يقرب من نصف مليون سنة ، كان يختلف عن الإنسان الحالي، حيث كان أكبر حجماً وأقوى بنية، إضافة إلى بروز فكيّه وغور عينيه وعرض جبهته ..‏

2- فرع الأجناس البشرية أو الأجسام البشرية Somatology)):‏

وهو العلم الذي يدرس الصفات العضوية للإنسان البدائي (المنقرض) والإنسان الحالي، من حيث الملامح الأساسية والسمات العضوية العامة. ولذا كرّس علماء الأجسام معظم جهودهم لدراسة الأصناف البشرية ورصد الفروقات بينها، ومحاولة معرفة الأسباب المحتملة لهذه الفروقات .. ويلاحظ أنّ اهتمامهم انصبّ – إلى عهد قريب جدّاً – على تصنيف الأجناس البشرية المختلفة على أساس العرق، وإيجاد العلاقات المحتملة بين هذه الأجناس .‏

ويمكن القول : إنّ التصنيفات العرقية التي طوّرها علماء الأجناس البشرية، لا تزال تعتمد في المقام الأوّل، على خصائص سطحيّة بسيطة : كلون الجلد وشكل الشعر. وفي الآونة الأخيرة ، أخذ الاهتمام يتحول إلى فروق أقلّ وضوحاً وأوثق ارتباطاً بالمشكلات التي نواجهها، كالفروق بين أنواع الدم وبين الأجهزة العضلية وغيرها. ومع بداية الستينات من القرن العشرين، سار علماء الأجسام شوطاً أبعد من ذلك، إذ بدأوا يدرسون الفوارق بين الفئات المختلفة من حيث سرعة النمو، وسنّ النضوج الجنسي، ومدى المناعة ضد الأمراض. .( لينتون، 1967، ص 18-19) ويمكن القول : إنّ الكثير من اكتشافاتهم في هذه الميادين، قد يكون ذا قيمة علمية مباشرة، ولا سيّما في الدراسات الأنثروبولوجية.‏

وعلى هذا الأساس، فإنّ فرع الأجناس البشرية، يدرس التغيّرات البيولوجية التي تحصل بين مجموعات إنسانية في مناطق جغرافية مختلفة، على أساس تشريحي ووراثي، وذلك من خلال المقارنة مع الهياكل العظمية للإنسان القديم، والموجودة في المقابر المكتشفة حديثاً. وهذا ما ساعد العلماء كثيراً، في وضع التصنيفات البشرية على أسس موضوعية وعلمية، يمكن الاعتماد عليها في دراسة أي من المجتمعات الإنسانية .‏

وتعمد الأنثروبولوجيا العضوية من أجل أن تحقّق أهدافها في دراسة أصل الإنسان دراسة تاريخية وفق منهجية علمية، إلى الاستعانة بعلم الأحياء وعلم التشريح، إلى درجة يمكن معها أن يطلق على الأنثروبولوجيا العضوية اسم " علم الأحياء الإنسانية Human Biology " أي أنّها الدراسة التي تتعلّق بالإنسان وحده دون غيره من الكائنات الحيّة الأخرى.‏

واستناداً إلى ما تقدّم، يمكن القول إنّ الأنثروبولوجيا العضوية (الطبيعية) إنّما تدرس تلك الخصائص والملامح العامة للبناء الفيزيقي للإنسان، أو ما يسمّى بالبناء العضوي للإنسان. (اسماعيل، 1973، ص 42) أي أنّها تدرس التاريخ العضوي للإنسان الطبيعي، مع الأخذ في الحسبان خصائصه العضوية المختلفة، وملامحه البنائية الحالية والمنقرضة، وبما يعطي في النهاية، المراحل التطوّرية الارتقائية للجنس البشري.‏

ثالثاً-الصفات العضوية للإنسان وعروقه :‏
يتصف الإنسان بميزات عضوية خاصة، لا يشاركه فيها إي من الكائنات الحيّة الأخرى، وتتمثّل هذه الصفات في الجوانب التالية:Ardrey , 1961, p.86) (‏

- انتصاب القامة والسير على قدمين اثنين .‏

- تركيب الرأس من حيث شكله ومكوّناته .‏

- تركيب الجسم، من حيث شكله العام ومقاييس أطرافه (الذراعين والساقين) ومدى تناسبهما مع الأعضاء الأخرى في الجسم .‏

- محدودية المساحات التي ينبت فيها الشعر، وتحديد أماكن وجودها.‏

- فترة الطفولة الطويلة، مقابل قصرها عند الكائنات الرئيسة الأخرى (الثدييات) .‏

وعلى الرغم من الصفات الجسميّة العامة المشتركة بين البشر، إلاّ أن ثمة فروقات في تكوين بعضها وخصائصها، والتي تؤثّر إلى حدّ ما ببنية الشخصيّة الإنسانية، ولا سيّما من النواحي النفسيّة والسلوكية .‏

وكان من نتائج انشغال علماء الأنثروبولوجيا الجسمية بمسألة العرق، أن اكتسب هذا المفهوم (النوع أو العرق) رسوخاً أعاق تفكير الباحثين عن الكائن البشري. فالأصناف العرقية البشرية ظلّت – إلى عهد قريب _ تعتبر كيانات ثابتة نسبيّاً، وقادرة على الصمود أمام تأثيرات البيئة أو قوى التغيّر الفطرية.‏

ويلاحظ أنّ التطرّف في تمجيد فكرة (العرق) أدّى إلى فرض عدد محدود من التصنيفات الصارمة على بني البشر الذين يمتازون بتنوّع لا حدّ له، وأدى بالتالي إلى زجّ الأفراد في هذه التصنيفات، بصورة تطمس صفاتهم الأصلية الخاصة. ولو أنّ عملية التصنيف لوحقت ضمن المجالات المناسبة لها، ومن أجل الأضواء التي تلقيها على تطوّر الإنسان، ولو أنّها أيضاً اقترنت بإدراك طبيعتها – شبه الاعتباطية- لكان من الممكن حصر نتائجها في استعمالات عملية مشروعة .‏

ولكنّ هذه العملية – ولسوء الحظّ- تحمل في طيّاتها نزعة تلقائية إلى المبالغة .. وما ذلك إلاّ لأنّ طبيعة التصنيف نفسها، تقتضي اعتبار الشواذ والأشكال المغايرة، كما لو أنّها من الظاهرات التي تستحقّ الاستهجان. ومهما يكن الأمر، فإنّ هذه الأشكال المغايرة، هي نفسها التي اكتسبت دلالة خاصة في التطوّرات الأخيرة لعلم البيولوجيا. (لينتون، 1967، ص 46 )‏

واستناداً إلى هذه الاختلافات الشكلية وأيضاً السلوكية، فقد جرى الاتّفاق بين علماء الإنسان على تقسيم البشر إلى ثلاثة أجناس أو عروق رئيسيّة، وهي: (أبو هلال، 1974، ص 107 )‏

1/3/1- العرق الأبيض (القوقازي) : يمتاز هذا العرق بصفات خاصة في: (علو الأنف ودقّته، اعتدال الشفة وبروز الفكّين، استقامة العينين، تموّج الشعر وتجعّده، وكثرة شعر الجسم وكثافة اللحية..)‏

ويندرج ضمن هذا العرق : العرق الهندي – عرق البحر الأبيض المتوسط، العرق الألبي (وسط أوروبا )، العرق النوردي (الإيرانيون، الأفغان، البربر، المصريون، والأثيوبيون ).‏

1/3/2- العرق الأسود (الزنجي) : يمتاز بالأنف المتوسّط والشفة الغليظة، والفك البارز بشكل كبير. وكذلك بالعيون المستقيمة والشعر القصير الأشعث، والرأس المستطيل.‏

ويمثّل هذا العرق : زنوج أمريكا، زنوج أفريقيا الوسطى، والحاميون النيليون في مصر .‏

1/3/3- العرق الأصفر (المنغولي) : يمتاز هذا العرق ببشرة معتدلة الدكنة، ويتراوح بين اللون النحاسي البنّي كما عند (الهنود الحمر)، واللون الأصفر الفاتح كما عند (الصينيين الشماليين ). كما يمتاز هذا العرق باستقامة الشعر ونعومته -إلى حدّ ما -على الرأس، وقلّة كثافته على الجسم والذقن .‏

ويمثّل هذا العرق : المغول الأصليون (الأسكيمو، اليابانيون، الكوريون، والصينيون) وكذلك، الأتراك والأندونيسيون، والهنود الأمريكيون، وسكان التيبت.‏

إنّ هذه الاختلافات الشكلية الظاهرة بين العروق (الأنواع) الثلاثة، هي العوامل الأساسية التي يعتمد عليها في الدراسات الأنثروبولوجية، للتمييز بين الأفراد والمجتمعات. إلاّ أنّ بعض العلماء يضيفون عاملاً آخر للتمييز بين عرق وآخر، يتمثّل في القدرات الذكائية (نسبة الذكاء )، مع أنّ هذا العامل لم تثبت صحّته، حيث أنّ الزنجي الأسود، على سبيل المثال، لا يقلّ ذكاء عن الأمريكي الأبيض، في حال وفّرت لـه الظروف النمائية والتربوية المناسبة .‏

ويميل معظم علماء الأنثروبولوجيا اليوم، إلى نبذ حتى الفكرة القائلة بأنّ تقدّم أي شعب من الشعوب في مدارج الحضارة، يقيم دليلاً غير مباشر على قدرات هذا الشعب الفطرية. وقد تأثّر هؤلاء العلماء بالدور الذي يؤدّيه انتشار الثقافات في تحقيق التقدّم، وبأثر " الأحداث العَرَضيّة " في توجيه التطوّر. ولذلك تراهم يميلون إلى إهمال ما يسمّى بالقدرات الفطرية لشعوب العالم، ويؤثرون كتابة تاريخ الحضارة في ضوء عوامل البيئة والحظّ وتسلسل الأحداث المترابطة. (لينتون، 1967، ص 59)‏

وهذا يعني أنّ البيئة الاجتماعية والطبيعية لها دور كبير في تكوين الشخصيّة الإنسانية، المنتجة والمبدعة، وليست العوامل الوراثية (العرقية) فحسب. وهذا ما بدأت تأخذ به الدراسات الإنسانية المعاصرة .‏

المصادر و المراجع‏

- أبو هلال، أحمد (1974) مقدّمة في الأنثروبولوجيا التربوية، المطابع التعاونية، عمّان.‏

- اسماعيل، قباري محمد (1973) الأنثروبولوجيا العامة، منشأة المعارف، الإسكندرية .‏

- الجباوي، على (1997) الأنثروبولوجيا – علم الإناسة – جامعة دمشق .‏

- لينتون، رالف (1967) الأنثروبولوجيا وأزمة العالم الحديث، ترجمة : عبد الملك الناشف، المكتبة العصرية، بيروت .‏

- محمد، رياض (1974) الإنسان – دراسة في النوع والحضارة، دار النهضة العربية، القاهرة .‏

- ناصر، ابراهيم (1985) الأنثروبولوجيا الثقافية، (علم الإنسان الثقافي)،عمّان


الأنثروبولوجيا النفسيّة Psychology Anthropology
تسمّى الأنثروبولوجيا النفسيّة أيضاً (الثقافة والشخصيّة )Culture and Personality. وذلك بالنظر إلى العلاقة الوثيقة بين الثقافة والشخصيّة الإنسانية. فقد أثبتت بعض الدراسات أنّ التطابق في التقييمات المستقلّة للمعلومات التي جمعت، بقصد دراسة معادل " الثقافة – الشخصيّة " بلغ حدّاً كبيراً يدلّ على توقّع حدوث تعاون مثمر، بين الأنثروبولوجيين والتحليل النفسي في أبحاث أخرى.ويدلّ أيضاً، على أنّ من المستحسن أن يتدرّب الباحث على فروع علمية عديدة حتى يتمكّن من إجراء المراحل المختلفة من البحث والتحليل، والتي تتطلّبها طريقة التركيب " السيكو- ثقافي". (هرسكوفيتز، 1974، ص 53)‏

ومن هذا المنطلق، أكّدت معظم التعريفات التي تناولت مفهوم الثقافة، ارتباطها بشكل أساسي بالنتاجات / الإبداعية والفكرية / للإنسان. وهذا يعني أنّ الثقافة ظاهرة ملازمة للإنسان، باعتباره يمتلك اللغة، واللغة وعاء الفكر، والفكر ينتج عن تفاعل العمليات العقلية والنفسية التي يتمتّع بها الإنسان دون غيره من الكائنات الحيّة. فالعناصر الثقافية وجدت معه مذ أحسّ بوجوده الشخصي / الاجتماعي، وأخذ مفهومها يتطوّر ويتّسع، وتتحدّد معالمها مع تطوّر الإنسان، إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن .‏

فموضوع الأنثروبولوجيا النفسية، يتحدّد إذن، في العلاقة بين الثقافة والشخصيّة، هذه العلاقة التي تسير في اتّجاهين متكاملين : اتّجاه يأخذ أثر الثقافة في الشخصيّة، واتّجاه يأخذ أثر الشخصيّة في الثقافة. ومن هنا، فقد ساعد ظهور الأنثروبولوجيا النفسيّة، علماء النفس في الوصول إلى فهم أفضل للمبادىء التي تحكم تشكيل الشخصيّة، وأثار في الوقت ذاته اهتمام علماء الأنثروبولوجيا لدراسة الأنماط الأساسسيبة للشخصيّة في المجتمعات المختلفة، قديمها وحديثها.‏

أولاً-مفهوم الشخصيّة وطبيعتها‏
احتلّت الشخصيّة الإنسانية والعوامل المؤثّرة في تكوينها، مكانة هامة في الدراسات النفسيّة والاجتماعية، وذلك بقصد التعرّف إلى مكوّنات هذه الشخصيّة، وكيفيّة تكيّفها وتفاعلها مع البيئة المحيطة، وبما يتيح نمو الشخصيّة وتطوّرها.‏

وعلى الرغم من الاتفاق على وحدة هذه الشخصيّة وتكاملها كنتاج اجتماعي من جهة، وكمحرّك لتصرّفات الفرد ومواقفه الحياتية من جهة أخرى، فقد تعدّدت تعريفاتها تبعاً للنظر إليها من جوانب متعدّدة.‏

فانطلاقاً من أنّ الشخصيّة تعبّر عن الجوهر الاجتماعي / الحقيقي للإنسان، فقد عرّفها رالف لينتون، بأنّها : " المجموعة المتكاملة من صفات الفرد العقلية والنفسية. أي المجموع الإجمالي لقدرات الفرد العقلية وإحساسا ته ومعتقداته وعاداته، واستجاباته العاطفية المشروطة " (لينتون، 1964، 607)‏

كما عرّفها /فيكتور بارنوا / بأنّها : " تنظيم ثابت لدرجة ما، للقوى الداخلية للفرد. وترتبط تلك القوى بكلّ مركّب من الاتجاهات والقيم والنماذج الثابتة بعض الشيء، والخاصة بالإدراك الحسّي، والتي تفسّر – إلى حدّ ما – ثبات السلوك الفردي " .( Barnouw, 1972, p 8)‏

واتفاقاً مع التعريفين السابقين، يرى / أفلويد ليورت / أنّ الشخصيّة : هي استجابات الفرد المميّزة للمثيرات الاجتماعية، وكيفيّة توافقه مع المظاهر الاجتماعية المحيطة به. (محمد غنيم، 1997، ص 44)‏

وهكذا، يعبّر مفهوم الشخصيّة عن الوصف الاجتماعي للإنسان، والذي يشمل الصفات التي تتكوّن عند الكائن البشري من خلال التفاعل مع المؤثّرات البيئية، والتعامل مع أفراد المجتمع بصورة عامة. وهذا ما يعبّر عنه بـ (الجوهر الاجتماعي للإنسان) . أي أنّها مجموعة الخصائص (الصفات) التي تميّز فرداّ / إنساناً بذاته، من غيره في البنية الجسدية العامة، وفي الذكاء والطبع والسلوك العام .‏

فالعمليات الفيزيولوجية لدى الإنسان، ترتبط بالأفعال السلوكية المصاحبة، وتتعدّل هذه الأفعال عن طريق الخبرة التي يكتسبها من المجتمع. فالطعام كاستجابة للحاجة الفيزيزلوجية الغذائية، يصاحبها سلوك معيّن يتمثّل في طريقة تناول الطعام، بصورها المتعدّدة.. فهي تتضمّن كلّ أفعال الفرد ومناشطه الجسمانية والسيكولوجية، وأيضاً التعلّم والتفكير، وكلّ شيء يدخل في محتوى السلوك، حتى العمليات العقلية فهي تندرج تحت مفهوم هذا المصطلح.‏

وتتميّز نتائج السلوك بخاصتين أساسيتين : الأولى : العمليات المادية، والثانية : العمليات السيكولوجية. ويندرج تحت العمليات السيكولوجية، ما يعرف بأنساق القيم والمعرفة. ويشير تصنيف نتائج السلوك إلى تفاعل الفرد مع البيئة، فالفرد عندما يواجه نظاماً جديداً، يحدث لديه ردّ فعل، ليس فقط في موضوعيته، ولكن أيضاً في اتجاهاته وقيمه ومعارفه التي اكتسبها من خبراته الماضية.. ولذلك، يؤيّد بعض العلماء الأنثروبولوجيين تأثير العناصر السيكولوجية في محتوى الصيغة الثقافية، في دراستهم للثقافة والشخصيّة، وذلك لاعتقادهم بأنّ الشخصيّة هي نتاج الصيغة الثقافية التي تسود مجتمعاً ما. (الغامري، 1989، ص 42)‏

إنّ شخصيّة كلّ فرد متميّزة ومتفرّدة بسماتها وخصائصها، ولكنّه في الوقت ذاته يشترك مع الآخرين من أبناء جنسه، في الكثير من المظاهر التي تجعله وإياهم من جنس واحد. ولذلك تتّصف الشخصيّة الإنسانية بنوع من الثبات، يبدو في مواقفها واتّجاهاتها وأساليب تعاملها، وشعورها بهويّتها. وفي المقابل، تخضع هذه الشخصيّة للتغيّر والتطوّر. وهذا ما تحدّده مكونات الشخصيّة من جهة، والبيئة التي تنشأ فيها وتنمو من جهة أخرى.‏

فكون الإنسان يتميّز بشخصيّته ولا يشبه أحداً، فهذا يعني أنّ لكلّ فرد مكوّناته الجسدية الخاصة، وله طريقته وأسلوبه في الشعور والإدراك والسلوك، بما يطبعه بطابع مميّز لا يتكرّر عند أي شخص آخر بالصورة ذاتها.‏

أمّا كون الإنسان يشبه الناس الآخرين، فثمّة مظهران لذلك :‏

الأوّل : أنّه يشبه الناس كلّهم من حيث السمات المشتركة في الإرث البيولوجي، والبيئة التي يعيشون فيها، والمجتمعات والثقافات التي ينتمون إليها. فلكلّ فرد هنا، التكوين العضوي / البيولوجي ذاته، بوصفه كائناً حيّاً اجتماعياً .‏

الثاني : أنّه يشبه بعض الناس، فهذا ما يلاحظ في تشابه سمات شخصيّة الفرد مع سمات أعضاء الجماعة التي ينتمي إليها، أو بعض الأفراد الذين ينشأ – أو يتعامل – معهم. (المصري، 1990،‏ ص 61)‏


وبناء على ما تقدّم، يمكن القول : إنّ الشخصيّة الإنسانية تتّسم بالخصائص التالية: (ميلاد، 1997، 30)‏

1- النمو والتكامل : فالشخصيّة تنمو وتتطوّر في وحدة متكاملة، من خلال تآزر سمات هذه الشخصيّة وقدراتها، وعملها بصورة مستمرّة ومتفاعلة مع مواقف الحياة المختلفة، ولا سيّما تفاعل الإنسان مع بيئته وأنماط التنشئة الاجتماعية المتعددة التي يتعرّض لها، وبالتالي استجابة هذه الشخصيّة بعناصرها الكاملة، في أثناء التعامل مع هذه المواقف المتنوّعة.‏

2- الهويّة الشخصيّة (الذاتية) : وتعني شعور الفرد بأنّه هو ذاته، وإن حدثت لـه تغيّرات جسدية ونفسيّة، عبر مراحله النمائية. فمن طبيعة الإنسان أن يتغيّر ويتبدّل من يوم إلى آخر، بحكم قانون التطوّر، والذي يشمل جوانب الشخصيّة كافة، من بداية الحياة وحتى نهايتها. غير أنّ هويته الأساسيّة تبقى هي ذاتها، على الرغم من التغيّرات الجسدية أو الوجدانية، التي تحدث بفعل عاملي : (العمر والثقافة) .‏

3- الثبات والتغيّر : أي أنّ خاصية الثبات في الشخصيّة الإنسانية، مستمرّة ما دام الشخص على قيد الحياة، وفي المقابل فهذه الشخصيّة تابعة لخاصية التغيّر والتطوّر، التي تحدث بفعل المؤثّرات المحيطة بالشخص، والتي تتفاوت في شدّة فاعليتها لإحداث التغيّرات التطوّرية.‏

وهذا الثبات الذي يتجلّى في : (الأعمال وأسلوب التعامل مع الآخرين، وفي البناء الداخلي والخارجي للشخص، بما في ذلك الدوافع والاهتمامات والاتجاهات، والخبرات) هو الذي يسمح – أحياناً – بالتنبّؤ المستقبلي لهذه الشخصيّة.‏

والخلاصة، أنّ الشخصيّة تنمو وتتطّور من خلال التفاعل المستمرّ مع ما يحيط بها. وكما أنّ الثبات سمة أساسية للشخصيّة، فالتغيّر والتطوّر أيضاً سمتان ملازمتان للشخصيّة. وإذا كان الاهتمام بدراسة الشخصيّة قليلاً في المجتمعات القديمة، نظراً لعدم النظر إلى الفرد كوحدة متكاملة، فإنّ تعقّد المشكلات الاجتماعية / الإنسانية، وتطوّر النظرة إلى دور الإنسان فيها، أدّى إلى زيادة الاهتمام بدراسة طبيعة الشخصيّة الإنسانية، لاكتشافها وإيجاد أفضل الطرائق للتعامل معها وتوظيف قدراتها.‏

ثانياً-مفهوم الثقافة وخصائصها‏

تعدّ الثقافة عاملاً هامّاً في تصنيف المجتمعات والأمم، وتمييز بعضها من بعض، وذلك بالنظر لما تحمله مضمونات الثقافة من خصائص ودلالات ذات أبعاد فردية واجتماعية، وإنسانية أيضاً.‏

ولذلك، تعدّدت تعريفات الثقافة ومفهوماتها، وظهرت عشرات التعريفات ما بين (1871-1963) منها ما أخذ بالجوانب المعنوية / الفكرية، أو بالجوانب الموضوعية / المادية، أو بكليهما معاً، باعتبار الثقافة- في إطارها العام- تمثّل سيرورة المجتمع الإنساني وإبداعاته الفكرية والعلميّة .‏

وهذا التنوّع في التعريفات، حدا بـ / إدجار موران / أن يقول بعد مرور قرن على أول تعريف أنثروبولوجي للثقافة : " كلمة الثقافة بداهة خاطئة، كلمة تبدو وكأنّها كلمة ثابتة، حازمة، والحال أنّها كلمة فخّ، خاوية، منوّمة، ملغّمة، خائنة.. الواقع أنّ مفهوم الثقافة ليس أقلّ غموضاً وتشكّكاً وتعدّداً، في علوم الإنسان منه في علوم التعبير اليومي " .( Morin, 1969, p.5)‏

1- مفهوم الثقافة :‏
ولعلّ أقدم تعريف للثقافة، وأكثرها شيوعاً، ذلك التعريف الذي وضعه / ادوارد تايلور / والذي يفيد بأنّ الثقافة : هي ذلك الكلّ المركّب الذي يشتمل على المعرفة والعقائد، والفن والأخلاق والقانون، والعادات وغيرها من القدرات التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع. (مجموعة من الكتّاب، 1997، ص 9)‏

وعرّفها عالم الاجتماع الحديث / روبرت بيرستيد / بقوله : " إنّ الثقافة هي ذلك الكلّ المركّب الذي يتألف من كلّ ما نفكّر فيه، أو نقوم بعمله أو نمتلكه، كأعضاء في مجتمع " .‏

وضمن هذا المفهوم، يرى / جيمس سبرادلي J. Spradley) أنّ ثقافة المجتمع، تتكوّن من كلّ ما يجب على الفرد أن يعرفه أو يعتقده، بحيث يعمل بطريقة يقبلها أعضاء المجتمع .. إنّ الثقافة ليست ظاهرة ماديّة فحسب، أي أنّها لا تتكوّن من الأشياء أو الناس أو السلوك أو الانفعالات، وإنّما هي تنظيم لهذه الأشياء في شخصيّة الإنسان. فهي ما يوجد في عقول الناس من أشكال لهذه الأشياء. Spradley, 1972, p.p. 6-7) )‏

وهذا يتّفق إلى حدّ بعيد مع التعريف الذي يفيد بأن مصطلح الثقافة Culture في اللغة الإنكليزية، على معنى الحضارة Civilization كما في اللغة الألمانية ،له وجهان:‏

وجه ذاتي : هو ثقافة العقل .. ووجه موضوعي : هو مجموعة العادات والأوضاع الاجتماعية، والآثار الفكرية والأساليب الفنيّة والأدبية، والطرق العلمية والتقنية، وأنماط التفكير والإحساس، والقيم الذائعة في مجتمع معيّن .فالثقافة هي طريق حياة الناس، وكلّ ما يملكون ويتداولون، اجتماعياً وبيولوجياً. (صليبا، 1971، 378)‏

وربّما يكون أحدث مفهوم للثقافة، هو ما جاء في التعريف الذي اتّفق عليه في إعلان مكسيكو (6 آب 1982 )، والذي ينصّ على أنّ الثقافة – بمعناها الواسع – يمكن النظر إليها على أنّها : " جميع السمات الروحية والمادية والعاطفية، التي تميّز مجتمعاً بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها. وهي تشمل : الفنون والآداب وطرائق الحياة .. كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان، ونظم القيم والمعتقدات والتقاليد " .‏

ويعتقد معظم علماء الأنثروبولوجيا أنّ الحضارة ما هي إلاّ مجرّد نوع خاص من الثقافة، أو بالأحرى، شكل معقّد أو " راقٍ " من أشكال الثقافة. ولذلك لم يعتمدوا قطّ، التمييز الذي وضعه علماء الاجتماع بين الثقافة والحضارة .. فمن المعروف أنّ بعض علماء الاجتماع يميّزون بين الحضارة بوصفها " المجموع الإجمالي للوسائل البشرية " وبين الثقافة بوصفها " المجموع الإجمالي للغايات البشرية ". (لينتون، 1967، ص 143 )‏


وتأسيساً على ذلك، اعتمد كثير من الباحثين في دراسة الأنثربولوجيا الثقافية / النفسيّة والاجتماعية / على ثلاثة مفهومات أساسية، هي :‏

- التحيّزات الثقافية : وتشمل القيم والمعتقدات المشتركة بين الناس .‏

- العلاقات الاجتماعية : وتشمل العلاقات الشخصيّة التي تربط الناس بعضهم مع بعض .‏

- أنماط أساليب الحياة التي تعدّ الناتج الكلّي المركّب من التحيّزات الثقافية والعلاقات الاجتماعية (مجموعة من الكتّاب، 1977، ص10)‏

وهذا يعني أنّ الثقافة تهدي الإنسان إلى القيم، حيث يمارس الاختيار ويعبّر عن نفسه بالطريقة التي يرغبها، وبالتالي يتعرّف إلى ذاته ويعيد النظر في إنجازاته وسلوكاته. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ أية ثقافة لا تؤلّف نظاماً مغلقاً، أو قوالب جامدة يجب أن يتطابق معها سلوك أعضاء المجتمع جميعهم. ويتبيّن من التأكيد على حقيقة الثقافة السيكولوجية، أنّ الثقافة بهذه الصفة، لا تستطيع أن تعمل أي شيء، لأنّها ليست سوى مجموع من سلوكات وأنماط وعادات تفكير، عند الأشخاص الذين يؤلّفون مجتمعاً خاصاً، في وقت محدّد ومكان معيّن. (هرسكوفيتز1974، ص 65)‏

وهكذا يمكن القول : إنّ الثقافة –في إطارها العام – ليست إلاّ مفهوماً مجرّداً يستخدم في الدراسات الأنثروبولوجية للتعميم الثقافي، وأنّ ضرورة الثقافة لفهم الأحداث في العالم البشري، والتنبّؤ بإمكانية وجودها أو وقوعها، لا تقلّ أهميّة عن ضرورة استخدام مبدأ( الجاذبية) لفهم أحداث العالم الطبيعي وإمكانية التنبّؤ بها .‏

2- خصائص الثقافة :‏
تعدّ الحياة الاجتماعية في أي مجتمع، نسيجاً متكاملاً من الأفكار والنظم والسلوكات التي لا يجوز الفصل فيما بينها، باعتبارها تشكّل التركيبة الثقافية في المجتمع، وإلى درجة تحدّد مستوى تطوّره الحضاري.‏

وإذا كان التأثير البيولوجي للإنسان في الثقافة معدوماً على المستوى الاجتماعي، باستثناء بعض الحالات الفردية الاستثنائية (الشاذة )، فإنّ تأثير العامل الثقافي على الوجود البيولوجي، هو تأثير فاعل ومحسوس، ليس على مستوى الفرد فحسب، بل على مستوى المجتمع بوجه عام. ولذلك، فكما يتمّ اصطفاء النوع، يتمّ اصطفاء الثقافة على أساس تكيّفها مع البيئة. وبمقدار ما تساعد الثقافة أعضاءها في الحصول على ما يحتاجونه، وفي تجنّب ما هو خطر، فإنّها تساعدهم على البقاء. (سكينر، 1980، ص130 )‏

وهذا يؤكّد أنّ النموذج العام لأيّ ثقافة، يأتي منسجماّ مع الإطار الاجتماعي الذي أنتجها، ويرسم بالتالي السمات والمظاهر الاجتماعية لدى الأفراد الذين يتشرّبون هذه الثقافة، ويعملون ما بوسعهم للحفاظ على هذا النموذج الثقافي واستمراريته وتطويره.‏

واستناداً إلى هذه المعطيات، فإنّ ثمّة خصائص تتّسم بها الثقافة، بحسب مفهومها وطبيعتها، ومن أبرز خصائص هذه الثقافة أنّها :‏

2 /1- إنسانية : فالإنسان هو الحيوان الوحيد المزوّد بجهاز عصبي خاص، وبقدرات عقلية فريدة تتيح لـه ابتكار أفكار جديدة، وأعمال جديدة. . فالإنسان – على سبيل المثال – انتقل من المناطق الدافئة إلى المناطق الاستوائية، وتكيّف معها باختراع أعمال جديدة، وملابس ومساكن تخفّف من الحرارة والرطوبة .. وانتقل من طور (مرحلة) جمع القوت إلى طور الصيد، ومن ثمّ إلى طور الرعي والزراعة، من دون أن تظهر عنده أيّة تغيّرات عضوية تذكر، وإنّما الذي تغيّر هو ثقافته، أي مجموع أفكاره وأعماله وسلوكاته .‏

2/2- مكتسبة : يكتسب الإنسان الثقافة من مجتمعه، منذ ولادته وعبر مسيرة حياته، وذلك من خلال الخبرات الشخصيّة. وبما أنّ كلّ مجتمع إنساني يتميّز بثقافة معيّنة، محدّدة الزمان والمكان، فإنّ الإنسان يكتسب ثقافة المجتمع الذي يعيش فيه منذ الصغر، ولا تؤثّر العوامل الفيزيولوجية في عملية الاكتساب. أي أنّ عملية التنشئة الاجتماعية الثقافية، هي العملية التي تقوم بنقل ثقافة المجتمع إلى الطفل. ومهما كانت السلالة التي ينتمي إليها الفرد، فإنّه يستطيع أن يلتقط ثقافة أي مجتمع بشري، إذا ما عاش فيه فترة زمنية كافية .‏

2/3- اجتماعية : بما أنّ الثقافة هي نتاج اجتماعي أبدعته جماعة معيّنة، فإنّ دراسة الثقافة لا تتمّ إلاّ من خلال الجماعات (المجتمعات )، وذلك لأنّ هذه الثقافة تمثّل عادات المجتمعات وقيمهم، وليست عادات الأفراد كأفراد. وإن كانت النظم الثقافية تختلف في مدى شموليتها الاجتماعية. فهناك نظم تطبّق على أفراد المجتمع جميعهم، وفي المقابل هناك نظم كثيرة، ولا سيّما في الثقافات المتمدّنة، لا تطبّق إلاّ على جماعة معيّنة داخل المجتمع الواحد، ولا تطبّق على الجماعات الأخرى. وهذا ما يدخل في الثقافات الفرعية. (وصفي، 1981، ص 81-84)‏

2/4- تطوّرية / تكاملية : على الرغم من أنّ لكلّ جماعة بشرية معيّنة ثقافة خاصة بها، إلاّ أنّ هذه الثقافة ليست جامدة، بل هي متطوّرة مع تطوّر المجتمع من حال إلى حال أفضل وأرقى. ولا يتمّ التطوّر في جوهر الثقافة ومحتواها فحسب، وإنّما أيضاً في الممارسة والطريقة العملية لسلوكات الإنسان الذي يعيش في المجتمع المتطوّر.‏

وهذا التطوّر لا يعنى أنّ كلّ مرحلة ثقافية منعزلة عن الأخرى، بل ثمّة تكامل ثقافي في ثقافة المجتمع الواحد. وذلك لأنّ الثقافة بتكاملها، تشبع حاجات الإنسان المادية والمعنوية، وهي تجمع بين المسائل المتّصلة بالروح والفكر، وبين المسائل المتّصلة بحاجات الجسد. أي أنّه تحقّق التكامل بين الحاجات البيولوجية والنفسية والاجتماعية والفكرية والبيئية.‏

2/5- استمرارية / انتقالية : بما أنّ الثقافة تنبع من وجود الجماعة ورضاهم عنها، وتمسّكهم بها، فهي بذلك ليست ملكاً لفرد معيّن، ولا تنحصر في مرحلة محدّدة .. لذا لا تموت الثقافة بموت الفرد، لأنّها ملك جماعي وتراث يرثه أفراد المجتمع جميعهم. كما أنّه لا يمكن القضاء على ثقافة ما، إلاّ بالقضاء على أفراد المجتمع الذي يتبعها، أو بتذويب تلك الجماعة التي تمارس هذه الثقافة، بجماعة أكبر أو أقوى، تفرض ثقافة جديدة بالقوّة. (ناصر، 1985، ص 103-104)‏

وإذا كانت الثقافة تشكّل إرثاً اجتماعياً، فإنّها إذن قابلة للانتقال من جيل الكبار إلى جيل الصغار بواسطة عملية التثقيف أو التنشئة الثقافية / الاجتماعية، أي العملية التربوية التي تعني في بعض جوانبها : (نقل ثقافة الراشدين إلى الذين لم يرشدوا بعد ). كما يمكن أن يتمّ هذا الانتقال (الانتشار) إلى جماعات إنسانية أخرى من خلال وسائل الاتّصال المختلفة .‏

فالثقافة لا توجد إلاّ بوجود المجتمع، والمجتمع من جهته لا يقوم ويبقى إلاّ بالثقافة، لأنّ الثقافة طريق متميّز لحياة الجماعة ونمط متكامل لحياة أفرادها، وهي التي تمدّ هذه الجماعة الأدوات اللازمة لاطراد الحياة فيها، وإن كانت ثمّة آثار في ذلك لبعض العوامل البيولوجية والجغرافية


ثالثاً- الثقافة والشخصيّة‏
إنّ شخصيّة الفرد تنمو وتتطوّر، من جوانبها المختلفة، داخل الإطار الثقافي الذي تنشأ فيه وتعيش، وتتفاعل معه حتى تتكامل وتكتسب الأنماط الفكرية والسلوكية التي تسهّل تكيّف الفرد، وعلاقاته بمحيطه الاجتماعي العام .‏

وليس ثمّة شكّ في أنّ الثقافة مسؤولة عن الجزء الأكبر من محتوى أية شخصيّة، وكذلك عن جانب مهمّ من التنظيم السطحي للشخصيّات، وذلك عن طريق تشديدها على اهتمامات أو أهداف معيّنة. ويكمن سرّ مشكلة العلاقة بين الثقافة والشخصيّة في السؤال التالي : " إلى أي مدى يمكن اعتبار الثقافة مسؤولة عن التنظيم المركزي للشخصيّات؟ أي عن الأنماط السيكولوجية؟ وبعبارة أخرى : هل يمكن للتأثيرات الثقافية أن تنفذ إلى لباب الشخصيّة وتعدّلها؟ " (لينتون، 1964، ص 609)‏

إنّ الجواب على هذا التساؤل، يكمن في أنّ عملية تكوين الشخصيّة هي عملية تربوية / تعلمية – تثقيفية، حيث يجري فيها اندماج خبرات الفرد التي يحصل عليها من البيئة المحيطة ،مع صفاته التكوينية، لتشكّل معاً وحدة وظيفيّة متكاملة تكيّفت عناصرها، بعضها مع بعض تكيّفاً متبادلا ً، وإن كانت أكثر فاعلية في مراحل النمو الأولى من حياة الفرد .‏

ويمكن أن نطلق اسم التثقيف أو المثاقفة Enculturation، على جوانب تجربة التعليم التي يتميّز بها الإنسان عن غيره من المخلوقات، ويوصّل بها إلى إتقان معرفة ثقافته. والتثقيف في جوهره، سياق تشريط شعوري أو لا شعوري، يجري ضمن الحدود التي تعيّنها مجموعة من العادات. ولا ينجم عن هذه العملية التلاؤم مع الحياة الاجتماعية القائمة فحسب، بل ينجم أيضاً الرضى، وهو نفسه جزء من التجربة الاجتماعية، ينجم عن التعبير الفردي وليس عن الترابط مع الآخرين في الجماعة. (هرسكوفيتز، 1974، ص 34 )‏

وإذا كان / هرسكو فيتز/ ركّز على الاستمرارية التاريخية في الثقافة، من خلال عملية (المثاقفة )، فإنّ / سابير / يشدّد على العلاقة بين الثقافة والشخصية، استناداً إلى الأساس اللغوي الذي كان لـه التأثير الكبير في الأنثروبولوجيا البنيوية. يقول سابير: " هناك علاقة أساسية بين الثقافة والشخصيّة. فلا شكّ في أنّ أنماط الشخصيّة المختلفة، تؤثّر تأثيراً عميقاً في تفكير عمل المجموعة بكاملها، وعملها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تترسّخ بعض أشكال السلوك الاجتماعي، في بعض الأنماط المحدّدة من أنماط الشخصيّة ،حتى وإن لم يتلاءم الفرد معها إلاّ بصورة نسبيّة " Sapir, 1967), p.75 )‏

وإذا كانت المفاهيم العلمية الأولى، تصف سلوك الإنسان وتربطه بعدد من الدوافع والسمات العامة، فإنّ العلم الحديث يؤكّد أهميّة العوامل النفسية والاجتماعية والقيم السائدة في المجتمع، التي تظهر في هذا السلوك .‏

فالثقافة إذن ترتبط بالشخصيّة، حيث تكوّن رافداً أساسياً من روافد هذه الشخصيّة وتحدّد سماتها. ولذلك، فإنّ دراسة الثقافة والشخصيّة، تمثّل نقطة التقاء بين علم النفس وعلم الإنسان (الأنثربولوجيا ). فلا يمكن فهم أي شخص فهماً جيّداً، من دون الأخذ في الاعتبارات الثقافية التي نشأ عليها. كما لا يمكن فهم أي ثقافة إلاّ بمعرفة الأفراد الذين ينتمون إليها ويشاركون فيها، وتتجلّى بالتالي في سلوكاتهم الملحوظة، حيث تبدو تأثيرات الثقافة على الفرد في النواحي التالية :‏

1- الناحية الجسمية : إنّ الثقافة السائدة لدى شعب من الشعوب، كثيراً ما تجبر الفرد – بما لها من قوّة جبرية وإلزام، وسيطرة مستمدّة من العادات والقيم والتقاليد- على أعمال وممارسات قد تضرّ بالناحية الجسمية ضرراً كبيراً. فعلى سبيل المثال : كانت العادات لدى بعض الطبقات المرفهّة في الصين، أن تثنى أصابع الطفلة الأنثى، وتطوى تحت القدم، وتلبس حذاء يساعد في إيقاف نموّ قدمها ويجعلها تمشي مشية خاصة. فعلى الرغم من التشوّه الذي يحصل للقدم، فقد كانت تلك المشية بالإضافة إلى صغر القدم، من أهم دلائل الجمال .‏

2- الناحية العقلية : لا شكّ في أنّ الثقافة بأبعادها المادية والمعنوية، تؤثّر تأثيراً فاعلاً في الناحية العقلية للشخصيّة، ولا سيّما من الجانب المعرفي / الفكري. فالفرد الذي يعيش في جماعة (مجتمع) تسود ثقافتها العقائد الدينية أو الأفكار السحرية، تنشأ عقليته وأفكاره متأثّرة بذلك. فالمعتقدات التي تسود في المجتمع الهندي أو الصيني، غير تلك المعتقدات التي تسود في المجتمع الأمريكي أو العربي، وبالتالي فإنّه من الطبيعي أن يتأثّر الفرد سواء في المجتمع البدائي، أو في المجتمع المتحضّر، بثقافة مجتمعه، ولا سيّما عن طريق الأسرة، باعتبار أنّ من أهمّ وظائف الأسرة، مساندة التركيب الاجتماعي وتأييده .‏

3- الناحية الانفعالية : يتضمّن الجانب الانفعالي، ما لدى الشخص من الاستعدادات والدوافع الغريزية الثابتة نسبياً، والتي يزوّد بها منذ تكوينه وطفولته. وتعتمد على التكوين الكيميائي والغددي والدموي، وتتّصل اتصالاً وثيقاً بالنواحي الفيزيولوجية والعصبية. وتؤكّد الدراسات الأنثروبولوجية، أنّ للثقافة دوراً كبيراً في تربية مزاج الشخص وتهذيب انفعالاته، وإن لم يكن لها الدور الحاسم في ذلك. فكثيراً ما نجد شخصاً قد ورث في تكوينه البيولوجي، عوامل (استعدادات) تثير لديه الغضب، لكنّ التنشئة الاجتماعية / الثقافية، ونبذ المجتمع لتلك الصفة، يجعله يعدّل من سلوكه.‏

4- الناحية الخُلُقية : تستند إلى الناحيتين العقلية والانفعالية، باعتبارهما المواد الخام التي تبنى عليها الصفات الخُلُقية. ولذا فإنّ الأخلاق السائدة في المجتمع، هي الحصيلة الناتجة من تفاعل القوى العقلية والانفعالية، مع عوامل البيئة. أي أنّ النواحي الأخلاقية أكثر قرباً إلى العوامل البيئية، والوسط الاجتماعي والثقافة المهيمنة على الشخص. فلكلّ ثقافة نسق أخلاقي خاص ينساق فيه الفرد، متأثّراً بالمعايير الأخلاقية السائدة من ناحية الخير والشر، والصواب والخطأ، وما يجوز وما لا يجوز، وإن كانت هذه المعايير نسبيّة تختلف في معانيها ودلالاتها من مجتمع إلى مجتمع آخر. ولذلك، فالجنوح عن تلك المعايير، أمر نسبي .. والسلوك الشاذ في ثقافة ما، قد يكون سلوكاً عادياً بالنسبة لمعايير وقيم ثقافة أخرى. فالسرقة مثلاً : تعدّ من الجرائم في المجتمعات الحديثة، ولكنّها كانت مباحة عند كثير من الشعوب البدائية والقديمة، حتى أنّها كانت نوعاً من أنواع البطولة. (الساعاتي، 1983، ص 213-218)‏


منقول


التوقيع




مع تحيات
رشاد ابوجامع فرغلى حسن ( رشاد الفقيه)






13/04/2008 - 01:27 صباحاً

رد مع اقتباس


#6 رد :للمساعده

رشاد الفقيه

المشرف العام


الصورة الشخصية لـرشاد الفقيه


الهوية الشخصية
رقم العضوية : 1
المشاركات : 10420
الزيارات : 2044
الانضمام : 7/5/2007
النوع : ذكـــــر
الحالة : غير متصل



بقلم : الأستاذ الدكتور / سعيد إبراهيم عبد الواحد
أُستاذ الأدب الإنجليزي والنقد بجامعة الأزهر بغزة

حظيت كلمة "الثقافة" بمكان كبير في الآداب الأوروبية في القرن العشرين ، وكان لها اهتمام لا بأس به في عالم الصحافة أيضاً، وهي كلمة عني بها البعض معنى "الحضارة". هذا الموضوع مازال يتطور وينمو ويأخذ أبعاداً وأشكالاً لم تكن موجودة من قبل وما زال يكتسب أبعاداً جديدة. ومع هذا التطور نسأل: هل الثقافة تعني أيضاً "المدنية"؟ وهل هي أيضاً "المعرفة"؟ في هذا المقال أحاول إلقاء الضوء على مفاهيم ومعاني الثقافة وتطورها.


تعريف الثقافة :
كان الشاعر ت. س. اليوت من اشهر من اهتم بموضوع الثقافة منذ بدايات القرن العشرين ومن أجل إدراك الثقافة وضع إليوت شروطاً ثلاثة إذا ما تحققت ، تم بها تحقيق الثقافة وهي: أولاً: البناء العضوي ، ويرى أنه يساعد على الانتقال الوراثي للثقافة داخل ثقافة ومجتمع معينين. ثانياً: القابيلة للتحليل: ويرى وجوب أن تكون الثقافة (من وجهة النظر الجغرافية) قابلة للتحليل إلى ثقافات محلية (البعد الإقليمي للثقافة). ثالثاً: التوازن بين الوحدة والتنوع في الدين. ويرى أن هذا الشرط مهم لأنه في الكثير من الثقافات لا يمكن إغفال أو تهميش عامل الدين. وفي هذا السياق أضاف آخرين إلى أن الثقافة سياسة وتربية.

وعندما أقدم بعض علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الاجتماع على تعريف مفهوم الثقافة البشرية قالوا أنها سلوك تعلمي يكتسبه الأفراد كأعضاء في جماعات تعيش في المجتمع الواحد. في السبعينات من القرن التاسع عشر قدم عدد من علماء الأنثروبولوجيا أكثر من تعريف للثقافة وفي المحصلة أجمعوا على أن الثقافة هي ذلك الكل المعقد الذي يتضمن المعرفة ، والمعتقد ، والفن ، والخُلق ، والقانون ، والعادات الاجتماعية وأية إمكانيات اجتماعية أخرى بل وطبائع اكتسبها الإنسان كعضو في مجتمعه." وبعدئذ دأب هؤلاء على تقديم العديد من التحسينات والتباينات على هذا التعريف العام لمعنى الثقافة ، لكن الأهم هو أن الجميع اتفقوا على أن الثقافة هي سلوك تعلمي كثيراً ما يتناقض مع السلوك الموهوب تراثياً.

وانطلاقاً من واقع أن كل مجتمع إنساني يتمتع بمنظومة من السلوك الذي تحكمه معايير قد تختلف نسبياً من مجتمع إلى آخر حتى داخل الثقافة الواحدة (مثال ذلك الثقافة العربية ومن لها من ثقافات فرعية تحكمها عوامل قسرية مثل العوامل الإقليمية والجغرافية وربما ازدواجية اللغة كحالة الجزائر بين أصول بربرية وأخرى عربية) ، كما تحكمها معايير أخرى تؤدي إلى ألوان أخرى من المعرفة مثل (الاستعمار والهجرات والحروب وما إلى ذلكم من الأمور وربما ازدواجية اللغة مرة أخرى لكن هذه المرة نرى الازدواجية بين اللغتين الفرنسية والعربية في بلاد المغرب العربي) فانه يتم تآلف الأفراد مجتمعياً وتثاقفياً. ويتمتع الإنسان بمنظومة هذا السلوك منذ ميلاده بل ويتطور ذلك السلوك وينمو معه طالما ظل يعيش في ذلك المجتمع.

من هنا يمكن القول بأن الثقافة بهذا المفهوم تختلف عن الثقافة بالمفهوم الذي استخدم لوصف شخص مصقول صقلاً عالياً ، وله دراية بالموسيقى ، والأدب ، والفلسفة ، والسياسة ويجيد لغة عالمية إضافة إلى لغة أمه الأصلية ، بل وربما يتضمن أيضاً توجهات ثقافية أُخرى مشتركة مع الحياة المتحضرة من المعرفة بعالم الاتصال الحديث كالإنترنت وقريناته وما شابة ذلك.

ومن زاوية أخرى نرى أن الثقافة الإنسانية بمفهومها التقني تتضمن سمات للسلوك التافه والدنيوي اللازم للحياة اليومية مثل اللباقة الاجتماعية (وهذا ما يحب البعض أنْ يسميه ب الإتيكيت) ، وطباع و عادات الأكل ، وما إلى ذلك من فنون المجتمع المهذبة. وكما يمكن مناقشة أمر تفاهة مجتمعات محددة حول العالم ، وبناءً على ما تقدم فإنه يمكن اعتبار الثقافة مجموع كمي من المعرفة البشرية وسلوكها المكتسب ضمن الإطار الاجتماعي للفرد الواحد ، وهذا يؤدي بنا إلى التذكير بأنه يوجد كم من المعرفة لا تشترك فيه كل المجتمعات الإنسانية في أي وقت ولا يشترك فيه كل الأفراد في أي مجتمع ، أي أن هذا الكم المعرفي يكون مقصوراً على أفراد معينين في أوساط اجتماعية معينة وبالتالي فهم في أغلب الأحيان يشكلون كماً ضئيلاً في مجموعهم إلا أنهم جزء من الثقافة الإنسانية.

وفي هذا السياق يمكن أن نأخذ على سبيل المثال لا الحصر حرفة الزراعة أو حرفة صيد السمك فنرى أن كل منها تمثل جانباً مهماً من الثقافة الإنسانية الأُولى والمعاصرة أيضاً، وليس من التقاليد أن يشارك فيها الكثير من المجتمعات الطبيعية المنتجة الأخرى مثل مجتمعات الرعي والصيد البري (أدغال إفريقيا وغابات أمريكا اللاتينية واستراليا) ، وحياة البداوة والترحال (صحراء سيناء وصحاري السودان وصحارى المغرب العربي). فمن البديهي أن تتمتع الزراعة بجميع أنماطها بخصوصية تواجدها في الأراضي الخصبة ، كما أن صيد السمك لا يمكن أن يكون إلا على شواطئ البحار وضفاف الأنهار.

ومثال أخر هو الطاقة النووية والصناعات الثقيلة التي هي الآن جزءٌ من الثقافة الإنسانية التي لا غنى عنها على الإطلاق، وهى في غالبها قاصرة على عدد محدود من المجتمعات مالكة الصناعة العالية. وإضافة إلى ذلك ، نرى أنه في هذه المجتمعات فقط يوجد عدد كامل من الجوانب التقنية مملوك لعدد صغير من العلماء والمهندسين وأصحاب رؤوس المال الهائلة.


--------------------------------------------------------------------------------

انتقال الثقافة :
لكن قبل وبعد كل شيء تتكون المجتمعات الإنسانية من مجموعات منظمة من الأفراد هم غالباً من الجنسين ومن مختلف الأعمار ، ولهم منظومة من القواعد السلوكية التي تنتقل من جيل إلى جيل آخر. هذا الكلام ينسحب على مناح أخرى من الحياة حتى يصل إلى الكائنات غير الحية مثل العديد من الحيوانات ومن ضمنها ثدييات وحشرات ، فهذه لها أيضاً مجتمعات ، إلا أنّ طريقتها في نقل السلوك الاجتماعي تختلف في أساسها عن طرق المجتمعات البشرية تلك. الحشرات تنقل سلوكها الاجتماعي بالوراثة البيولوجية.

إنّ السلوك الاجتماعي لمعظم الثدييات ينتقل انتقالاً طبيعياً و رئيسياً بواسطة الجينات الوراثية ، ولكن أيضاً ، والى حدٍ أقل ، يتم ذلك السلوك بواسطة التداعي الاجتماعي ، أو بالتلقين. يمكن أن ترى أثر التعلم على الكلاب والقرود والدلافين البحرية ويصل الأمر بهذه الحيوانات إلى أن تفهم الإنسان وتتعامل معه وتستجيب لأوامره.

يتم تعلم السلوك الإنساني إما كلياً أو يتم تعديله تعديلاً جذرياً عن طريق التعلم الاجتماعي. وحتى هذه المناحي البيولوجية القوية ، أو الغرائز مثل الجنس والجوع يتم تعديلها وتطويرها بالثقافة ، فمثلاً يتم تقنين السلوك الجنسي عملياً باستخدام تعبيرات تعكس دلالات العيب الاجتماعي في كل المجتمعات الإنسانية taboo ، بل وربما يرفض الناس الجياع الطعام الذي ينتهك حرمتهم الدينية (ما يعتبر عيباً دينياً) مثل أكل لحوم الكلاب والقطط الشائع بين شعوب جنوب شرق أسيا، أو لحم الخنزير الشائع بين شعوب أوروبا وأمريكا اللاتينية ، أو ينتهك قوانين الحمية الغذائية ، أو ينتهك ما يعتبرونه بغيضاً لثقافتهم كأكل الضفادع والجراد وبعض الحشرات الأخرى.

ومن هنا يمكنني القول بأنه صار ممكناً ، في الأغلب ، اعتماد البشرية على السلوك التعليمي وذلك بمظاهر بيولوجية نادرة للإنسان بوصف هذا الإنسان نوعاً بيولوجياً. وحيث أن البدايات في أي أمر مهمة للنجاح ، نرى أن وجوب الاهتمام الشديد بدورة الحياة الطويلة نسبياً للطفل والفترة الممتدة لنموه ، وهى التي يكون خلالها الطفل البشري معتمداً على والديه ، ومتعلماً منهما ومن من حولهم من بالغين آخرين. وفي هذا المقام نرى أن من المهم تطوير قدرة الإنسان اللغوية لأنها تؤدي إلى التطور المعقد للدماغ ، والجهاز العصبي ، والحبال الصوتية ، والحنجرة ، وأجزاء الجهاز السمعي.


--------------------------------------------------------------------------------

اللغة والثقافة :
في البداية دعني أقول أنه ليس هناك ما هو أهم من اللغة في تطوير الثقافة الإنسانية وهى ثقافة أصبحت بالغة التعقيد في الزمن الحاضر. بهذه اللغة تمكن بني البشر من استخدام الرموز وتطوير لخلق معان للحياة، وذلك يعني ، أن أصحاب اللغة تمكنوا من إسداء النعم ومن نقل المعاني عبر الأصوات و ترتيبات الأصوات إلى كلمات وجمل. وبعدئذ صار من الممكن تعليم العديد من الحيوانات أن يستجيبوا إلى اللغة ، ولكن فقط في صورة إشارات أو أصوات وليس كرموز حقيقة.

وقد أشارت بعض الدراسات إلى أنه يمكن تعليم قرد الشمبانزي أنْ يستخدم عدداً محدداً من الرموز في استجابة إلى أصوات وإيماءات معينة؛ لكن بني البشر فقط هم الذين يمكنهم الاتصال ببعضهم البعض باستخدام لغة نظامية. كل الثقافات الإنسانية تعتمد على اللغة ، وكل اللغات البشرية ، حتى لغات تلك الشعوب غير المتعلمة ، هي لغات معقدة بدرجة كافية لأن تقوم بنقل الثقافة الإنسانية باعتبارها كلاً متكاملاً. وكذلك الأمر فإن أي كانت لغة هي مرنة ومطواعة بدرجة كافية لكي تتمدد في مفرداتها وتراكيبها كلما صارت ثقافة المجتمع أكثر تعقيداً.


يكتسب الأطفال ثقافة مجتمعهم اكتساباً رئيسياً عن طريق اللغة. ومع ذلك ، فإن اللغة والثقافة ليستا ذات علاقة بتركيب الجينات أو الجنس البشري ، فمثلاً لو تربى طفل عربي في عائلة من أمريكا الشمالية (الولايات المتحدة) أو كندا فهو سوف يكتسب ويتعلم و يتكلم نمط اللغة الإنجليزية لأمريكا الشمالية أو كندا بحسب الحالة ، وسوف يتصرف اجتماعياً وثقافياً مثلما يتصرف طفل شمال أمريكي أو كندي بحسب الحالة أيضاً. هذا الأمر يؤدي بنا إلى القول بأنه يمكن لأي شخص من أي جنس بشري أو نوع بيولوجي ، أن يتعلم لغة ما إذا ما عاش في كنفها، وبواسطة هذه اللغة يمكن أنْ يحقق الثقافة الإنسانية لتلك اللغة وأهلها.


--------------------------------------------------------------------------------

تباينات الثقافية :

تتباين الثقافات الإنسانية تبايناً واسعاً في الأرض بل ويصل الاختلاف إلى أبعد حد بفعل عوامل إقليمية وجغرافية ودينية وطبقية. هناك تباين كبير بين مجتمعات وثقافات غابات الأمازون أو أواسط إفريقيا فتلك مجتمعات ما زالت بدائية ، وبين مجتمعات أخرى تتمتع بثقافات متحضرة بفعل التعليم مثل مجتمعات حوض البحر الأبيض المتوسط ، ثم هناك مجتمعات أكثر تعلماً وتقنية و تحضراً مثل الولايات المتحدة وكندا واستراليا واليابان.

تباين هذه المفاهيم الثقافية يبدو لنا واضحاً جلياً في صورة عادات ومعتقدات اجتماعية يكون لها أحياناً صفة وبعد ديني ففي بعض المجتمعات عادةً ما يمارس الناس أُحادية الزواج (شريك أو شريكة عمر واحد أو واحدة كما في الزواج المسيحي الكاثوليكي) هذه العادة تم حمايتها بنظم وقوانين صارمة وضعتها الدولة وأشرفت عليها وعملت على حمايتها مثلما الأمر في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وبقية أوروبا؛ وهناك مجتمعات أُخرى توجد فيها ثنائية الزواج (زوجان لامرأة واحدة في نفس الوقت) وهذا الأمر موجود في بعض دول أمريكا اللاتينية ، وفي حالة ثالثة توجد مجتمعات تجيز وتمارس تعددية الزواج (عدة زوجات)، كما في المجتمعات الإسلامية سواء عربية كالسعودية وغيرها ، أو إسلامية غير عربية مثل الباكستان وبنغلادش و أفغانستان وغيرهم.

وعلى ذكر الزوج والزوجات نقول أنه في بعض الثقافات يكثر التندر على أم الزوجة ويكون إطلاق النكات عليها أمراً شائعاً وهذا الحال متوافر في الثقافة العربية خاصة في مصر وبر الشام. في بعض المجتمعات يعتبر الأب قوي الشخصية إذا كان يتصرف كالطاغية مع أفراد أسرته. وفي مجتمعات أُخرى يعتبر الأب جيداً إذا كان حامياً للأسرة ومتسامحاً معها. والحالين متوافرين في ثقافة العرب المعاصرة وتحكم هذه الأمور ضوابط البيئة والمناخ العام للأسرة ونسبة التعليم فيها وما إلى ذلك.

ورغم التباين الهائل بين الثقافات الإنسانية حول العالم ، إلا أن هناك عموميات محددة موجودة في كل المجتمعات ، وهى تعكس ردود أفعال أساسية عن حاجات بني البشر. هذه العموميات تتضمن وسائل أولية للعيش والبقاء - وعلى سبيل المثال كما وسبق أن ذكرنا ، الصيد ، والزراعة ، والصناعة. يشكل بعض هذه العموميات للأسرة الأولية ؛ نظام من القربى ؛ مجموعة من قواعد السلوك الاجتماعي ؛ الدين ؛ ثقافة مادية (أدوات ، وأسلحة ، وملابس) و أنماط من الفن ؛ والعديد من المؤسسات الأُخرى التي تشير إلى التوجهات العامة في كل المجتمعات الإنسانية في اتجاه بيئات طبيعية متباينة.


--------------------------------------------------------------------------------

أنماط الثقافة :

على أي حال فإن نموذج الثقافة عموماً يشير إلى مجموعة من المسالك الثقافية أو العناصر التي تشكل نظاماً متداخلاً على أكثر من صعيد ، فإذا ما بدئنا بأوائل سبل الحياة الأُولى نقول أن المحراث هو عنصر لنمط ثقافي يتكون أصلاً من المحراث ذاته ، والحيوان الأليف الذي يستخدم في سحب المحراث و محاصيل حبوب العالم القديم مثل القمح والشعير ، وحرث أراض أكبر في مساحتها من الحدائق ، واستخدام الأسمدة من روث الحيوانات الأليفة . جاءت الزراعة بالمحراث والعوامل المشتركة معها ، كنمط ثقافي ، جاءت من القرون الوسطى في حوالي 500 ق.م.

مثل هذا النمط الثقافي تواصل عبر الأيام ؛ فالزراعة تنتشر من ثقافة إلى أُخرى ، ويضاف إليها عناصر جديدة بين حين وآخر ، وهو ما نسميه بالتطور التقني للزراعة. اليوم تعرف زراعة المحراث كنمط ثقافي ، وقد تم دمج محاصيل باستخدام وسائل علمية عالية التقنية وباستخدام ونماذج جديدة من الأسمدة ، فنتج لنا أنواع أخرى من المحاصيل و الخضرة الأخرى. كل هذا يندرج تحت تسمية النمط الثقافي للمجتمع الواحد.

أحياناً يستخدم تعبير النمط الثقافي لكي يعني ترتيباً متجانساً للسلوك البشري ، والعادات الاجتماعية ، ومنظومة القيم المرتبطة بها وهى يلك القيم التي ستكون من خصائص المستقبل أو الحضارة . هناك علماء انثربيولوجيا ينظرون إلى الحضارات في سياق نمط الشخصية المهيمنة في أي حضارة وهى الشخصية التي تكون مفضلة عند كل ثقافة ، والذي يظهر في طبيعة المنظمات الاجتماعية ، وطرائق تعليم الأطفال و تدريبهم ، ومراسم العادات والتقاليد ، والقيم الدينية ، وما يتبع ذلك من وسائل تطبيق ذلك على الواقع العملي للحياة. هناك أنماط ثقافية تاريخية يمكننا المرور عليها بالذكر وذلك مثل بعض ثقافات الإغريق القديمة ، فقد كان منها ما هي ثقافة محمومة وعنيفة ومنها ما هي ثقافة منظمة وهادئة. الحكم هنا هو الزمان والمكان.


--------------------------------------------------------------------------------

نسبية الثقافية :
العادات والسلوك التي تعتبر خطّاءةً في ثقافة ما ، قد تكون مقبولة كلياً أو ربما ممتدحة ومحببة في ثقافة أُخرى. غالبية علماء الأنثروبيولوجيا ينظرون إلى الثقافة الإنسانية نظرة نسبية [النسبية هي نظرية تقول بأن كل شيء في الدنيا نسبي وليس هناك شيئاً مطلقاً] ، والمفهوم بأن كل الثقافات هي نظم مرتبة ومن خلالها تكون التقاليد الاجتماعية والمؤسسات منطقية في معانيها الخاصة. وبهذا يمكن رؤية إيمان الهندوس بعدم أكل لحوم البقر وضمان معاملة خاصة للأبقار ، يمكن رؤيتها على أنها وظيفية ومنطقية ، هذا ليس فقط في إطار التقاليد الدينية للأبقار المقدسة ، ولكن أيضاً في سياق الفائدة المرجوة من البقرة كحيوان جر وكمصدر للروث من أجل التسميد والوقود. غالبية علماء الإنسان يقرون كذلك بأن الثقافات البشرية تتضمن في بعض الأحيان عادات وقيم مضادة للرفاهية الإنسانية.


--------------------------------------------------------------------------------

تحولات الثقافة :
يرتبط تحول الثقافة الإنسانية ارتباطاً وثيقاً بالتطور التكنولوجي ، وهو التحول الذي من خلاله قامت البشرية باستثمار البيئة بطرق معقدة تعقيداً كبيراً يتزايد يوماً بعد يوم ، ولنا في ذلك مثال في تاريخ تطور التكنولوجيا ، ففي القرن التاسع عشر قدم العديد من علماء الانثروبيولوجيا الرواد وعلماء الاجتماع ، نظرية تقول بأنه لا بد وأن تمر كل ثقافة إنسانية بمراحل محددة من التحول ، بل وقسم البعض هذا التطور إلى ثلاثة مراحل تتكون من التالي: مرحلة أساس (مرحلة الوحشية) ، عندما قام بني البشر بجمع البذور والحبوب ؛ وتبع ذلك مرحلة ثانية سموها (مرحلة البربرية) ، عندما قام بني البشر بزراعة الحبوب ، واستخدموا بعض الأدوات المعدنية من أجل ذلك، وعاشوا في مساكن دائمة ؛ وأخيراً ، مرحلة ثالثة عندما اهتموا بالحضارة التي بدأت بابتكار الحروف الصوتية والكتابة. علماء الانثروبيولوجيا وعلماء الآثار ، ومؤرخون لم يعودوا يعتقدون أن حضارات محددة هي بالضرورة تحقق تقدماً في مراحل ثابتة من التاريخ.

ومن الواضح أنّ مجتمعاً بسيطاً مكوناً من بضعة مئات من الأفراد في صحراء النقب أو سيناء مثلاً لا يمكن أن يطور بمفرده نظاماً اجتماعياً بمفردهم ودون الاختلاط بمجتمعات أخرى أو ثقافات أخرى ، بل ويمكن أن نقول بأن سكان العصر الحجري يمكنهم أن يسوقوا دراجات و سيارات وجرارات مباشرة ,ان يقوموا بإصلاحها عندما يتم تقديم تلك الماكينات إلى ثقافتهم. هذا الفهم الواضح لمعنى الثقافة جعل اليابان و من بعدها الصين ودول النمور الأسيوية ، جعلها قادرة على تغيير ذاتها من مجتمعات إقطاعية زراعية إلى مجتمعات صناعية متقدمة إلى أبعد الحدود. وبناءً على ما تقدم نقول أن الثقافة الإنسانية تنمو وتتعاظم ، وذلك يعني ، أنها يمكن أن تتمدد من مجتمع إلى آخر ضمن حدود البيئة الجغرافية وطبقاً لقدرة المجتمع على استيعاب أفكار جديدة ، والتعامل الإيجابي معها.


--------------------------------------------------------------------------------

انتشار الثقافة :
تنتشر وتتطور عناصر الثقافة من مجتمع إلى مجتمع بالاتصال المباشر أو غير المباشر بين الأفراد و الجماعات أو الجماعات والجماعات ، وبعملية يمكن تسميتها بالانتشار. بعد أنْ وصل المستكشفون الأوروبيون إلى أقصى الشرق والى الأمريكيتين في القرن الخامس عشر ، استُعيرت استعارة واسعة عناصر ثقافية من قارات مختلفة في كل العالم. وجيء بمحاصيل زراعية جديدة من الأمازون إلى إفريقيا ، والعكس صحيح.
وضمن التطور المتواصل في وسائل الاتصال وسُبلْ السفر ، ازداد تبادل عناصر الثقافة ازدياداً مطردا. ومع ذلك مازالت هناك اختلافات ثقافية كبيرة قائمة ليس فقط بين بعض الأمم بل أيضاً بين مجموعات عرقية وأُخرى غير عرقية بحسب الإقليم. وعلاوة على ذلك ، لا تنتشر كل عناصر الثقافة بنفس السرعة والسهولة. يميل الأفراد إلى الأسهل والأيسر والأنجع بغض النظر عن الأصل.

ومع ذلك يكون النظام السياسي ، أو الديني ، نموذجاً مثالياً لما هو جميل وبالتالي يكون أكثر قدرة على الانتشار من الجوانب المادية للثقافة. الثورة الثقافية الاشتراكية التي قام بها في الصين ماو تسي تونغ ، بدأت في 1966، في محاولة لإعادة إحياء الغيرة والحس الثوري في الصين. في ذلك الحين نظم الطلبة الراديكاليون ودربوا الحرس الأحمر وسيروا المظاهرات وقادوا الشارع الصيني مراراً وتكراراً في الهجوم العنيف على "الأربعة القدماء" وهى: الأفكار القديمة ، والثقافة القديمة ، والقيم الاجتماعية القديمة ، والعادات القديمة. وخلال الحملة الشاملة على المثقفين وما هو مستجلب من خارج الصين مما أعتبر من الأشياء الأجنبية ، أُتهم هؤلاء بأنهم "عناصر قديمة" بحاجة إلى "إصلاح"، وأُجبروا على القيام بعمل سنوي وتم إذلالهم جماهيرياً في "مقابلات نضالية". وفي 1968 عندما صارت الصين على شفا حرب أهلية ، وذلك عندما حاربت الفصائل الراديكالية بعضها البعض ، تم عندها إلغاء الحرس الأحمر ، وتم إحضار الجيش ليفرض النظام بينما الثورة تتواصل. لقد دَمرت الثورة الثقافية مصداقية وأخلاق الحزب الشيوعي. وانتهت الثورة رسمياً في 1969 لكن العديد من وسائلها ظل متواصلاً حتى موت ماو تسي تونع في 1976. كانت تشيانغ تشنغ زوجة ماو تسي تونغ قائدة للثورة الثقافية التي انتهت بموت الآلاف من أبناء الشعب الصيني.


--------------------------------------------------------------------------------

بين الثقافة والفوضى :
في مقال بعنوان (الثقافة والفوضى) (1869) ، عرض الشاعر والناقد الإنجليزي ماتثيو أرنولد للخطر الذي سماه "الخلط بين الثقافة والفوضى" ، وقد قام أرنولد بتشخيص المجتمع البريطاني باعتباره يتكون من ثقافات عدة قسمها بحسب التوزيع الطبقي الذي جعله من ثلاثة طبقات عامة: أولاً : البربر (الطبقة العليا) ، وثانياً : الانتهازيون (الطبقة الوسطى) و ثالثاً : الرعاع (الطبقة العاملة). وأن لكل من هذه الطبقات خصوصيتها ولغتها وأجوائها وطموحاتها ، وقد أردف قائلاً أنّ الأمل في المجتمع الصادق يكمن في تأثير أهل الثقافة على المجتمع ، وتأثير المدافعون عن الجمال والحقيقة على مجتمعهم بل وقد اعتبرهم "الرسول الحقيقي للمساواة الاجتماعية".


--------------------------------------------------------------------------------

التوزيع الجغرافي للثقافة :
في العادة تكون منطقة الثقافة إقليماً جغرافاًي يعيش فيه سكان يشتركون في سمات ثقافية متشابهة ، وأنماط من البيئة الثقافية ، وطرائق حياة متماثلة. السمات الثقافية تتضمن أي شيء له شكل مادي ، ووظيفة معلومة ، وقيمة متعارف عليها عند المجموعة الثقافية الواحدة. هذا ويمكن تصنيف أنماط السلوك الثقافي باعتبارها مؤسسات اجتماعية تمتلك كل وسائل التحكم في المجتمع ، وتمتلك ما يحكم التفاعل الداخلي بين أعضائها ؛ وهى مؤسسات أيديولوجية تتضمن كُليةُ المعرفة والمعتقد الذي تشترك فيه الثقافة ووسائلها بغرض الاتصال ؛ وهى مؤسسات تقنية تتضمن كل الأدوات والمهارات والقدرات التكنولوجية ؛ وهى التوجهات الراسخة ، والعواطف ، والمفاهيم التي تتضافر لتؤثر على السلوك الإنساني.

لا يعمل أي من هذه العوامل منفرداً ؛ بل على العكس ، حيث يؤثر كل واحد منها على العوامل الأُخرى في مثيلها من المؤسسات الثقافية العالمية مثل مؤسسة الدين ، والنظم السياسية والاقتصادية ، وتلك الوسائل التي يحاول المجتمع بها أن يحافظ على الاستقرار الداخلي ، ويدافع بها عن نفسه ضد التهديدات الحقيقية أو المتوقعة ، ويبقي على ذاته باستخدامه مصادر بيئية مادية. ترتبط البيئة الثقافية بالعلاقة الجلية التي تفرزها الثقافة ، مع البيئة الطبيعية المحيطة بالثقافة. وتتباين عناصر الأرض في طبيعتها ، ووفرتها ، وطرق الوصول إليها ، وتوزيعها الجغرافي ، ومثل ذلك تماماً تكون أهمية هذه العناصر لكل ثقافة ، وتكون هذه الأهمية نسبية بطبيعة الحال. وبمجرد أن يتم التعرف على عناصر بيئية مفيدة أو قيمة تصبح هذه العناصر مصدراً طبيعياً.

وتصبح المجتمعات الإنسانية بقيادة أنظمتها الثقافية عوامل بيئية فاعلة. وبما أن المجتمعات الإنسانية تستخدم وتعدل عاداتها بوسائل ثقافية متباينة ، فمن الممكن أن تبرز أنماط واضحة ذات طابع ثقافي مميز ، ومن بين هذه الأنماط المرئية نماذج تقسيم الأرض واستخدامها ، والاستيطان ، والتنقل بوسائل مواصلات ، و استغلال المصادر ، وفن العمران ، وزراعة النباتات وتربية الحيوانات ، وتطبيق القيم الأخلاقية.

قام علماء انثروبيولوجيا وجغرافيون وعلماء اجتماع آخرين باستخدام مفهوم منطقة الثقافة (جغرافية الثقافة) كوسيلة للتعرف على ، وتصنيف ، وفهم أفضل للثقافة الإنسانية في بُعدٍ مكاني معروف. ورغم أن ثمة محاولات تمت للتعرف على منطقة الثقافة على مستوى كوني ، إلا أنّ معظم الأدباء ينوون أنْ يُعرفوا منطقة الثقافة في إطار عالمي ، أو ربما في إطار أصغر، في أقاليم جغرافية. وبسبب الاختلاف الكبير في الممارسة الثقافية في كل العالم ، فانه غالباً ما يختلف الأُدباء على العدد والتوزيع المكاني الدقيق لمنطقة الثقافة. تم تعريف المناطق الأساسية للثقافة على أنها مجموعٌ متشابكٌ مِنْ السمات التي تتطور تطوراً كاملاً ، وهى منفصلة الواحدة عن الأُخرى بمناطق انتقالية للاختلاط الثقافي (التوزيع الإقليمي للثقافة).

في أبسط أوليات مناطق الثقافة يمكن تعريف واقع الثقافة في إرهاصاته الأولى ، ومن ثم في مراحله الثانية ، وغالباً الثالثة. منطقة الثقافة الأوروبية ، على سبيل المثال ، يمكن أنْ تقسم بسهولة إلى ما لا يقل عن ثلاثة مناطق ثقافية فرعية وهى: البحر المتوسط ، والشمال الغربي ، والشمال الشرقي ، وكل واحدة منها له أحزمة محيطة انتقالية. ويمكن عمل تمايز ثقافي إضافي على أساس العرق (القومية) وعلى أساس الكتل اللغوية التي توجد في كل مكان. وربما أن أوروبا أفضل من أي إقليم رئيسي آخر في تبسيط مفهوم الدولة/الأُمة ؛ معظم الدول الأوروبية تحمل اسم اللغة المهيمنة أو المجموع العرقي السائد ، فعلى سبيل المثال ، إنجلترا إنجليز ، وفنلندا فنلنديون ، وفرنسا فرنسيون.

الحواجز الثقافية غالباً تتصادف مع الحواجز الطبيعية التي تفصل بين السكان البشريين. هذه الموانع هي أجسام من المياه ، وسلاسل جبال ، و صحاري ، وأراض واسعة وممتدة غير مأهولة. والحواجز الاجتماعية ، والسياسية ، والدينية ، والحواجز التاريخية يمكن أن تحفظ أيضاً ، ليس بالموانع الطبيعية ولكن بشكل منفرد على أساس الالتصاق القوي من مجموعة واحدة أو من كُلٍ المجموعتين من أجل طريقة تقليدية في الحياة.
منذ القرن السادس عشر تغير التمدد الكوني للثقافة الأوروبية ، إذا لم تكن تلك الثقافة قد مسحت العديد من الأنماط الثقافية القومية وريفها.

في الأمريكيتين ، على سبيل المثال ، يصعب أنْ تجد أمثلة لم تتغير من ثقافة السكان الأصليين ؛ بل لأكثر مرارة أن الثقافات الأوروبية والايبيرية (ثقافة إسبانيا والبرتغال) تهيمن على الثقافة الأُم. و مع وسائل النقل ووسائل الاتصال المتطورة ، والتعليم الرسمي ، والتجارة ، والنشاط العسكري ، وجهود دعاة التبشير ، وبرامج المساعدات ، تم تسهيل الهجرة المباشرة ، ظهرت نماذج غير مباشرة من الانتشار الثقافي ، وقد ساهمت كل هذه المؤثرات الهائلة في تغيير الممارسات الثقافية التقليدية في معظم أنحاء العالم تقريباً.


--------------------------------------------------------------------------------

ضعف الثقافة وهوانها :
الهوان والضعف الثقافي هو جانب ثقافي يجيء من الماضي ثم يصعب المحافظة عليه مع طرق الحياة المعاصرة. وفي عملية التغير الثقافي نرى بعض العوامل التي تتغير ببطء أشد من عوامل أُخرى تنوي البقاء في المجتمع حتى بعد أنْ تكون عناصر منطقية وكافية قد تطورت لتحل محلها. غالباً ما ينتج الهوان والضعف الثقافي عن حواجز طبيعية واقتصادية متوافرة في مناطق بعيدة.

الاعتماد على مصباح الكيروسين ، على سبيل المثال ، يثابر خارج مناطق تُضاء بالكهرباء ، وحتى في بعض المدن حيث لا يستطيع سكان الأحياء الفقيرة جداً أنْ يوفروا خط كهرباء أو أنْ يدفعوا فاتورة الكهرباء. بعض الهوان والضعف الثقافي لم يعد له أي وظيفة مفيدة وينتج عن مجرد عادات متأصلة. من هوان وضعف الثقافة الخمول ، ونمطية الأسلوب (مثلاً استخدام أزرار الأكمام المعطف). ومن هوان وضعف الثقافة أيضاً العباءات الأكاديمية التي تُلبس عند التخرج من الجامعة أو من دورة دراسية ، وهى عباءات يتم المحافظة عليها من أجل الوظيفية الاحتفالية التي يريدونها. وفي العام 1922م ولأول مرة جاء عالم الاجتماع ويليام ف أوغبيرن بتعبير "الهوان والضعف الثقافي".


--------------------------------------------------------------------------------

الصدمة الحضارية :
يستخدم علماء الاجتماع تعبير الصدمة الحضارية لوصف الشعور بالكآبة ، التي تظهر في صورة الحنين إلى الوطن في أوائل أيام الغربة، وهو شعور يسببه العيش في بيئة أجنبية ذات ثقافة مغيرة للثقافة التي تربى فيها ذلك الفرد ، ويتزايد ذلك الشعور عند الاصطدام بلغة أجنبية غير معروفة ومفاهيم ثقافية غريبة وعادات وتقاليد مغايرة لتي يعيش فيها هذا المغترب أصلاً، ويبدو ذلك الشعور حتى لو كان مفهوم المغترب للثقافة الجديدةً ضعيفاً ومختلطاً برموز مختلفة تتعلق بالسلوك ، وبأطعمة غير مألوفة ، وحتى بمحيط مادي غير مألوف ، وربما ينظر المسافر أو القاطن الجديد إلى الناس والسلوك الذي لم يعتاد عليه ، نظرة ليس لها مذاق ، وأحياناً ينظر إليها بخوف وتوجس. و يتم تجاوز الصدمة الثقافية إذا ما تم التعرف عليها بهذا المعنى. و قد يحدث أيضاً أنْ يمر الناس بصدمة ثقافية معاكسة عندما يعودون إلى مجتمعهم المحلي بعد أن يمضوا عدة شهور أو سنين بعيداً عنه خاصة إذا انتقلوا من مجتمع تتوافر فيه سبل حياة الرغد و الرفاهية إلى مجتمع إحدى دول العالم الثالث.


منقول

تابعى الاجزاء الاخرى ان شاء الله خلال ساعات


التوقيع




مع تحيات
رشاد ابوجامع فرغلى حسن ( رشاد الفقيه)






13/04/2008 - 01:36 صباحاً

رد مع اقتباس


#7 رد :للمساعده

رشاد الفقيه

المشرف العام


الصورة الشخصية لـرشاد الفقيه


الهوية الشخصية
رقم العضوية : 1
المشاركات : 10420
الزيارات : 2044
الانضمام : 7/5/2007
النوع : ذكـــــر
الحالة : غير متصل



العولمة والتدفق المعلوماتى :
الأبعاد الاجتماعية والآثار السلبية

أ.د. أحمد مجدى حجازى
المستشار الثقافى ومدير المركز الثقافى المصرى بالرباط (المغرب)

مستخلص
تتناول الدراسة العولمة والمتغيرات العالمية المستحدثة، حضارة السوق والأمن الثقافى: سيناريوهات التهميش الاجتماعى، سيناريوهات العولمة وثقافة التهميش، التغريب الثقافى وسوسيولوجيا الاتصال الجماهيرى، الجرائم المستحدثة فى ظل المتغيرات الدولية، الآثار السلبية لجرائم الإنترنت، المعلوماتية وأثارها السلبية على المجتمع.

مقدمة :
إلى متى ستظل شعوب الجنوب خاضعة لتيارات ثقافية عاتية قادمة من دول الشمال؟ وإلى متى ستظل ثقافة الدول النامية أسيرة لحضارة السوق لصالح الداعين والمروجين بل والمخططين لها؟ لماذا تتحول ثقافة الشمال إلى تيارات كاسحة تخترق عقول البشر؟ ولماذا أصبحت مركزة فى قطب واحد، استطاع بما يملك من قوى متعددة الأبعاد وتكنولوجيا فائقة القدرة، أن يخضع عقول البشر لتبنى ثقافته بل والدفاع عنها ضد معارضيها؟ لقد تمكن هذا القطب بالتعاون مع تجار المعلوماتية من السيطرة على شعوب العالم وحقق أرباحاً طائلة تحت دعاوى العولمة فى محاولة لخلق ظروف تشكيل المواطن الكونى. والسؤال المهم الآن هو كيف يمكن دعم قدرات الإنسان فى بلادنا؟ وما آليات تحويله إلى كتلة تاريخية متحركة تواجه تحدى الاختراق الثقافى والزخم المعلوماتى فى سبيل تأصيل ذاكرته التاريخية؟
(أ‌) العولمة والمتغيرات العالمية المستحدثة
حقا يحار المرء عندما يقف مشاهدا غير مشارك فى الأحداث الجارية، حائرا أمام كم هائل من المتغيرات العالمية التى تتدفق من خلال الوسائط الإعلامية والشبكات الاتصالية فائقة الدقة، والتى تصل إليه بل تخترق عقله دون سابق إنذار، إنها تحولات اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية متشابكة الأبعاد، تدور فى أجزاء "القرية الكونية" المزمع تشكلها.
يقف الإنسان حائرًا أمام تلك المتغيرات المؤثرة فى حياة البشر بأشكال متباينة حتى شعر بعجزه عن الفهم أحياناً، وعن التحليل والتشخيص والتفسير فى كثير من الأحيان. فهو يرى تحديات عصرية متناقضة، دعاوى للتوحد وتحطيم للحواجز بين الشعوب، ووقائع تشير إلى التفكك والتقيد، فيعجز عن إثبات ذاته وسط هذه التناقضات والمتغيرات اللانظامية، والتى تلعب فيها الثورة المعلوماتية وتكنولوجيا الاتصال والإعلام والأدوار المحورية فى تشكيل ردود أفعال البشر.
لقد اتسم العصر الراهن بثورة معلوماتية غير مسبوقة فى تاريخ الشعوب، ثورة ثالثة عابرة القارات، لا تعرف الزمان ولا تهتم بالمكان، ثورة معرفية ناقلة تخترق ثقافات الشعوب، وتقنية فائقة الدقة فى الاتصالات لا تعرف الحدود، إنه عصر الكلمة والصورة القادرتان بحق على تخدير الشعوب وتطويع العقول فى سبيل تحقيق أممية رأس المال. لقد تطورت المعرفة العلمية بشكل مذهل وغير متوقع، فاستطاعت تحطيم ثوابت الفكر، تلك الثوابت النظرية التى كادت أن تكون راسخة فى الذهن البشرى حاكمة لمنهجية الفكر الاجتماعى، حتى أن البعض وصفها بأنها تمثل ثورة مادية لم تستطع مجاراتها ثورة أخلاقية ودينية وروحية معاصرة تتوازن معها.
لقد كان من المفترض – أو هكذا أدعى أصحاب الدعوة إلى العولمة – أن النظام العالمى الجديد يشكل عهداً يتسم بتماسك الشعوب وتعاونها وإلغاء ما بينها من سدود وتقريب ما بينها من مسافات. غير أن الواقع العملى أثبت عكس ما كان متوقعاً، حيث زادت حالات التفكك والصراع والتطرف بأشكاله المختلفة، واختلت المعايير، واختفت القيم الأخلاقية وتراجعت القيم الاجتماعية الإيجابية، وحلت محلها القيم المادية المعبرة عن ثقافة المصالح وحضارة السوق. وبرزت التناقضات وازدادت حركات المعارضة والتمرد فى أجزاء كثيرة من العالم، وزادت الفجوة بين شعوب العالم، وظهرت أشكال من عدم المساواة بين الشعوب فى الحقوق والواجبات، وأصبحت سلوكيات الغطرسة والتعالى والتهميش، والاستغلال من جانب القوى الكبرى واضحة دون مواربة فى الخطابات السياسية المعلنة، خاصة بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر، والتدخل السافر فى العراق دون أدنى اعتبار للمواثيق الدولية.
ومع كل هذا ظل الداعون للعولمة والمناصرون لها يقدمون التبريرات لدعم توجهاتها، ولا عجب فى ذلك فالعولمة مسار تاريخى ذات طابع كونى، وهى ليست حدثاً تولد حديثا، بل مشروع ترددت أصداؤه منذ أكثر من قرنين من الزمان، وبدا محلا للصراع بين القطبين، زمن تعدد الأقطاب، بحثا عن سيطرة القوة الواحدة، وبرزت بوادره بعد الحرب العالمية الثانية، وتبلور مفهومه فى مطلع التسعينيات نتيجة لأسباب نعرض لأهمها فيما يلى:
1- التحولات الأيديولوجية التى انتابت السياسة الصينية وانفتاح الصين على العالم الرأسمالى وتطبيق سياسات الاقتصاد الحر.
2- اتجاه الهند نحو الانفتاح الاقتصادى على الخارج والتخلى عن سياسة الهند الانعزالية اقتصادياً.
3- المصارحة والمكاشفة لسياسة اتبعها المعسكر الشرقى، وانفتاحه على السوق العالمى وتطبيق سياسات ليبرالية جديدة.
4- بروز قطب اقتصادى جديد فى منطقة شرق آسيا.
5- تأسيس حضارة السوق واتباع الدول الفقيرة السياسة الليبرالية المفروضة من العالم الرأسمالى الغربى.
6- سرعة التحولات على الصعيد الاقتصادى والاتجاه نحو التكتلات الاقتصادية وبروز الشركات متعددة الجنسيات.
7- تعاظم التحولات فى مجالات الاتصالات والثورة المعلوماتية والتكنولوجية الهائلة فى مجالات الأعلام والاتصال والمواصلات.
8- سرعة التحولات الاقتصادية وبروز ظاهرة التنافس على الصعيد العالمى فى ظل تشكيل النظام العالمى الجديد..
وكانت العولمة اقتصادية بالأساس ثم اتسعت إلى الصناعة والسياسة والثقافة؛ والأخيرة أخطرها فى الهيمنة والاختراق. وللعولمة مجالات متعددة ذات أبعاد متشابكة يمكن أن نعرض لها بإيجاز فيما يلى :
(أ‌) مجالات اقتصادية تعمل على دمج اقتصاديات العالم فى الاقتصاد العالمى من خلال تحركات تجارية، وتدفق الأموال، وانتقال التكنولوجيا وتوزيع شبكات الاتصال، والهدف يتم فى ضوء منطق الربح الرأسمالى للكتل الرأسمالية والمنافسة فى الاستحواذ على الأسواق العالمية، من خلال الانتقال من الرأسمالية الصناعية إلى الرأسمالية الثقافية. (نشاطات ترفيهية، مجتمع استهلاكى، توسيع المجال التجارى ليخص الثقافة).
(ب) مجالات الابتكار التكنولوجى: حيث يُقسم العالم – على أساس المعرفة- إلى مجتمع مُصنع للمعرفة ومبتكرها (مجتمع المعرفة)، ومجتمع مستهلك لمنتوج هذا الابتكار.
(ج) القفزة العلمية الصاعدة، خاصة فى مجال الإعلام الآلى وتطور ما يسمى بالذكاء الاصطناعى والاستنساخ، وما أدى إليه من جدل أخلاقى ومشاكل دينية وقيمية وإنسانية.
(د) مجال الاختراق الثقافى وتشويه الهوية الوطنية. (تزييف العقول أو عولمة مصطنعة كما يقول زيجلر).
وعلى الرغم من اختلاف العلماء حول هذا المفهوم الجديد – القديم إلا أنها تعنى تعميم الشىء وتوسيع دائرته ليشمل أجزاء العالم ككل، وهى تعنى فى المجال السياسى – كما يشير الجابرى – العمل على تعميم خط تجارى يخص بلداً بعينه هو الولايات المتحدة الأمريكية بالذات.
والعولمة بهذا المعنى أيديولوجية تعبر عن إرادة الهيمنة على العالم من قطب واحد، يملك السيطرة والاختراق فى عصر الكلمة والصورة والتحكم عن بعد. أو هى كما يراها البعض محاولة لجعل الأمم عالماً واحداً ليس للناس فيه إلا توجه واحد من مصدر واحد هو المصدر الذى يريد أن يهيمن عليه. وربما من هذا المنظور يشير البعض إلى أنها أمركة تخترق حواجز الدول وثقافات الشعوب لتذويب تلك الثقافات فى أيديولوجية ذات مصدر واحد.
ومع كل هذا أصبحت العولمة واقع يجب التعامل معه بقوة وقدرة على امتلاك آليات المنافسة، التى هى الإطار أو السياج الحامى لمكان الدول على الخريطة الكونية المزمع تشكيلها.
وإذا كان يمثل مواقف أبناء العالم الأقل نمواً من هذا التيار الكاسح النفاث، فما هو موقف الغرب من العولمة؟ وكيف تؤثر على البنى التقليدية والمؤسسات الاجتماعية فى الدول الأقل حظاً من التطور؟ وما موقف العرب منها؟
ربما يكون طرح موقف بعض علماء الغرب من العولمة يلقى الضوء على ما يمكن أن نسميه "بثقافة الكوننة أو العملقة المستحدثة" وآليات الهيمنة المتجددة فى عالم اليوم وتأثيرها على العلاقات البشرية ومؤسسات المجتمع.
يقول ديفيد روثكوب David Rothkop – الذى كان يعمل مديراً لمؤسسة كيسنجر وهو أستاذ للشئون الدولية فى جامعة كولومبيا وموظف متميز فى وزارة الخارجية الأمريكية فى إدارة الرئيس الأمريكى كلينتون – "يجب على الولايات المتحدة أن تعمل على نشر ثقافتها بكل الطرق والوسائل، لأن الثقافة الأمريكية خليط متعدد وهى من نتاج ثقافة عالمية؛ فيجب أن تمس ثقافات الشعوب.(1)
ويرى بيتر بينارت Beinart تحت عنوان عالم واحد One World New Repulic، معرفاً العولمة بأنها نرجسية القوة فى أن ترى عالماً واحداً يمثل رؤيتها.
ويؤكد تقرير الأمم المتحدة الصادر فى اليونسكو أن التجارة العالمية ذات المحتوى الثقافى قد تضاعفت من عام 80-1991 ثلاث مرات، إذ ارتفع من 67 مليار دولار إلى 200 مليار دولار. وهذه المواد الثقافة (أفلام – موسيقى – برامج تليفزيونية – تدخل كل بيت تقريباً) تسيطر عليها الولايات المتحدة الأمريكية وفى نفس الوقت نجد أن هذه الصناعات بدأت فى الذبول فى كثير من الدول.
ومن الملاحظ أن بنجامين باربر Benjamin Barber صك مصطلح
Mc World، ليشير إلى أن حاسوب ماكينتوش أصبح معياراً للفكر والعقل، ومطاعم الهامبورجر (ماك) معياراً للطعم والمعدة.
ويقرر نورمان جونسون Norman Jonson أن الصادرات الأمريكية ليست أجهزة وبرادات وعربات فقط، لكنها أفكار أيضاً. وعندما تبدأ تصدير الأفكار والفلسفات والسلوك وطرق المعيشة فإن هذا يصبح هجوماً على ثقافات الغير.
ومن ثم فالثقافة الأمريكية هى الثقافة العالمية التى يجب أن تنتشر فى العالم لما تحمله من ثقافات عصرية متنوعة!
ويضيف تقرير الأمم المتحدة – السابق ذكره – بأن أكبر صادرات الولايات المتحدة ليست الطائرات أو السيارات أو غيرها من منتجات التكنولوجيا –فقط- بل سلع الترفيه والتسلية كذلك.
وجاء بالتقرير أيضاً أن ما حققته مدينة السينما فى هوليود فى أمريكا عام 1997 كان 30 مليار دولار، وأن حصاد ما أثمره فيلمان أنتجتها هوليود فى نفس العام هما بلوك بوستر Block Buster وتايتانيك Titanic كان 1.8 مليار دولار. ويضيف التقرير تعقيباً على ذلك أن توسع الأدوات الإعلامية ذات التأثير العالمى مثل شبكات الإعلام وتكنولوجيا الأقمار الصناعية أعطى قوة أكبر لهذه الأدوات لاختراق حواجز البيوت فى الدول النامية، من خلال البث المستمر لمدة 24 ساعة يومياً. ومع انتشار أجهزة التلفاز فى العالم ازداد تأثيره على العالم وغير من شخصية الإنسان وقيمه، إذ تضاعفت نسبة عدد الأجهزة المستخدمة من عام 80-1995 من 141 لكل ألف إلى 235 لكل ألف، بمعنى أن العالم كله أصبح يملك أجهزة تلفاز حتى القاطنون فى مجاهل أفريقيا، أو البدو الرحل الذين لا يملكون مكاناً مستقراً يحملون معهم أجهزتهم المرئية. وإذا افترضنا أن كل أسرة تتكون عادة من 4-5 أفراد فإن هذا يعنى أن التأثير الثقافى العالمى يكاد يصبح اختراقاً ثقافياً لا ينجو منه منزل فى الحضر أو البادية.
ومن هنا فإن تغيير شخصية الإنسان واختلال العلاقات العائلية، وتغيير منظومة القيم، وتهميش الثقافة المحلية والوطنية هو نتاج لهذا الزخم الثقافى الوافد، وتقبل ثقافة الآخر والهرولة نحوه، حيث أصبح يمثل رموزاً مكانية تتأصل بفعل القوة المتدفقة فى ظل غياب جهاز المناعة بالداخل. ففى الوقت التى تنتعش فيه صناعة الأفلام فى هوليود وتحقق أرباحاً عالية وفوائد بالمليارات تتراجع فيه صناعة الأفلام فى بلاد العالم خاصة النامى إزاء المنافسة الأمريكية.
(كانت المكسيك تنتج مثلا مائة فيلم سنوياً، هبط هذا الإنتاج إلى 10 أفلام سنوياً) (تقرير عام 99 U.U.Report) بعنوان Scientific Cultural Organization)(2).

(2) حضارة السوق والأمن الثقافى : سيناريوهات التهميش الاجتماعى
فى عصر الانهيارات الكبرى وفى ظل آليات الهيمنة العالمية تحولت الثقافة الاستهلاكية Consumer Culture – إحدى مجالات تدويل النظام الرأسمالى – إلى آلية فاعلة لتشويه البنى التقليدية وتغريب الإنسان وعزله عن قضاياه، وإدخال الضعف لديه والتشكيك فى جميع قناعاته الوطنية والقومية والأيديولوجية والدينية. وذلك بهدف إخضاعه نهائياً للقوى والنخب المسيطرة على القرية الكونية، وإضعاف روح النقد والمقاومة عنده حتى يستسلم نهائياً إلى واقع الإحباط فيقبل بالخضوع لهذه القوى أو التصالح معها(3). وهكذا تعد العولمة إحدى التحديات التى تقف أمام بناء المجتمعات التقليدية لأنها تحطم قدرات الإنسان فيها، تجعله إنساناً مستهلكاً غير منتج، ينتظر ما يجود به الغرب ومراكز العالم من سلع جاهزة الصنع، بل تجعله يتباهى بما لا ينتجه، فهو القادر على استهلاك ما لا يصنعه، مما تشكل لديه قيم الإتكالية والتواكل، والتطلع إلى اقتناء السلع الاستهلاكية التى تتغير يوماً لا فى سبيل التطوير – فقط- بل فى سبيل زيادة حدة الاستهلاك على المستوى العالمى.
ولا جدال فى أن النظام الرأسمالى المزمع تشكيله لا يختلف – كثيراً – من حيث أهداف تحقيق الهيمنة الخارجية، نظراً لأنها السبيل الوحيد للمحافظة على قدرة النظام الرأسمالى فى تطوير ذاته، وتوزيع منتجاته، وتأمين استقرار أوضاعه، ووصوله إلى مراحل الرفاهية داخل نطاق حدوده. إلا أن الأوضاع لا تستمر دائماً على هذا النحو بسبب أن طبيعة الدورة الاقتصادية فى النظم الليبرالية الحرة – كما أشارت المدرسة الكينزية – تقوم على مبدأ الأزمات، حيث تمر هذه المجتمعات بأزمات متلاحقة، تكون هى القوة الدافعة للتطوير والإنتاج وتحسين الأداء وتنمية القدرات لحل هذه الأزمات التى تنتاب دورة الإنتاج وتعمل على تكاملها. ولتجنب هذه الأزمات تطورت آليات الهيمنة الخارجية نحو تغيير أساليب الاستغلال وإن كان الهدف – كما سبق القول – واحد، والعولمة هى إحدى آليات الهيمنة المعاصرة.
ففى مرحلة التقارب بين القطبين الرأسمالى والشيوعي قبل انهيار الأخير، كان الاهتمام منصباً على تدعيم الوجود والاستمرار المطرد لتفوق النظام الرأسمالى فى مواجهة النظم الشمولية، وبعد نجاح النظام الليبرالى الحر، وانفراده بالنفوذ العالمى، اتجه إلى تغيير أسلوب الهيمنة الخارجية، فأصبحت رأسمالية العلم والتقنية فى حاجة إلى توحيد النخب المدعمة لهذا النظام، وظهرت فى رأسمالية متعددة القوميات Multinational. ولقد أسهمت التطبيقات التى تمت إلى الآن فى مجال تقنية المعلومات والاتصال والتقنية الحيوية فى تجديد القوى المنتجة وإتاحة فرص هائلة لإعادة هيكلة الإنتاج الرأسمالى كماً وكيفاً، فبتغيير الهيكل الصناعى تقدمت إلى الصدارة صناعة المعلومات والمعرفة والثقافة، وبتغيير أدوات الإنتاج وفنونه، تغير هيكل قوة العمل وبنية الطبقة العاملة، تركيباً ونوعاً، واتسع نطاق الفئات والشرائح الوسطى، وهى أمور ذات أهمية فى تحقيق الاستقرار الداخلى للنظام الرأسمالى(4).
ويعد "تعميم ثقافة الاستهلاك" هو واحد من آليات الهيمنة المفروضة على الشعوب والأمم التقليدية، وهى مجال مكمل "ومتمفصل" مع أنماط أخرى من التدويل فى الإنتاج والمال والتقنية ... وتشكلت مؤسسات لهذا الغرض حتى تضمن الفئات الرأسمالية، مديرة الشئون العالمية، تصريف منتجاتها، وتوزيعها عالمياً وعلى أوسع نطاق. ولعبت الشركات متعددة الجنسية دوراً مؤثراً فى ذلك واهتمت بإنتاج رموز وبنود ثقافة الاستهلاك لتتكامل مع السلع المادية المنتجة. ولا يختلف ذلك عن استخدام هذه المؤسسات للعلوم الاجتماعية والسلوكية، وتوظيفها فى خدمة هذا الغرض.
ويمكن إيجاز هذه الأهداف التى تسعى إليها الفئات الرأسمالية الموحدة وتأثيرها على تغير البنى التقليدية فى المجتمعات المحيطية فى التالية:
1- التحكم فى مسار تطوير البنى التقليدية(5) بالقدر الذى يسمح فقط بتصريف منتجات هذه الدول (المركز الرأسمالى المعولم) وبالقدر الذى يسهم فى تطوير قوى الإنتاج بالداخل. ولقد لعبت آلية تعميم ثقافة الاستهلاك دوراً مؤثراً فى ذلك حيث يمكن رصد مظاهر التلطعات الاستهلاكية لدى الفئات والشرائح المختلفة فى هذه الدول. والعالم العربى خير مثال على ذلك حيث نجد التطلع الشديد للبحث عن الجديد فى الأسواق بغض النظر عن حاجة المجتمع إلى هذا الجديد من السلع. ولم يقتصر الأمر على الفئات العليا فى هذه المجتمعات، وهو ما كان هدفاً فى حد ذاته فى النظام الاستعمارى القديم حيث كانت الاستراتيجية تقوم على خلق شرائح قادرة على الاستهلاك. لقد أصبح الاستهلاك –وهذا هو الجديد- معمماً على الفئات العمرية والفئوية المختلفة، فانتشار لعب الأطفال مثلاً التى انتقلت من المرحلة التقليدية المعروفة إلى المرحلة الحديثة التى تدفعهم بصورة مبهرة نحوها، هو خير دليل على ذلك.
2- العمل على تغريب الثقافات الوطنية من خلال آليات أصبحت أكثر قوة مثل وسائل الإعلام والتقنية الحديثة واحتكارها على مستوى المعرفة وعلى مستوى التشغيل. وكان لصناعة الثقافة دوراً هاماً فى هذا الإطار، حيث تم توجيه نمط الثقافة من منطلق ما بعد الحداثة، نحو إعادة إنتاج وتقوية منطق الاستهلاك لدى الشعوب(6). ومن يستعرض – مثلاً – الأسواق الخليجية والعربية بوجه عام سوف يشهد بأن التوكيلات التجارية الأجنبية المسيطرة على هذه الأسواق تستأثر بالنصيب الأعظم من جملة العمليات التجارية القائمة.
3- توظيف العلم للاختراق الثقافى والهيمنة على الثقافات التقليدية بهدف طمس هوية الشعوب، وقد تعددت آليات هذه الهيمنة كماً وكيفاً بين ثقافة قومية وأخرى. ولا شك أن المتابع للبرامج التى تبثها الإذاعات المختلفة حتى العربية منها يلحظ بوضوح إظهار تفوق الحضارة الغربية، وتغلغل قيم الرأسمالية فى المؤسسات الوطنية ذات الصلة بالثقافة. فمناهج المدارس والجامعات ومراكز البحوث كلها تشير إلى ذلك. بالإضافة إلى ما تقدمه المؤسسات من منح ومواد إعلامية وبحوث تجرى عن طريق المؤسسات الرأسمالية، كلها تصب فى إطار ترسيخ تفوق الغربى إلى ماعداه من الجنسيات الأخرى(7).
4- دعم السياسات الاقتصادية والاجتماعية التى تقدمها المؤسسات الدولية (البنك الدولى، صندوق النقد الدولى، وغيرهما من المؤسسات) للدول الأقل تطوراً طالما أنها تحقق مصالح القوى الرأسمالية الجديدة، وكم من قررات محلية تتعثر بسبب توحد مصالح المراكز الرأسمالية والوقوف ضد هذه القرارات! لأنها تحقق ما تربو إليه من خدمة النظام الرأسمالى المعولم.
5- نقل الصناعات التقليدية من المراكز الرأسمالية(8) إلى بعض الأجزاء الأخرى من العالم، إما لاستغلال الأيدى العاملة الرخيصة فى الدول المتلقية لهذه الصناعات، أو تفادى تلوث البيئة فى المراكز. ومع أن هذه العملية (نقل الصناعات) تدخل فى عملية تدويل الاقتصاد، إلا أن أبعاده الثقافية أهم بكثير من أبعادها الاقتصادية. فهى ترسخ ثقافة "تخليص المجتمعات التقليدية من دائرة التخلف"(9) برغم أن الواقع الفعلى يثبت عكس ذلك، حيث تعمل الرأسمالية على استخلاص فائض إنتاج الدول المتخلفة ويضاف لحساب الفئات الرأسمالية العالمية ويحل من أزمة الداخل فى المراكز وليس فى المحيطات.
وإذا كان البعض ينقل ويردد مقولات سائدة فى "سوسيولوجيا التحديث" حول إيجابيات الاحتكاك؛ والانتشار الثقافى الناتج عن نقل ثقافة المجتمع الحديث إلى المجتمع التقليدى، مع نقل التكنولوجيا إلى داخل البنى التقليدية من شأنه أن ينقل المجتمع الأخير إلى مرحلة الحداثة، ومن ثم يستطيع تخطى الفارق الزمنى الذى يفصل بين المرحلة التى يعيش فيها المجتمع التقليدى، وبين المرحلة التى وصل إليها المجتمع الحديث (الرأسمالى). فإننا نقول : يخطئ من يتصور أن التبادل الثقافى أمر وارد بين ثقافتين غير متكافئتين، بل يخطئ أكثر من يرى أن الاحتكاك الثقافى والانتشار يساعد الدول الفقيرة فى تخطى مرحلة التخلف، ففى كل حالات التبادل الثقافى غير المتكافئ (الاختراق أو الغزو) فإن الثقافات الأدنى (التقليدية) تفقد تدريجياً مقومات استمراريتها وبذلك تتفكك وتنهار.
(3) سيناريوهات العولمة وثقافة التهميش
بات لا مناص من تحليل آليات الهيمنة الموجهة من تلك التكتلات الاقتصادية فى زمن العولمة. وواقع الأمر أن العولمة(10) – كما أشرنا من قبل – تمثل مراحل متتالية من السيطرة على كافة أجزاء العالم، مستغلة أساليب متعددة للوصول إلى الهدف الحقيقى فى نشر ثقافة كونية جديدة ومتجددة تلغى الحواجز والحدود بين الدول لمصلحة الليبرالية الجديدة فى النظام الرأسمالى العالمى لصالح تلك التكتلات. وربما يكون الاختلاف الوحيد فى هذا المجال هو التحول من سيطرة دول على دول أخرى، لسيطرة تكتلات لصالح دول على شعوب العالم بإقحامها فى نظام مستحدث يعلن المساواة والتوحد ولكنه ينطوى على التميز والعنصرية وتفكيك الشعوب، مستعيناً فى ذلك بكل أدوات التقنية الحديثة ووسائل الاتصالات المعاصرة، والسيطرة عن بعد، واضعاً مجموعة من السيناريوهات التى من الممكن إلقاء الضوء عليها فى مراحلها المتتالية :
السيناريو الأول : بعد انتهاء الحرب الباردة والتحول نحو النظام الليبرالى واختفاء العدو الشرقى أصبح من المفيد إلقاء اللوم على الحضارة العربية الإسلامية باعتبارها مصدر الإزعاج، ومن ثم ظهرت الأفكار وكثرت الكتابات عن صدام الحضارات، ونهاية التاريخ، والكتابات التى تشير إلى ضرورة التصدى للثقافة الإسلامية باعتبارها تمثل العنف والإرهاب والتعامل بحد السيف. وهكذا تشكل السيناريو الأول فى محاولة التشكيك فى سماحة الدين الإسلامى وتخلفه عن ركب الحضارة الغربية (النموذج المثالى للبشرية). وواقع الأمر أن هذا ليس بجديد على الفكر الليبرالى، ومن يستعرض فكر القرن العشرين وبخاصة أفكار ماكس فيبر Max Weber، يلحظ بوضوح مدى الجهود التى بذلها من أجل الحفاظ على الرأسمالية ضد النظم الأخرى، بل أنه دعا ألمانيا إلى ضرورة التوسع الرأسمالى عن طريق الغزو الاستعمارى لتطبيق الليبرالية الرأسمالية.
وانتقالاً إلى السيناريو الثانى نجد تشويه الثقافة العربية حيث ظهرت الدعوى إلى تجسيد تخلف الأمم العربية، وإبراز ملامح الانقسام والتشرذم والجمود الحضارى. وهنا لعب الإعلام الغربى دوراً بارزاً فى تشويه صورة العرب سواء على مستوى الحوارات الثقافية، أو الدراما، أو البرامج الإعلامية، بل استغلال الإعلان فى تشويه صورة الإنسان العربى وعقليته المتجمدة.
وينتقل السيناريو الثالث فى محاولة التشكيك فى قدرة الأمة العربية على التقدم ومواكبة التطور الحضارى الغربى. ولاشك أن اتجاهات التحديث ونظرية الانتشار الثقافى تلعب هذا الدور بحنكة وفعالية، فهى تبرز ثقافة التخلف وثقافة الفقر وملامح الشخصية العربية المتأصل فيها عدم القدرة على الإبداع والابتكار. إنها نظريات تعالج التخلف والنمو من منظور التقسيم الكلاسيكى بين مجتمعات تملك إمكانات التقدم وأخرى تفتقر إلى هذه الإمكانات، على الرغم من أن تقدم الأولى قد تم على حساب تقدم الثانية كما تشير نظريات التبعية الكلاسيكية والمحدثة.
من هذا المنطلق يبرز السيناريو الرابع الذى يبغى التشكيك فى مستقبل الأمة العربية والعالم الثالث، حيث يبرر ضرورة الربط بين تحديث تلك المجتمعات وبين آليات الاحتكاك الثقافى من ناحية، والنقل التكنولوجى من ناحية أخرى، ومن ثم فالسبيل إلى تقدم تلك الأمم مرهون دائماً بما يجود به الغرب الرأسمالى من تكنولوجيا ونشر ثقافة التقدم، ودون ذلك ستظل تلك الأمم على ما هى عليه من تخلف وتأخر!
ويأتى السيناريو الخامس بالدعوة إلى ضرورة خلق مواطن كونى تذوب شخصية أمته فى الثقافة الوليدة المستحدثة، من خلال خلق حضارة السوق والتنافس الحر وإلغاء كافة الحواجز بين الشعوب والأمم. إن تقدم تلك المجتمعات مرهون إذن بمدى تقبل تلك الأمم للثقافة الليبرالية الجديدة والنظام العالمى الجديد، الذى تذوب فيه شخصية الأمم وخصوصيتها الثقافية وخلق ثقافة موحدة على مستوى العالم ككل.
والطريق الأمثل يتمثل فى السيناريو السادس الذى يهتم بإحلال عناصر ثقافية جديدة، وغرس ثقافة مستحدثة من خلال تكنولوجيا الإعلام وخلق مجتمع استهلاكى بتقنية إعلامية فائق السرعة والتطور.
إن أفكار "هانجتون"، و"فريد مان"، ومقولات نهاية التاريخ وصدام الحضارات وصراعاتها هى أيديولوجيا جديدة فى سلسلة الهيمنة على مر التاريخ. فأين السبيل لوقف، أو على الأقل، التخفيف من تحديات العولمة وخاصة الثقافية منها؟
وهذا يستدعى عرض لدور الاتصال الجماهيرى والتدفق الإعلامى والمعلوماتى وأثره على المجتمعات البشرية.
(4) التغريب الثقافى وسوسيولوجيا الاتصال الجماهيرى :
كثر الجدل والحوار حول الدور الذى يقوم به الاتصال الجماهيرى فى المجتمعات البشرية، وربما يرجع هذا الجدل إلى بعد أيديولوجى واضح، فهناك من يرى الثقافة عالمية، وهناك من يؤكد على محلية الثقافة الإعلامية communal Mass Culture. وعلى الرغم من الترابط بين الثقافات، إلا أن الرويتين متباعدتين إلى حد بعيد. فالرؤية الأولى تلغى فكرة الحواجز الثقافية، بمعنى أن الثقافة هى عبارة عن المخزون الجماعى للمعرفة العامة المتداولة بين الشعوب. من هنا جاء التركيز على إلغاء الحواجز بين الثقافات. ومن المتوقع إذاً أن يكون هناك أنصار لهذه الرؤية من المدافعين عن ضرورة نقل التجارب الغربية إلى الدول الأخرى(11).
بينما ترى الرؤية الثانية خطر الثقافات الأخرى على ثقافة المجتمع المحلى، على أساس أنها تلغى الهوية والتراث نظراً لعدم التكافؤ، وبالتالى أتاحت الفرص للاختراق الثقافى والمعلوماتى والارتباط بثقافات مغتربة لا تتلاءم معها. ومن هنا تأتى فكرة تبعية الثقافات الدنيا للثقافات الكبرى(12).
وعلى الرغم من هذا التباعد بين الرؤيتين إلا أننا يجب أن نعترف بأن الثقافة الإعلامية تجمع بين الخبرة العالمية والمحلية. إلا أن الإشكالية الحقة فى مدى التفوق والهيمنة التى يفرضها الطرف الأقوى فى التقنية الإعلامية، هذا إلى جانب. ومن جانب آخر مدى تقبل الثقافات الأضعف للتغلغل والإختراق الثقافى. لهذا يجب علينا البحث فى وظائف الثقافة الإعلامية، ومدى سيطرتها فى واقعنا العربى.
1- المجتمع العربى والثقافة الإعلامية :
كلما كان الاتصال الجماهيرى أكثر ارتباطاً بثقافة الشعب، وأكثر قدرة على المحافظة على تراثه، زادت درجات الإبداع، وانتشرت الثقافة الواقعية وترسخت القيم الإيجابية. لذا يحذر الباحثون والمثقفون من خطر سقوط الثقافة وتدنى مستواها. لأن ذلك يقود لانهيار الأمة واضمحلالها على كافة المستويات. لذا يمكن القول بأن حضارة أى أمة تقاس بنوعية الناتج الثقافى المبدع والملتزم، بمعنى مدى ملائمة الناتج الثقافى وتعبيره عن قضايا واقع الأمة(1).
وإذا حاولنا أن نحدد وظائف الاتصال نجد أنها تنطوى على ثلاثة وظائف أساسية(14) :
الأولى : إعلامية
تقوم على تزويد الجماهير بمعلومات عن الأحداث التى تقع فى المحيط الإنسانى. وهذه الوظيفة لا تقوم إلا من خلال مرحلة ميدانية تجمع فيها المعلومات على المستويين الداخلى والخارجى.
الثانية : دعائية
تتولى فيها وسائل الإعلام الإيحاء للجماهير المتلقية بالأفكار والمواقف التى يجب أن تتنباها، ومعنى ذلك توظيف المعلومات التى جمعت فى إطار ربط قطاعات المجتمع من أجل إحداث تجاوب محدد إزاء الأحداث التى تقع فى البيئة الاجتماعية : ويتوقف ذلك على قدرة وسائل الإعلام فى عمليات الإقناع والتفسير والتحليل.
الثالثة : تربوية
تنقل فيه وسائل الإعلام التراث الاجتماعى، المتمثل فى القيم والمعايير والتقاليد الاجتماعية، من جيل إلى آخر، أى تنشئة الفرد نشأة اجتماعية ملائمة لأهداف المجتمع وقيمة ومثله.
واقع الأمر أن هذه الوظائف مجتمعة تشكل محور العلاقة بين الاتصال والتراث الاجتماعى، حيث نقل التراث وتجديده يعمل فى اتجاه إيداع الفكر ويعمل فى إطار استغلال الثقافة وترسيخ القيم الإيجابية والحضارية؛ من هنا كانت العلاقة بين الثقافة والاتصال الإعلامى. فبقدر ما يكون الترابط بين الواقع وبين الثقافة الإعلامية بقدر ما ينشأ الفكر المبدع الخلاق.
والسؤال الذى يطرح نفسه هنا إلى أى حد تعبر الثقافة الإعلامية العربية عن واقع المجتمع العربى وقضاياه ؟
إذا اتفقنا على أن الإعلام العربى يتصل بقضايا عديدة تتعلق بحاجة المجتمعات العربية إلى التنمية الشاملة والتحرر من التبعية بكافة أشكالها، وضمان الحريات الفردية والجماعية، وتطوير الشخصية الثقافية، وحماية الهوية والتراث القومى من الاختراق الثقافى، وتمكين الأمة العربية من الإسهام فى الحضارة الإنسانية، وتدعيم التعاون والتقارب بين الشعوب، والنهوض بالمرأة والطفولة والشباب، والدعوة إلى العمل المنتج. إذا اتفقنا على ذلك، فمن الواجب أن نقرر أن النظام العربى للإعلام والاتصال يفتقد الكثير من تلك الوظائف الثلاث السابقة؛ حيث نجد نقائص عديدة تميز الوضع الإعلامى السائد.
ويمكن رصد أهم النواقص فى التالى (15):
1) اختلال التوازن فى تدفق المعلومات على صعيد القطر الواحد كجزء، ثم على الصعيد القومى ككل.
2) انعدام الصناعات العربية لوسائل الإعلام والاتصال حيث تقوم الدول العربية باستيراد كميات ضخمة من أجهزة الالتقاط الإذاعى، والتلفازى، وورق الصحافة، وغيرها من الموارد الاستراتيجية التى لها مساس بأمن الوطن العربى.
3) انعدام التوازن بين قطاعات الإعلام المختلفة حيث يتطور انتشار التلفزة بسرعة أكثر من الصحافة المكتوبة أو الكتاب.
4) ارتفاع فى نسبة الأمية، ولعل الأمر الذى يزيد من خطورة هذه المشكلة أن البعض من شبه الأميين هم من العاملين فى قطاع الإنتاج الثقافى والإعلامى، وأمام هذه النسبة المخيفة يصبح الاتصال بجميع وسائله عقمياً(16).
أضف إلى ذلك أن الإعلام باعتباره مؤسسة اجتماعية هامة فى المجتمعات البشرية، يحمل مضامين اقتصادية وسياسية وأيديولوجية إن لم تكن لها القدرة على ترسيخ ثقافة المجتمع وهويته، فإنها تؤدى إلى تزيف الوعى وإفساد العقول. وربما لذلك يختفى التراث الإيجابى من الأمة العربية ويرتمى فى أحضان الثقافة الاحتكارية العالمية، ولاشك أن ذلك مرهون أيضا بعوامل سياسية تلعب فيها عناصر من الصفوة السياسية دوراً هاماً فى هذا المجال(17).
وواقع الأمر أن العلاقة بين الثقافة الإعلامية والعلاقات السياسية الدولية لا تقتصر على تلك العلاقة غير المتكافئة بين الخارج والداخل، بين المركز الإعلامى المسيطر، والأطراف المسيطر عليها، وإنما وأيضاً بين ثقافة النخبة (الصفوة) وبين ثقافة العامة (الجمهور).
إن تدفق الثقافات الأجنبية داخل دول العالم الثالث (المحيطات) لا يتم دون أن تكون هناك صفوة سياسية وثقافية تعمل فى سبيل هذا التدفق: فليس بوسع الثقافات الأجنبية التغلغل داخل أبنية هذه المجتمعات وممارسة نفوذها، ما لم تكن هناك صفوة على استعداد لمعاونتها وتسهيل مهامها(18).
فالمتتبع للثقافة الإعلامية العربية يستطيع – دون جهد- أن يرصد العلاقة بين الثقافة الإعلامية والبعد السياسى فى الحقائق التالية :
أولاً : غياب الديموقراطية الثقافية والإعلامية :
لهذا يغيب الخلق والإبداع فى الناتج الثقافى الإعلامى العربى، فالثقافة الإعلامية يجب ألا تقتصر على الأقليات المتميزة (الصفوة) على حساب الفئات الشعبية الأخرى.
ثانياً : غياب المشاركة الجماعية :
حيث نجد أن العلاقة الطبقية أو القبلية أو الطائفية هى القانون العام الذى يحكم أجهزة الإعلام والثقافة فى كثير من المجتمعات العربية.
ثالثاً : فقدان الهوية الثقافية :
فمع تسهيل التغلغل الثقافى، وفى ظل شروط عدم التكافؤ الذى يحكم عملية التبادل الثقافى، تصبح الثقافة سلعة تجارية ومن ثم يصبح التراث العربى رموزاً تقليدية تختفى من الوجود(19).
رابعاً : غياب الحوار الموضوعى :
فى كثير من الدول العربية نلحظ انقطاع الصلة بين أجهزة الإعلام والجماهير، فالسياسة الإعلامية يتم التحكم فيها والتخطيط لها من أعلى دائماً، دون حتى التعرف على اتجاهات الجماهير المتلقية للسلع الثقافية.
الثقافة إذن طبقية منحازة – بصفة دائمة – لمن يملك مصادر المعلومات وأجهزة الإعلام.. وإذا كانت جريدة "لوموند الفرنسية" اعترفت أخيراً فى قولها : "إننا كنا نعتقد أن الثقافة لا تمتاز بأنها بعيدة كل البعد، فظهر أن حيادها هذا ربما كان إزاء الأخلاق لا غير!!" (20). فإننى أؤكد مرة أخرى أن انحياز الثقافة للسياسة ينطبق أيضاً حتى على مجال الأخلاق.
2- الإعلام وثقافة النخبة :
إذا كانت الثقافة هى مجموع المعارف والمعانى والرموز والمعتقدات والقيم التى تكتسب عبرالتاريخ، فإن الإعلام هو المحرك لكل هذه المعارف، بحيث يربط بين أجزاء المجتمع ويشكل شخصية الفرد ويحدد هويته. فهو وسيلة تحول الفكر إلى عمل. من هنا كان الربط بين الثقافة والإعلام، فلا يمكن تصور الثقافة بدون تعبير أو إبلاغ. كما أنه لا سبيل أمام أجهزة الإعلام للنجاح بدون زاد ثقافى يشد اهتمام الجمهور إليها، والسماع بإبلاغ رسالتها إلى مختلف المجالات. فأجهزة الإعلام التى تساعد الثقافات على التلاقح، مطالبة فى الوقت نفسه بوقاية هذه الثقافات من العواصف والتيارات الهدامة. "لقد أصبحت تيارات تدفق الإعلام من الشمال نحو الجنوب كالسيل العارم تطيح بكل ما يعترض سبيله ويعصف به فى مهب الرياح، فيحطم كل توزان طبيعى لا يتمشى مع أهوائه ولا يستجيب لأغراضه"... "وهذا ما يقيم الدليل على العلاقة المتينة بين السياسة من جهة والإعلام والثقافة من جهة ثانية"(21).
3- الإعلام العربى بين التغريب والأمن الثقافى :
تحتل إشكالية التغريب الثقافى – فى الوقت الراهن- مركز الصدارة فى تفكير الباحثين العرب، وربما يرجع ذلك إلى أن واقع الثقافة فى مجتمعاتنا العربية يشير إلى تلك الحقيقة التى ترى أن هناك أخطاراً كبرى تهدد كيان الثقافة العربية وتطمس التراث وتفضى إلى نتائج سلبية مما يزيد الأمر تعقيداً، فالثقافة العربية (فى ظل التقنيات المطورة فى مجال الاتصال الجماهيرى، وفى ظل ثورة المعلومات والأقمار الصناعية والتوابع الفضائية المستمرة للاتصالات المختلفة) لا تملك حرية الاختيار فى المضمون الإعلامى الذى تتلقاه. ومن ثم تنعزل الثقافات العربية وتضعف أمام الغزو الخارجى، وتحدث عملية إحلال لثقافات أخرى فتتحول معها العادات والممارسات والسلوك اليومى والقيم ونمط الحياة الاجتماعية، مما يطمس هوية تلك المجتمعات ويعيد صياغتها فى ضوء أهداف اقصادية وسياسية لخدمة المجتمعات ذات الثقافات الأقوى(22).
من هنا كان استعادة الثقافة العربية يتوقف على كبح هذا الاختراق الثقافى والتحصن ضد استراتيجيته وآثاره السلبية. ومن هنا ظهر مفهوم "الأمن الثقافى العربى" للحفاظ على مقومات الثقافة، وأداء دورها التاريخى والحضارى فى سياق المعاصرة، عن طريق المشاركة الفاعلة على المستوى القومى والعالمى، فى التصدى للقضايا العربية والدولية، فى صورة تنظيمية مخططة. بما يتحقق به قومية المعرفة فى التكامل بين الموارد البشرية والموارد المادية العربية. ويتوفر به أفضل الظروف لتنمية الثقافة فى هذا الإطار الجماعى الهادف، وذلك بتأمين موارد الإنتاج الثقافى وأدواته(23).
الأمن الثقافى بهذا المعنى يهدف إلى تنمية الوعى الثقافى، لا فى صورته الفردية وإنما فى صورته الجماعية، لذا يتطلب الأمر إطاراً عربياً شاملاً يعمل فى إطار الوحدة الفكرية، ورفع المستوى الثقافى وتنظيم الوعى الإعلامى.
لا غرو بعد هذا، أن تحتل إشكالية التغريب الثقافى قائمة الدراسات الإعلامية المعاصرة فى المجتمع العربى. ففى دراسة حديثة اتضح أن 46.7% من الأنباء الدولية المستخدمة فى صحف تسعة بلاد عربية، مستمدة من أربع وكالات أنباء غربية دولية هى "اليونايتدبرس"، و"الأسوشيتدبرس" و"وكالة الصحافة الفرنسية" و"رويتر". "كما تبين هذه الدراسة أن وكالات الأنباء الغربية كانت مصدراً لما نسبته 43.7% من أنباء حول البلاد العربية، بينما كانت الوكالات العربية مصدراً لـ 42% من الأنباء من البلاد العربية فقط".
كما تبين دراسة تحليلية أخرى للصفحات الخارجية لثمانى صحف دولية عربية وهى (الأهرام، والدستور الأردنية، والأنوار اللبنانية، والعرب القطرية، والوحدة الإماراتية، والشعب الجزائرية، والثورة العراقية، والبعث السورية) خلال ديسمبر 1976، أن هناك تركيزاً واضحاً على أنباء الولايات المتحدة الأمريكية (45%) يليها البلدان العربية التى نالت أخبارها (35%) من مساحة الصفحات الخارجية بالصحف المدروسة، ثم دول العالم الثالث (بنسبة 15%) ثم الدول الأخرى (5%) فقط(24).
كما أن هناك الكثير من الدراسات التى قامت بهدف تحليل المضمون الإعلامى الذى تقدمه وسائل الإعلام فى المجتمعات العربية وهو يشير إلى :
1) أن الإعلام أصبح أداة دعاية لنموذج معيشى غربى.
2) عدم التوازن فى تدفق المعلومات بين الدول، بل وأيضاً بين القطاعات المحلية الريفية والحضرية.
3) الاهتمام بالثقافة الأجنبية بدعوى التحضر ومجاراة الحداثة(25).
4) سيطرة النخب الحاكمة سياسياً واقتصادياً وأيديولوجياً على الثقافة والفكر والإعلام فى الدول العربية.
5) أصبح جيل اليوم يبحث عن "بطل خيالى" أو قوى خارقة مثل "السوبر مان"، و"مايكل جاكسون"، فهذا النمط هو القادر على حل مشكلات الواقع المتناقض الذى يعيش فيه الفرد فى المجتمع العربى.
6) شغف الشباب العربى بالمغامرات والعنف وأفلام الكاراتيه، والمصارعة الحرة والأغانى الهابطة والثقافة الأجنبية، بدعوى مجاراة روح العصر.
7) طغيان المركزية على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، فهى غالباً وسائل تمتلكها الحكومات وتسخرها لخدمتها والتبرير لسياستها.
وهكذا نجد أن الإعلام العربى يعانى من كثير من المشكلات لا على المستوى الخارجى فقط، بل وأيضاً وربما بقدر أكبر على المستوى الداخلى. إلا أنه بين الداخل والخارج اتفاقاً ضمنياً لصالح فئات اجتماعية لن تكون من بينها بأى حال الجماهير الشعبية.

(5) الجرائم المستحدثة فى ظل المتغيرات الدولية :
إذا كنا تحدثنا فيما سبق عن التأثيرات السلبية لتحديات العولمة، خاصة الثقافية، من تهميش لثقافات الشعوب والاختراق الثقافى لتطويع عقول البشر وإخضاعهم لسيطرة القوى الكبرى على المستوى العالمى، من خلال التقدم التكنولوجى الهائل فى عصر المعلوماتية. فإنه من المفيد البحث فى تطور السلوك الانحرافى والجريمة فى مجال نظم المعلومات وجرائم الشبكة الدولية للاتصالات أو ما يعرف بجرائم الإنترنت.
تشير هدى صلاح(26) فى دراستها حول الجريمة فى مجال نظم المعلومات – إلى أن العالم يشهد أنماطاً جديدة من الجرائم، وقيماً انحرافية متعددة بسبب التقدم الهائل فى صناعة الإلكترونيات وما يحققه من تطور هائل فى تطبيقاتها العملية. فهناك من يقوم بسرقة المعلومات عن طريق الشبكات الاتصالية Distributed Computers Networks ، ومن يختلس الملفات والبرامج، ومن يدرس الأمراض والحشرات التى تهاجم الحاسبات وتصيبها بالعطل باختلاف درجاته. وتضيف الدراسة إلى أن هذه الأعمال ينخرط فيها عناصر شبابية تبحرت فى علوم الحاسب، وحاولت أن تثبت ذاتها فى هذا المجال. وهكذا يشهد العالم حوادث اقتحام الحاسبات وانتهاك أمن المعلومات Break in Data Security مما دعى إلى ضرورة الاهتمام بتطوير السياج الأمنى لنظم المعلومات. إن ما حدث فى التسعينيات اختلف عما كما يحدث فى منتصف الثمانينيات، فحتى منتصف الثمانينات انحصرت هذه الأحداث فى دائرة العاملين فى مجال الحاسبات، خصوصاً من لهم حق التعامل مع الملفات، ومن يعرفون الدودة worm والفيروس virus فهى عبارة عن شكل من أشكال البرمجة التى ترتب آثاراً – متفاوتة فى الدرجة – تؤدى إلى إصابة العمل بالعطل والشبكة بالتوقف. ومما يذكر أن الانتهاكات تعرضت لها شبكات الاتصال واستهدفت ملفاتها وبرامجها. إلا أنه مع انتشار صناعة الحاسبات الشخصية تزايد اهتمام الشباب باكتشاف الأساليب الفنية وتطوير التعامل معها بطرق غير مشروعة من بينها اختلاص المعلومات، - ونسخ البرامج والتلاعب فى الملفات والتى بدأت بانتهاكات فردية (سرقة برامج، كتب، مستندات، ملفات..) ثم تطورت حتى أصبحت ظاهرة عامة (تصميم الفيروسات لتصيب مكونات الشبكة، وسرقة أسرار الصناعة التكنولوجية لأجهزة من شركات)، الامر الذى لفت الانتباه إلى أهمية نظم الامان برغم تكلفتها المادية الكبيرة التى تشكل عبئاً على إدارات الحاسبات. وتشير الدراسات فى هذا المجال إلى أن هذه العمليات غير المشروعة، والتى انتشرت بسبب كثافة الاستخدام، أدت إلى إضعاف قبضة الأمن والمراقبة والتحكم وازدهار عمليات التجسس على المعلومات المتاحة إليكترونيا وسرقتها. مما يشكل تهديداً مستمراً لسائر المنظمات الحكومية والخاصة التى تعتمد أعمالها على الحاسبات والشبكات الاتصالية. وترتفع مخاطر إساءة استخدام الحاسبات والتلاعب فى البرامج وملفات المعلومات المخزنة آلياً، بقصد الحصول على أموال أو أصول أو خدمات غير مستحقة، وتهيئ نسخ البرامج وتداولها عن غير طريق منتجها الأصلى مجالاً واسعاً لدس الفيروسات المعلوماتية، التى لا تلبث أن تتفشى وتصيب الأنظمة والشبكات بأنواع ودرجات من العطب والضرر مختلفة.
هكذا جاء تقدم تقنيات الحاسبات والمعلومات، وتزايد الاعتماد عليها فى تسيير شئون المجتمعات، مصحوباً بفرص جيدة لارتكاب أشكال وصور مستحدثة من الجرائم الفنية Technocrimes، تحمل طابع هذه التقنيات، وتساير على الدوام تيار تقدمها، باعتمادها على الحاسب كأداة لارتكابها. وقيام فكرتها على الوصول غير المشروع إلى المعلومات المعالجة إليكترونياً وإساءة استخدامها.
وواقع الأمر أن زيادة نسبة الجرائم، وتنوع أساليبها، وتعدد اتجاهاتها، زاد من أخطارها على الأمن القومى للدول. حيث تحولت هذه الجرائم من مجرد انتهاكات فردية لأمن النظم والمعلومات إلى ظاهرة تقنية Technological Phenomenon عامة، ينخرط فيها الكثير مما تتوافر لديهم المهارة والمعرفة فى مجال الحاسبات. ولاشك أن تلك الأنواع من الجرائم تزداد على مستوى كافة الدول مما يستدعى التعامل معها من الناحيتين الفنية والقانونية.
والسؤال المطروح يتعلق بجرائم الانترنت باعتبارها نتاجاً للتطور التكنولوجى الحديث، وظهور وسائل جديدة للاتصال مجال الأقمار الصناعية وشبكة المعلومات الدولية، والجرائم التى ترتكب على شبكة الإنترنت بعضها تقليدى، والبعض الآخر مستحدث حيث تطورت أساليب ارتكابها فى المرحلة المعاصرة بصورة واضحة.
(6) الآثار السلبية لجرائم الانترنت
لا جدال فى أن التطور التقنى فى مجال الاتصالات والأقمار الصناعية كان له تأثيرات بالغة الأهمية على الشعوب، حيث اتسعت مساحة التعامل مع شبكات الاتصالات الدولية واستخدام الأقمار الصناعية، مما شكل أنواعاً جديدة من العلاقات بين البشر. فقد اختصر الزمان، وألغى المكان فى تداول المعلومات والبيانات، وكان للتعامل مع الإنترنت نتائج إيجابية بلا شك، إلا أن هناك نتائج أخرى سلبية ارتبطت بشكل التعامل مع الإنترنت. وفى هذا الصدد سنعرض لأنواع الجرائم التى ترتكب فى حق الإنسان فى تعامله مع الإنترنت. والجرائم نوعان، بعضها تقليدى وبعضها مستحدث(*)، وكل منهما له آثاره السلبية عندما أصبح سلوكاً مجرماً. لذلك سوف نوضح الآثار السلبية لما يسمى بجرائم الإنترنت التى تستدعى وعياً اجتماعياً وتدخلاً تشريعياً، للحد من تلك الجرائم التى ترتكب باسم الانترنت.
لقد أفرز التقدم التقنى والتطور العلمى فى مجال الاتصالات الوصول إلى وسائل أكثر سهولة فى تبادل المعلومات والبيانات فى مختلف المجالات. فمن خلال البريد الإلكترونى استطاع الباحثون تبادل أبحاثهم، بالإضافة إلى الإنترنت قدم خدمة تبادل الملفات بين المتعاملين على الشبكة، إلى جانب خدمة إدخال جميع الدساتير والتشريعات والقرارات الحكومية والوزارية.. إلا أن ذلك لا يمنع من الاستخدام السلبى للتعامل مع شبكة الإنترنت حيث تشير الدراسات إلى سلبيات نذكر منها:
1) نشر الصور الإباحية والمعلومات المشبوهة والأفلام المخلة بالآداب العامة.
2) انتهاك حقوق المؤلفين الأدبية وعمليات الإرهاب، وعمليات الابتزاز من قبل بعض العصابات ضد شركات، بإفشاء أسرارهم والتزوير والسطو على أموال البنوك والإعلانات الكاذبة.
ويمكن حصر الجرائم التى ترتكب على شبكة الإنترنت فى التالى :
أولاً : الجرائم التقليدية
1- جرائم أمن الدولة (الإرهاب – بث أفكار متطرفة سياسياً أو دينية أو عنصرية – الدخول فى مواقع عسكرية بهدف سرقة الأسرار الحربية).
2- جرائم الرشوة (الوصول إلى الرقم السرى الخاص بإحدى المؤسسات، أو الأشخاص واستعماله فى الحصول منها على المنفعة).
3- جرائم الاختلاس والاستيلاء على المال العام (التلاعب فى كشوف وحسابات العملاء ونقل الأرصدة من حساباتهم إلى حساب خاص، أو إضافة بضعة أصفار إلى رقم ما فى هذا الحساب).
4- جرائم الاعتداء على الأشخاص (القذف – السب).
5- جرائم الاعتداء على الأموال (السرقة- النصب- خيانة الأمانة).
ثانياً : الجرائم المستحدثة
1- الغش المعلوماتى.
2- الاستعمال غير المشروع للبرامج والاعتداء على المعلومات الإسمية.
3- جرائم الاعتداء على الحرية الشخصية والمراسلات، والاعتداء على الحق فى الصورة.
4- الجرائم المخلة بالآداب العامة والاعتداء على الملكية الفكرية.
5- الاعتداء على حرية الحياة الخاصة بالتصنت والتسجيل أو بالنقل.
6- استغلال التقدم العلمى فى نشر الصور الجنسية الفاضحة على الإنترنت.
7- رسم مونتاج لصورة أو لصور أشخاص دون رضاهم.
8- جرائم استغلال الأطفال فى أعمال انحرافية.
(7) المعلوماتية وآثارها السلبية على المجتمع
السؤال المطروح الآن يتعلق بالآثار الاجتماعية للاختراق المعلوماتى والتعامل مع الشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت).
تشير الدراسات العلمية إلى خطورة التدفق المعلوماتى خلال الشبكة الدولية للمعلومات، فعلى الرغم من إيجابيات تداول المعلومات وتدفقها عبر الشبكة، إلا أن خطورة الوضع يتمثل فى تحولها إلى أداة تدميرية مهلكة حتى أن البعض شبهها بالقنابل المعلوماتية التى لا تقل عن القنابل النووية والنيوترونية والهيدروجينية، نظراً لأنها تخلف آثاراً سلبية فى تشكيل الأفكار والأخلاقيات والقيم. وتؤسس بناءً معرفياً هشاً قائماً على السطحية والتغريب.
ويمكن رصد أهم تلك السلبيات فى التالى (27):
1) تشير الإحصاءات إلى أن المعلومات العامة تتضاعف كل سنتين ونصف، مما يعنى وجود تراكم معرفى أو ما يسمى بتخمة معرفية أقرب للترفية والاستغلال التجارى منها إلى المعلومات المفيدة.
2) فقدان النقد والتحليل حيث أن تخمة المعلومات وطريقة العرض لا تتح الفرصة لوضعها فى ميزان التقييم أو معارضتها. ومن ثم يتم قبول الأفكار الغربية والتسليم بها باعتبارها قادمة من الدول المتقدمة.
3) الاغتراب والعزلة أو ما يمكن أن نطلق عليه التباعد الاجتماعى، حيث التعامل مع الإنترنت يتم بشكل فردى، مما يشكل عزلة فردية تولد لدى الفرد اغتراب عن الواقع والمجتمع. فالمعلوماتية خلقت واقعاً جديداً إلى إضعاف غريزة الميل للتواصل الحى مع الآخرين، مما يشكل الشعور بالأنانية. عالم تتغلب فيه الآلة على الإنسان، فتمسخه إلى مخلوق لا إنسانية فيه. من ثم تصبح العزلة والغربة والتفكك من انعكاسات التعامل بين الفرد والآلة.
4) إنتاج العنف وتوليده، فنظرًا لأن "تجار المعلوماتية" يسعون إلى الربح والمنفعة يصبح التنافس على إنتاج العنف والفساد والإباحية فى أشدَّه، حيث تلاعب هذه القنوات الجشعة الدوافع الغريزية فى الإنسان فتثيرها وتحركها لتزيد من أرباحها، إن المخزون الأكبر لإنتاج المعلوماتية يعتمد على نشر اللذة والمتعة والأباحية والعنف والجنس، مما يقود إلى الانحلال والتخلى عن القيم الأخلاقية والإنسانية.
وإذا كنا نتحدث عن سلبيات المعلوماتية عبر الشبكة الدولية للمعلومات، فإن ذلك لا يعنى أننا لا نعبر جوانبها الإدارية الاهتمام، فالهدف الذى نحن بصدده يعمل على توضيح خطورة التدفق الإعلامى، والتعامل بدون وعى مع تلك التخمة المعلوماتية القادمة والمخترقة لعقولنا. إننا نعيش أزمة حقيقية تضرب فى أعماق البنية الفكرية والاجتماعية والتى تهدد بلا شك الأمن الثقافى الذى هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومى. إننا فى حاجة إلى تحصين وحماية ذاتية أمام الاختراق المعلوماتى بسبب التأثير السلبى لهذا الاختراق، والذى يمكن إيجازه فيما يلى :
1) تقبل الفكر الغربى دون نقد أو تمحيص مما يضعف الذاكرة التاريخية للأمة ويزيف عقل البشر، خاصة الشباب.
2) تغيير المنظومة القيمية الإيجابية الأصيلة فى المجتمع مما يشكل هدراً لإمكانات البشر وزيادة العنف والتطرف والإدمان والتحلل الأخلاقى.
3) ضياع الأصالة والهوية الوطنية، فمن يفقد أصالته يفقد ذاته ومن يفقد ذاته يفقد حضارته.
4) ضعف اقتصاديات الأمة، حيث زيادة الطموح الاستهلاكى بسبب امتلاك "تجار المعلوماتية" من وسائل التقنية الحديثة واستخدامها فى تكنولوجيا الإعلان معتمدين على الإقناع والترغيب فى التسويق للسلع المعلن عنها.
5) يؤدى الانفتاح الثقافى دون وجود آليات فعالة للتحصين الذاتى إلى نشر ثقافة الإباحية والفساد الجنسى.
إننا فى حاجة إلى الاهتمام بالأمن الثقافى والأمن الاجتماعى، فهو من ركائز الأمن القومى لمجتمعنا، وهذا لن يتأتى إلا من خلال رفع الوعى لدى الجماهير والمتعاملين مع الشبكة الدولية للمعلومات. مع التركيز على إعادة صياغة مناهج الدراسة، وتعديل محتوى برامج التعليم، وإعادة النظر فى التشريعات الخاصة بالجرائم المستحدثة.
ونحن نرى أن نقد الذات قبل نقد الآخر هو أول خطوة فى طريق التحصين وبناء الحضارة الأصيلة لمجتمعنا.
المصادر والمراجع
(1) جاءت تلك المعلومات الجديرة بالملاحظة خلال انعقاد المؤتمر المهم فى جامعة العلوم والتقنية والطب بتونس (نوفمبر 2000م).. وفى الأبحاث القيمة التى قدمها باحثون من معظم الأقطار العربية. للاستزادة يمكن الرجوع إلى المصادر التالية فى الأوراق البحثية المهمة المقدمة فى ندوة "العولمة والتعليم العالى والبحث فى الوطن العربى :
- عاطف إبراهيم عدوان. مستقبل الثقافة العربية فى عصر العولمة.
- رياض حامد الدباغ. العولمة الثقافية .. التحدى والمجابهة.
- محمد عبد المطلب جاد. العولمة : الفن والثقافة والهوية، الطريق إلى المواطنة العولمية.
- محفوظ عزام. العولمة وهويتنا الثقافية.
- محمد بن أحمد. فى مفهوم العولمة الجديدة.
- سليمان الشيخ. العولمة والقيم الحضارية بين الخصوصية والكونية.
- محمد الأزهر باى. العولمة والهويات الثقافية، أى مستقبل؟
(2) نفس المرجع السابق.
(3) حول مفهوم ما بعد الحداثة post-modernism وآثاره على نمط الاستهلاك،
- انظر : سليمان الديرانى. ما بعد الحداثة، مجتمع جديد أم خطاب مستجد، الفكر العربى، العدد (78)، السنة 15 (4) خريف 1994م، ص 6-15. أنظر أيضاً : مجموعات دراسات، مدخل إلى ما بعد الحداثة، إعداد وترجمة، أحمد حسان، كتابات نقدية ، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة (26) مارس 1994م.
- وأنظر كذلك : أحمد مجدى حجازى. علم اجتماع الأزمة، رؤية نقدية للنظرية الاجتماعية، القاهرة، دار قباء للطباعة والنشر، 1998، الجزء الخامس (نظرية ما بعد الحداثة).
(4) من دراسة العمالة وسوق العمل فى دول الخليج العربى مثلاً يلاحظ الطلب على خريجى الجامعات الأمريكية والأوروبية عند التعاقد، وكأنها تدعم فكرة التفوق الغربى.
(5) يُعد مفهوم المركز الرأسمالى الذى كان يعنى الدول الصناعية الرأسمالية المتقدمة (كما كانت تشير مدرسة التبعية) ليس هو المعنى المتداول اليوم حيث أصبح يدل على شركات متعددة الجنسية وبالتالى غياب مفهوم الدولة فى هذا السياق.
(6) تؤكد هذه المقولة رؤية أصحاب نظرية التحديث modernization theory، فالخلاص من التخلف يتم فقط من خلال الاعتماد على الآخر (النظام الرأسمالى) بنقل التكنولوجيا من المجتمع المتقدم إلى المجتمع المتخلف وبالاحتكاك الثقافى بنموذج التقدم. ولعل والت روستو بما قدمه من مراحل التطور هو خير نموذج لأصحاب هذه الرؤية.
- حول آراء روستو انظر :
- Rostow, W. "The stages of economic growth. A non communist manifesto. "Cambridge, London. 1963.
(7) انظر الدراسة التى قدمها عبد الله بلقريز. "العولمة والهوية الثقافية : عولمة الثقافة أم ثقافة العولمة"؟ فى العرب والعولمة ، مرجع سبق ذكره، ص ص 309-325.
(8) راجع نقد جلال أمين لمفهوم العولمة كما يدعو إليه الغرب فى : العولمة والدولة، فى كتاب : العرب والعولمة ، مرجع سبق ذكره، ص ص 153-170.
(9) محمد عابد الجابرى. العرب والعولمة : العولمة والهوية الثقافية، تقييم نقدى لممارسات العولمة فى المجال الثقافى، فى : العرب والعولمة، مرجع سبق ذكره، ص ص 297-308.
- ويؤكد توماس ماير فى بحثه حول "عولمة الاقتصاد وتداعياتها السياسية" إن أخطر هذه التجليات هى الثقافية حيث أنها ذات تأثيرات سلبية على كل من دول الشمال ودول الجنوب أيضاً. ومن أهمها تأييد الاتجاه الأصولى فى دول العالم الثالث، وفى نفس الوقت تدعيم التيارات اليمنيية المتطرفة فى دول الشمال. راجع ذلك فى الدراسة التى قدمها لمؤسسة فريدرش ايبرت، يوليو، 1996.
(10) انظر على سبيل المثال وضع الاقتصاد المصرى فى ظل العولمة فى : شريف دولار، الاقتصاد المصرى والعولمة، القاهرة، دار المعارف، سلسلة اقرأ رقم 674، 2002.
(11) للاستزادة انظر :
-D. Lerner, The passing of traditional society : Modernizing the Middle East, N.Y. Free Press, 1958.
(12) راجع آراء فرانك، وسمير أمين فى هذا المجال.
-A.G. Frank Uber Die Sogenante Ungleische Akkumulation : In D. Sanghaas. (Ad.) Kapita, Itische Weltoknomie (Frankfurt A.M.1982).
-S.Amin Die Ungleische Entwicklung. In Uber Die Gesellschafts-formationen Des Peripheren Kapialismus (Hamborg, 1981)
(13) قدم ريموند وليم مناقشة طريفة للعلاقة بين وسائل الإعلام الجماهيرى وبين ثقافة الفئات الاجتماعية فى المصدر التالى :
-R.Wi Lliams, Thagrowth and Role of the Mass Media, CH.I., In.Media, Politics and Culture; A Socialits View, Ed. By Carl Gardener, London, The Macmilland Press LTD. 1979. pp.14-24/
(14) حدد الباحث الأمريكى Lasswell هذه الوظائف على النحو الذى عرضنا له واعتمدنا فى ذلك على عرض عصام سليمان موسى؛ الثقافة الإعلامية العربية : مشاكل، مقترحات. فى مجلة "العلوم الاجتماعية" الكويت، المجلد السادس عشر، العدد الرابع، شتاء 1988، ص ص 243-268.
(15) للاستزادة يمكن الرجوع إلى المصدر التالى :
مصطفى المصمودى، النظام الإعلامى الجديد، عالم المعرفة، الكويت، أكتوبر 1985 الباب الثالث، الفصل الأول.
(16) مصطفى المصمودى. المرجع السابق نفسه ص 234. وإذا كانت "الأمية" فى الدول العربية تلعب دوراً يؤدى إلى عزوف الجماهير عن المشاركة فى الصناعة الإعلامية أو سهولة تزييف وعيها وتطويعها لخدمة أغراض الطبقة المسيطرة دائماً فإن الأخطر من ذلك ما يسمى "بأمية المثقف العربى"، تلك الأمية التى تساهم بوعى أحياناً؛ ودون وعى فى كثير من الأحيان فى إفساد العقول وتخريب التراث الثقافى.
انظر فى ذلك : أحمد مجدى حجازى. "أمية المثقف العربى : الإبداع وأزمة الفكر السوسيولوجى" فى : المستقبل العربى، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، سبتمبر 1991، ص 97-113.
(17) راجع مصطفى المصمودى. مرجع سابق ص 195.
ربما تتضح العلاقة بين وسائل الإعلام وبين النخبة السياسية فى المجتمعات المتقدمة حيث تلعب النخب الحاكمة، من خلال مؤسساتها، التى تستخدم إمكانات التقنية المتطورة، فى السيطرة على عقول الأفراد وتطويع الشعوب، ولا جدال فى أن (FBI, CIA) فى الولايات المتحدة الأمريكية تلعبان هذا الدور بإتقان، ليس فقط داخل حدود المجتمع الأمريكى وإنما فى مجتمعات العالم الثالث أيضاً: راجع ذلك بالوثائق والحقائق فى المصدر العام التالى:
- Simon, R. D. & Eilltzen, D.S. Elite Daviance, Allyn and Bacon Inc, Copyright 1982.
وللاستزادة يمكن الإطلاع على تحليل هذه العلاقة فى العالم الثالث فى :
أحمد مجدى حجازى. صناعة الفساد فى العالم الثالث : مقولات فى أزمة العلاقة بين ثقافة النخبة وثقافة العامة. فى مجلة كلية الآداب : القاهرة، العدد الأول (1)، المجلد 50، مايو 1990 ص 127-148.
(18) عواطف عبد الرحمن. قضايا التبعية الإعلامية والثقافية، الكويت، عالم المعرفة، يونيو 1984، ص7.
(19) فى أثر الثقافة الخارجية على الشخصية الثقافية راجع الدراسة المهمة التالية:
على السيد عجوة. وسائل الإعلام وقضايا الثقافة فى مصر. فى : دراسات فى العلاقات العامة والإعلام، القاهرة، عالم الكتب 1985، ص 150.
وللاستزادة فى موضوع التأثيرات الثقافية على القيم الاجتماعية وتشويه بنية المجتمعات التابعة انظر المصدرين التاليين : أحمد مجدى حجازى : الإنسان المصرى والتبعية الثقافية فى مصر، فى : الإنسان المصرى على الشاشة (مؤتمر) تحرير هاشم النحاس؛ القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1986، ص ص 93-136.
أحمد مجدى حجازى. المثقف العربى والالتزام الأيديولوجى : دراسة فى أزمة المجتمع العربى. فى : نحو علم اجتماع عربى (مجموعة باحثين)، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1986، ص ص 139-163.
(20) نقلا عن مصطفى المصمودى . النظام الإعلامى الجديد، مرجع سبق ذكره، ص 195.
(21) انظر محيى الدين صابر. قضايا الثقافة العربية المعاصرة القاهرة، الدراسات العربية للكتاب 1983. ص 35.
(22) محيى الدين صابر. المرجع السابق ذكره، ص42.
(23) جيهان روشتى 1982 نقلا عصام سليمان مرسى، المرجع سبق ذكره ص 252.
ويجب التنويه هنا إلى أننا استبعدنا بعض النتائج المهمة التى عرض لها باحثون غربيون. حول تأثير وسائل الإعلام (مثل الراديو والتلفاز) على بعض الفئات الاجتماعية مثل المرأة العاملة وتمييزها.. راجع هذه التفسيرات فى المصدر التالى :
- Calture, Media, Language, Ed. By A.Hall, D. Hobssn, A. Lowe & P. Willis, London, Hutchinson, 1981, Part Two & Three.
(24) راجع عواطف عبد الرحمن. إشكالية الإعلان والتنمية فى الوطن العربى، 1985 نقلا عن عبد الله بو جلال، الإعلام وقضايا الوعى الاجتماعى فى الوطن العربى، المستقبل العربى، مايو 1991، ص 51.
(25) للاستزادة انظر : عبد الباسط عبد المعطى. الإعلام وتزييف الوعى، القاهرة، دار الثقافة الجديدة 1979، نقلاً عن عبد الله بو جلال، الإعلام وقضايا الوعى الاجتماعى فى الوطن العربى ، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، العدد 147، ص ص 40-58.
(26) راجع هدى صلاح. "الجريمة فى مجال نظم المعلومات – مقارنة استطلاعية، ورقة بحثية ضمن أوراق ندوة الجرائم الاقتصادية المستحدثة والمنشورة بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، قسم بحوث الجريمة، جزء (1)، القاهرة 1994.
(27) راجع مرتضى معاش. المعلوماتية استباحة الفكر وتدمير الذات، مجلة النبأ العدد 51 شعبان 1421هـ.
منقول


التوقيع




مع تحيات
رشاد ابوجامع فرغلى حسن ( رشاد الفقيه)






13/04/2008 - 01:42 صباحاً

رد مع اقتباس


#8 رد :للمساعده

رشاد الفقيه

المشرف العام


الصورة الشخصية لـرشاد الفقيه


الهوية الشخصية
رقم العضوية : 1
المشاركات : 10420
الزيارات : 2044
الانضمام : 7/5/2007
النوع : ذكـــــر
الحالة : غير متصل



مقاربة من مفهوم الدور الحضـاري في فكر ميشيل عفلق

"تحليل ثقافي" (2-9)
د. عز الدين دياب *

مقاربة أنثروبولوجية لمفهوم الدور الحضاري
علمتنا العلوم الأنثروبولوجية والاجتماعية أن المقاربة من أية قضية لها تقنياتها ومنهجها. وفي مقدمة ذلك الولوج في عالم المفاهيم الذي يشكل البناء المعرفي للمقاربة، وأدواتها التحليلية.

وننوه بداية أن المقاربة التي نحن بصددها ستوظف نفسها في شرح المفاهيم التي لها علاقة منهجية بالحضارة والدور الحضاري، سواء كان ذلك في لحظة الحوار الحضاري، أو الصراع الحضاري، باعتبارهما لحظتين تتحدان حينا، وتفترقان حينا آخر. ويتراوح الشرح والتأويل بين الاختصار والإسهاب الممكن والمعقول، حسب موقع كل مفهوم وأهميته في إجلاء معاني الدور الحضاري في فكر الأستاذ عفلق، وفي إزالة الالتباس بين مفهوم الحضارة والثقافة، حيث أدى هذا الخلط إلى مغالطات كثيرة في الفكر السياسي والأنثروبولوجي والحضاري في الوطن العربي.

إذا المقاربة في معنى من معانيها اللغوية تعني الاقتراب أو الدنو من مسألة تعني الإنسان أو الباحث، والمفكر في هذه اللحظة، واللحظة القادمة. وبما أن المقاربة تعتمد المنهج الأنثروبولوجي الثقافي تارة والحضاري تارة أخرى فإن القول إن الإنسان وسلوكه الاجتماعي يعتبر الموضوع الأساس لهذا العلم، سواء كان في نطاقه الثقافي أو الحضاري يسوغ إلقاء نظرة فاحصة ومحللة على نمط التعامل بين العلم الأنثروبولوجي وموضوعه الإنسان بالقدر الذي يخدم المقاربة.

يدرس العلم الأنثروبولوجي الإنسان بوصفه كينونة قابلة للمعرفة والإدراك. وهذا معناه أن الكائن البشري يمكن تحديده بيولوجيا واجتماعيا وثقافيا وحضاريا وسياسيا.. الخ.

والمعروف أن الانثروبولوجيا وهي تدرس وتحلل وتفسر جوانب كينونة الإنسان أسست نزعات ومذاهب منهجية متخصصة في هذه الجوانب، وأصبحت مع الزمن تحمل أسمها، وتوصف بها مثل القول بالانثروبولوجيا الاجتماعية التي تختص بالبناء الاجتماعي. والانثروبولوجيا الثقافية التي تخصصت بثقافة الإنسان وقامت بدراسات لا أول لها ولا آخر عن العلاقة المتبادلة بين الثقافة والإنسان وما يتأتى عنها من خصائص سلوكية ونفسية. وفعل ورد فعل. والانثروبولوجيا السياسية التي جعلت من نشاط الإنسان السياسي حقلا لها تتداوله بالدرس والتحليل بحثا عن النسق السياسي قي المجتمعات، وخواصه ومفرداته، ونظمه ومؤسساته، والوحدة والاختلاف في العمل السياسي. والسياسات الداخلية والخارجية، ونقاط الالتقاء والتناقض بين الأحزاب.

وقاد النشاط الأنثروبولوجي الذي جرى وتم في أصقاع عدة من العالم الى تعدد المناهج الانثروبولوجية،والتي أضافت بدورها أسماء أخرى للعلم الانثروبولوجي. فمن الانثروبولوجيا الاجتماعية، انبثقت المدرسة الوظيفية. وهي المدرسة التي ركزت على وظائف العناصر الاجتماعية،وما بينها من اعتمادات متبادلة. والمدرسة البنيوية التي أدت إلى وجود العلم الأنثروبولوجي البنيوي. أو الأنثروبولوجيا البنيوية. وهكذا الأمر في الانثروبولوجيا السياسية والنفسية، والانثروبولوجيا الطبيعية. والانثربولوجيا الحضارية.

وتلاقت فروع ومدارس العلم الانثروبولوجي حول البناء الاجتماعي، وجعلته ميدانا لها من أجل أن تعرف عن الإنسان كل شيء ممكن، من بداياته الأولى وحتى اللحظة الحاضرة. ولجأت إلى تقنيات كثيرة في هذا السبيل. وكان أبرزها، من وجهة نظرنا تقسيم البناء الاجتماعي الى أنساق، بحيث يستوعب كل نسق جانبا من نشاط الإنسان، على ضوء المؤشرات والدلالات التي يكتنزها ا أو يحتويها النسق نفسه.

والواضح أن تقسيم البناء الاجتماعي إلى أنساق ليس أكثر من صنعة منهجية هدفها الأول والأخير إطلاق مجموعة من الأسماء والمصطلحات التي تختص بنشاط محدد من أنشطة الإنسان الاجتماعية، علما أنها تدرك إن هذا النشاط لا يمكن أن يكون مقطوع الصلة بباقي الأنشطة لأن بينها مستوى من التلازب والجدلية لا يمكن أن تنفصم عراه إلا نظريا، وفي عقول علماء الانثروبولوجيا وحدهم.

وعرفت العلوم الاجتماعية الظاهرة الاجتماعية التي تنتجها الحياة اليومية بأنها: (16) ((النظم الاجتماعية والقواعد والاتجاهات العامة التي يشترك باتباعها أفراد المجتمع ويتخذون منها أساسا لتنظيم حياتهم العامة، وتنسيق العلاقات التي تربطهم بعضهم ببعض وبغيرهم. كالنظم التي يسير عليها المجتمع في شؤونه السياسية الاقتصادية والخلقية والعقائدية والقضائية وإلى ذلك)).

وبناء على تعريفها الظاهرة الاجتماعية عمدت العلوم الاجتماعية إلى تقسيم الظاهرة الاجتماعية إلى أكثر من قسم تسهيلا لدراستها وتأويلها، وتحديد نوعية النشاط الاجتماعي الذي يمارسه الإنسان داخل الظاهرة نفسها أو من خلالها، انطلاقاً من أن الوظيفة في التحليل الأخير ليست أكثر من نظام للعلاقات الذي تؤديه الظاهرة داخل البناء الاجتماعي.

وقد لاحظت العلوم الاجتماعية إن نسيج الوظائف سواء داخل النسق أو البناء الاجتماعي ليس على وتيرة واحدة. أو اتفاق دائم، وإنما هناك مستوى من التناقض أو عدم التوافق بين سائر العلاقات البنائية أو النسقية، أو الأغراض التي ترمي إليها، والوظائف التي تقوم بها وتنظيمها. ولذلك قالت العلوم الاجتماعية بالظاهرة السياسية والظاهرة الاجتماعية والثقافية والنفسية كما قالت بالنظم الاجتماعية التي تخص العادات والتقاليد وكذلك المؤسسات الاجتماعية، وعلاقات الناس... وهلم جرا.

وثمة مستويات من الاختلاف بين علماء الاجتماع حول أهمية النظم والمداخل المنهجية لتنظيرها، ومعرفة دورها في التطور والتقدم، أو الانتقال من علاقات إنتاج إلى علاقات إنتاج أكثر تطورا وتقدما وقادت هذه الاختلافات الى تكون نظريات اجتماعية لكل واحدة منها أسبابها في فهم صيرورة التطور والتقدم.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد أعطت النظرية الماركسية العامل الاقتصادي الأهمية الأولى، واعتبرته حجر الرحى في الانتقال من حال إلى حال. بينما ركزت الانثروبولوجيا الاجتماعية على وظيفة العنصر الاجتماعي، والدور الذي يمارسه داخل البناء الاجتماعي.

وبما أن الظواهر الاجتماعية تمارس وظائفها على الدوام داخل البناء الاجتماعي، فإن هذه الأخيرة تظل في عملية دائمة من التمايز في أدوارها داخل الأنساق.

إن إقرار العلوم الاجتماعية بالوظيفة الاجتماعية للعنصر الاجتماعي، بعد اكتشافها داخل البناء الاجتماعي، يعطيها الشرعية للقول بالوظيفة السياسية والثقافية... الخ..، أليست العلوم هي التي قسمت البناء إلى أنساق بناء على وظيفته التي يمارسها داخل المجتمع، ووصفته على هذا النحو أو ذاك

وتقصد الانثروبولوجيا بالوظيفة نظام العلاقات الذي تشغله وتؤديه الظاهرة الاجتماعية داخل البناء الاجتماعي، وما يلازم هذا النظام من مواقف متوافقة مرة، ومتناقضة مرة ثانية، حسب طابع الأغراض التي ترمي إليها كل وظيفة.

معنى الثقافة من وجهة نظر الأنثروبولوجيا
قلنا في مطلع هذا الكتاب إن مفهوم الدور الحضاري في فكر الأستاذ ميشيل عفلق يشكل أحد المفاهيم الأساس. لكن المقاربة إذ تعتمد المنهج الأنثروبولوجي في تفسير هذا المفهوم فإن توضيح هذا العلم وموضوعاته يصبح جزءا لا يتجزأ من المقاربة، كما إنه يدعمها منهجيا. وهذا معناه توضيح الالتباس الذي شاب العلم الأنثروبولوجي خلال نشأته ونموه وتطور وارتقاء تقنياته البحثية.

ولا شك إن سرعة تطوير العلوم الأنثروبولوجية ساهم إلى حد بعيد في إغناء هذه العلوم، وفي تعزيز مصداقيتها وقوى مكانتها في عائلة العلوم الأنثروبولوجية. إلا أنه من جهة أخرى طبعها بطابع الالتباس لأن مسائل كثيرة، ومفاهيم متعددة، وأطروحات متنوعة لم يتم الاتفاق على تعريفها، ولم تحسم الخلافات حول أهميتها أو علاقتها في الحياة الاجتماعية. ولقد أضافت الثورة الثالثة مستويات أخرى من الالتباس في المفاهيم والمقولات والأطروحات التي يتداولها العلم الأنثروبولوجي. كما أنها أضافت لها حقولا واختصاصات جديدة للدراسة والبحث والتنقيب. وتطورت أغراض هذه الدراسات، وتشعبت مقاصدها، فإذا كانت الشخصية الاجتماعية شكلت مجالا أو ميدانا لدراسة العلم الأنثروبولوجي في العقود الماضية، إلا أن هذه الشخصية ما زالت تشكل نفس الميدان للعلم الأنثروبولوجي، غير أن ما يريده العلم نفسه من هذه الشخصية يتخطى المعلومات التي يتطلع إلى الحصول عليها.لأن المعلومة صارت الأساس في كل ما يبغي إليه العلم الأنثروبولوجي. كما أن المعلومة صارت مادة للتسويق.

إن كل ما قيل عن العلم الأنثروبولوجي يريد أن يهيئ الأجواء للحديث المفصل عن الثقافة، والعلم الأنثروبولوجي الثقافي، حيث أن هناك صلات عمل وبحث وتفسير بين الثقافة، ومفهوم الدور الحضاري في فكر عفلق.

ويقتضي الحديث عن معنى الثقافة، التفريق بين نظرية الثقافة، والعلم الأنثروبولوجي الثقافي. فالنظرية الثقافية وهي تتعامل مع الإنتاج الثقافي باعتباره مادة ملائمة لها (17) "تكون معنية، على وجه الدقة بالعلاقات بين الأنشطة الإنسانية الكثيرة والمتنوعة. والتي قسمت تاريخيا ونظريا، إلى جماعات خاصة، حيث تتفحص هذه العلاقات من حيث هي دينامية ومحددة داخل مواقف تاريخية شاملة يمكن وصفها".

وتحاول النظرية بشكل غير متوقف إنتاج مفاهيمها على ضوء حركة الواقع، بحيث تحيط به وتستوعبه على نحو جديد، وهي تخلق عالما من (18) "الموضوعات النظرية، خاصا بها. كما أنها تحدد بنى اجتماعية حقيقية قادرة على تفسير ما يلاحظه عالم الدراسات الأنثروبولوجية. والعالم يستخدم أدواته التي تقدمها له النظرية من أجل أن يقدم حقائق اجتماعية عن البناء الاجتماعي الذي يدرسه. غير إن العالم الأنثروبولوجي لا يقدم الحقائق التي يتوصل أليها دفعة واحدة، وبشكل متكامل، بل يقدمها مرة تلو المرة، وفي كل مرة يطور معلوماته" وعلى ضوء ما تقدم يمكن تعريف الثقافة على أساس تقسيمها إلى جذرين أو مقطعين. الأول (anthropos) ويعني الإنسان والثاني (logy) ومعناه العلم.

غير أن الاستمرار في شرح مفهوم الثقافة لابد أن يوضع في سياق تاريخ مفاهيم الثقافة، وطرائق نقلها إلى الثقافة العربية، نقلا شائها في أغلب الأحيان، لأن هذه المفاهيم لم تستخلص في الأساس من التجربة الاجتماعية العربية، استخلاصا دقيقا، وقائما على الدرس والتحليل في البناء الاجتماعي العربي. ولذلك ذاعت الكثير من المفاهيم الأنثروبولوجية الغربية، في استعمالات وتوصيف وقراءة العلم الأنثروبولوجي في الوطن العربي، وفي الثقافة العربية، وكان النقل منغمسا في تعليل إن العام يلغي الخاص ويهمشه، علما إن المفهوم إذا استمد من واقعه الاجتماعي، ثم حلل وفسر بناء على قوانينه العامة والخاصة، فإنه يكون الأقدر على استيعاب الحدث الاجتماعي والثقافي وتشخيصه والتعامل مع معطياته، ومكوناته، وتقديم تفسير مقنع له خاصة وأن تشكيل المفاهيم وتعريفها يعد من أسس الصياغة العلمية الدقيقة لقضايا العلم الأنثروبولوجي. ولذلك فإن تعويم المفاهيم والمصطلحات الغربية من قبل بعض المشتغلين بالدراسات الأنثروبولوجية الثقافية في الوطن العربي، افسد عليهم رؤية النسق الثقافي العربي في مستوييه الوطني والقومي، رؤية سليمة، مستوعبة لما فيه من عناصر ثقافية. ومتمكنة من رؤية الظاهرة الثقافية من خلال بناها الاجتماعية. وهذا ما يعيبه الأستاذ على الكثير من المثقفين المتغربين الذين يتعاملون مع واقعهم العربي من خلال مفاهيم غربية. ومن قناعات مسبقة مأخوذة من العلم الغربي وأهله. لأن ثقافتهم ومقاييسهم للقضايا العربية من أصول ثقافية غربية.

إذا نلاحظ أنه حتى في المدارس الغربية الأنثروبولوجية ومن ضمنها المدارس الأميركية استعملت مفهوم الثقافة استعمالات متعددة ومتباينة في المضمون والأهداف إذ أن بعض المدارس الأنثروبولوجية أرادت به معرفة تاريخ الكائنات الحية. في حين قصدت به مدارس أخرى ثقافة الإنسان الذاتية الخاصة بالتربية العقلية، وهناك فريق ثالث من هذه المدارس أعتبرها ظاهرة اجتماعية تتكون من خلال استجابات الإنسان لحاجاته اليومية في المأكل والمشرب، في آداب الضيافة والحديث وبما ينتجه الإنسان من حاجات مادية، والملاحظ أن هذه المعاني على اختلافها تعنى وجود رابطة جدلية بين الإنسان وثقافته، إلا أنها تختلف باختلاف موقع الفئات الاجتماعية في البناء الاجتماعي، كما تتنوع بتنوع الفكر والعقائد، لكن هذا التنوع يبقى نسبيا غير مطلق لأن الفئات الاجتماعية تتعايش وتتساكن وتتجاور داخل البناء الاجتماعي الواحد، لكن كل فئة اجتماعية تحتفظ ببعض الخصوصيات والهوامش الثقافية، فالفلاح له عاداته الخاصة، وله أعرافه وقيمه التي تختلف كثيرا أو قليلا عن ثقافة أبن المدينة، وهلم جرا...

من المعروف أن طابع الاختلاف والتشابه بين العناصر الثقافية يؤدى إلى الوحدة والتنوع داخل النمط الثقافي، فقد أكدت الدراسات الميدانية حول الثقافة إن الأنشطة الثقافية على اختلاف مستوياتها ومصادرها تتلاقى وتتشابك داخل البناء الاجتماعي، وخاصة في المجتمعات الأقل تطورا، حيث أن طبيعة العمل ومستواه التقني في هذه المجتمعات لا تتطلب الاختصاص دائما كما هي عليه في المجتمعات المتقدمة صناعيا، فإذا أخذنا حالة البداوة نجد أن الفرد في المجتمع البدوي يقوم بوظائف عدة مثل: رعي الماشية والدفاع عن القبيلة بالإضافة إلى وظيفة الأب.. الخ كما أن هذه الوظائف متباينة في مصدرها البنائي. فهناك أنشطة اقتصادية تمارسها العائلة كوحدة بنائية في المجتمعات الريفية، بينما نجد أفراد العائلة في المجتمعات الحضرية يمارسون أعمالا مختلفة كل حسب اختصاصه.

والجدير بالتأكيد أن الفرد البدوي عندما يقوم بمهامه، فأنه يقوم بها بناء على موقعه في البناء الاجتماعي لقبيلته أو عشيرته، وعلى دوره الذي حددته ثقافة مجتمعه. فالوجيه يمارس وظائف مختلفة عن وظائف الراعي، وأن للمرأة المتزوجة بعض الأنشطة المتميزة عن نشاط الفتاة، في حين أننا نلاحظ غير ذلك في المجتمعات البالغة التطور، إذ يمارس الفرد أدوارا مختلفة معتمدا على التقدم الصناعي والتقني في بنيانه الاجتماعي، كما أن للمرأة عاداتها وتقاليدها المختلفة شكلا ومضمونا. والنتيجة أن ما يمكن تسميته ب " التخصص " في المجتمعات المتطورة أكثر حضورا وتواجدا وتنوعا منه في المجتمعات الأقل تطورا، وهذا يعنى أيضا أن الثقافة في المجتمعات الصناعية تملك عناصر ثقافية أكثر، ولها حيوية وقدرة على الابتكار لا تملكها الثقافة في المجتمعات الأقل تطورا وتقدما، ومع ذلك فأن الفرد هنا وهناك يزاول أنشطة وأدواراً عدة، الأب عضو في الأسرة والمدرسة والجامعة، وهو عضو في النادي أو النقابة أو الحزب والمهنة، له أنشطته المتميزة، بحكم موقعه ودوره، في كل جماعة من هذه الجماعات. تحيلنا الأفكار السابقة المبسطة عن مضمون مفهوم الثقافة إلى وجهات نظر المدارس الأنثروبولوجية في معنى الثقافة. حيث أن بعض هذه الآراء ترى أن الثقافة من صنع النخبة في المجتمع. وهي تراه على هذا النحو أنها عمل فكري أو فني ينتجه هذا الشخص أو ذاك.

وهناك مدارس تنظر إلى الثقافة بوصفها ظاهرة اجتماعية ينتجها المجتمع في حياته وتاريخه. وبما أن الثقافة كذلك فهي تخضع للتطور والتقدم، والقيام بعمليات التخلي والاكتساب، والأمر الذي يؤدي إلى تنوع الثقافات واختلاف محدداتها الاجتماعية والحضارية، وتباين اتجاهاتها وفلسفاتها. ووحدة قيمها وتناقضها (19).

وقد بحث الدكتور زكي نجيب محمود هذا الجانب في كتابه (20) "تجديد الفكر العربي" عندما عالج مسألة انتقال العناصر الثقافية من عصر إلى عصر، ومسألة تغير العناصر وتطورها "وأنه ليندر جدا أن يكون الانتقال الفكري من عصر إلى عصر انتقالا في المعاني العامة المجردة كما تدل عليها ألفاظ عامة يتداولها الناس فيما بينهم من أحاديث ومعاملات، وإنما يكون الانتقال الفكري في تغير المضامين التي يقصد إليها المتحدثون والمتعاملون بتلك الألفاظ العامة والمعاني المجردة كؤوسا ومضامينها هي الشراب داخل تلك الكؤوس أو الأطباق ليست هي التي تتغير من عصر فكري إلى العصر الذي يليه وإنما الذي يتغير هو الشراب في الكؤوس أو الطعام في الأطباق، وإلا فقل لي متى كان العصر الذي يتنكر "للفضيلة " بمعناها العام أو "العدالة " أو "الحرية " فهذه الألفاظ تبقى ولا تزول، تجيء حضارة وتذهب حضارة وتجيء ثقافة وتذهب ثقافة، لكن تبقى ألفاظ الفضيلة و"العدالة " و"الحرية " و"الكرامة ".. الخ.. مرفوعة الأعلام، فما الذي يتغير أذن بحيث نقول ذهبت ثقافة وجاءت ثقافة ؟ الذي يتغير هو المضمون ".والجدير بالذكر أن هذا التغيير هو نتاج عمليات التخلي والاكتساب التي نزعم أنها تمثل قانونا لها،فتلك العمليات لا تحدث بمعزل عن شروط الثقافة، الداخلية والخارجية، وإنما تتم في ظل تلك الشروط على النحو الذي سنلاحظه بعد قليل.

مفهوم الثقافة
يعني الكلام السابق، من وجهة نظرنا، أن العلاقة بين الثقافة والإنسان، هي التي تحدد وتنمط السلوك الاجتماعي، وهذا يعني أن كل عنصر ثقافي هو في حقيقته يمثل استجابة لحاجة ما. وما دامت المجتمعات غير متماثلة أو متشابهة في حاجاتها، فإن الاستجابة تختلف من مجتمع الى آخر. وتعتبر المدارس الأنثروبولوجية أن هذا الاختلاف هو المحدد الأساس في اختلاف الشخصيات القومية. ومن هنا وجد المبرر لتلك المدارس لدراسة وتحليل طرائق كل مجتمع وأسلوبه في استجابته للأحداث والوقائع في بنائه الاجتماعي، باعتبار أن كل عنصر ثقافي يتحول الى سلوك اجتماعي، وأن مستويات التحول داخل كل ثقافة تصبح مقياسا لتحديد جوانب الاختلاف والتباين ما بين العربي والأوربي والصيني والأمريكي والروسي والفيتنامي والهندي.. الخ. وثمة أمثلة كثيرة لا تحصى تؤكد هذه القاعدة في القياس منها، على سبيل المثال، الزواج بوصفه عنصرا ثقافيا وظاهرة اجتماعية. فهو يختلف في محدداته الشفاهية والمكتوبة من مجتمع إلى آخر. ويختلف أيضا داخل المجتمع الواحد، كما يختلف من فترة تاريخية إلى أخرى باختلاف مستوى التطور ومضمونه، إلا أنه يتشابه في شكل المفاهيم في أكثر من مجتمع مثل: الخطبة، العقد، الزفاف، دعوة الضيوف، الهدايا.. الخ.

إثر هذه اللمحة الموجزة عن طبيعة الظاهرة الثقافية، وجوانب الاختلاف والتشابه في الشكل والمضمون يمكن أن تقدم تعريفات عدة، منها تعريف العلامة الأمريكي (21) رالف لنتون بقوله أنها "شكل متكامل من السلوك المكتسب ينقلها أفراد مجتمع معين". كما يعرفها الشاعر البريطاني الأصل ت. س. ايليوت بقوله أنها "طريقة الشعوب في الحياة". وهناك تعريف العالم الأنثروبولوجي أ. ي. تايلور في كتابه "الثقافة البدائية" يقول فيه أن الثقافة "هي ذلك الكل الذي يشتمل على المعرفة والعقائد والفن والقانون، وغيرها من القدرات والعادات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضوا في الجماعة أو المجتمع". أما الدكتور زكي نجيب محمود في كتابه "تجديد الفكر العربي "فقد قدم لها التعريف التالي" فلنفهم الثقافة على أنها طريقة العيش في شتى نواحيه، أو على أنها مجموعة القيم التي توجه الإنسان وتسيره وتقدم له المعايير التي يوازن بين الأشياء والمواقف ليختار".

أما الدكتور (22) أنور عبد الملك فقد قال بشأن تعريفها ما يلي: " قل لي ما هي ثقافة الإنسان أقول لك على الفور ما هي شخصيته".

وعندي أن الثقافة ظاهرة اجتماعية نفسية تحتل مكانها في عقول الأفراد، وتظهر على شكل سلوك في تصرفاتهم اليومية، وفي طريقة عيشهم أو نمطه.

ولما كنا نركز على الطابع الاجتماعي للظاهرة الثقافية، فأننا نقدم لها التعريف التالي: " أن الثقافة ميراث مركب من عناصر اجتماعية وسلوكية ومادية يقوم الأفراد بنقلها من مرحلة تاريخية إلى أخرى، وذلك بفضل تداخلها في سلوكهم، وقدرة عناصرها على الانتقال من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل.

ونلاحظ من هذا التعريف إن الثقافة تتكون من جانبين:

1 - الجانب المادي الذي يتمثل في الصناعة ووسائل الإنتاج والاختراع وكل وسائل العيش والحياة.

2 - الجانب السلوكي وفيه الجوانب الظاهرة مثل العادات والتقاليد، والجوانب المستترة أو "اللاواعية" مثل الردود والاتجاهات النفسية التي تتجسد في أحيان على شكل سلوك تجاه العادة والتقليد والقيم والأعراف. كما يتبين في الآتي:

- أن المقصود " بالميراث المركب " هو أن الثقافة تتكون من عدد كبير من السمات والعناصر الثقافية البسيطة والمركبة، وهي نتاج مباشر لنشاط الناس الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والروحي والفكري، وأن هذه العناصر تختزن في داخلها العديد من الفعاليات، بعد أن تتحدد وظائفها داخل البناء الاجتماعي.

- أما المقصود "بالعناصر الاجتماعية والسلوكية والروحية والسياسية والمادية فهي سلوك الأفراد وتصرفاتهم خلال ردهم على حاجاتهم "لأن الثقافة، كما قلنا، في حقيقتها استجابة المجتمع لحاجاته حسب إمكاناته المادية والروحية والفكرية، وهي طرائق الناس في تعديل هذه الاستجابات بين آونة وأخرى، حسب ظروف المجتمع المادية، ومستوى تطوره الحضاري، ودرجة أمنه الاقتصادي والفكري والثقافي وكذلك نوعية علاقاته بالمجتمعات الأخرى.

- ونريد بعبارة: "ويقوم الأفراد بنقلها من مرحلة تاريخية إلى أخرى بفضل تداخلها في سلوكهم " أن الثقافة طوال تاريخها ما هي إلا إنجاز جماعي وعمل مشترك بين جميع أفراد المجتمع وفئاته الاجتماعية، وأن لكل طبقة اجتماعية إسهامها الخاص في الإنتاج الاجتماعي للثقافة، اللهم،ما عدا بعض المبادئ والقيم والأفكار والأنشطة الروحية التي تهم على وجه الخصوص هذه الطبقة، ولا تعنى شقيقاتها، فعيد العمال – على سبيل المثال- يهم الطبقة العاملة أكثر من غيرها لأنه عيدها وهي معنية بإنتاج أو ابتكار مجموعة من العناصر الثقافية، بيان العمال، الاحتفال النقابي، أرباح الإنتاج. كذلك الأمر بالنسبة لعيد المعلم الذي يخص فئة المعلمين والمدرسين وعيد الجيش بالنسبة للضباط وصف الضباط والجنود.

والخلاصة فالثقافة ما هي إلا مجموعة كبيرة من العناصر المادية والاجتماعية المشتركة بين الفرد وأسرته وجماعته ومجتمعه، وأن الأجيال تقوم بنقل الثقافة بواسطة التعليم والتجربة والاكتساب وعن طريق التراث الشفاهي والمكتوب. إلا أن ما يجب معرفته بدقة أن الثقافة لا تنتقل على وتيرة واحدة بواسطة سلوك الأجيال الجديدة. وأكبر مثال على ذلك، موضة اللباس، وبعض آداب الضيافة والأكل والشرب والسهر والغدو والرواح،لأن الثقافة كما يقول رالف لنتون (23): "ذات سياق متواصل وأن المشاركة التي تبرر إدخال عنصر ما في شكل ثقافي متكامل تقرر بالنسبة إلى السياق الاجتماعي الثقافي المتواصل وليس بالنسبة إلى ما تكون عليه تلك الثقافة في وقت معين".

- أما العبارة الخاتمة في تعريف الثقافة ونصها: ( وقدرة عناصرها على الانتقال من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، فهذا يعني أن هذا الانتقال يشكل قانونها الأساس، ولولاه لما كان ثمة وحدة أو تشابه أو تماثل في الشخصية الاجتماعية للمجتمع سواء في الماضي والحاضر. ولكان هناك أشكال من الانقطاع بين هذه الشخصيات تفقد فيها بعض علاقات القربى، وعناصر من التراث المشترك.. الخ.

وبما أن الثقافة موجودة في سلوك الناس الاجتماعي، فهي تعنى أنها منقولة من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل بواسطة الأجيال. من الآباء إلى الأبناء، ومن الأخوة الكبار إلى الصغار، وذلك عبر التعلم والتجربة والاكتساب، فالأب الذي تعلم أن يغسل وجهه وفمه قبل تناول وجبة الطعام لا بد أن يعلم طفله هذه العادة المحببة. (24)

وإذا كان وجود الثقافة في سلوك الناس على هذا المستوى فأنه يعني أحد أشكال التعبير عن جدلية العلاقة بين الشخصية والثقافة، تلك العلاقة التي لا تتوقف ولا تختلف، وإنما يختلف في داخلها دور العنصر الثقافي ووظائفه وموقعه البنائي. وهذا الاختلاف يقود إلى تباين سلوك الشخصية وتمايزه. وعلى سبيل المثال فالفرد الذي تعود على استعمال (منقل) الفحم في شواء اللحم لا يجد المتعة نفسها عند شوي اللحمة على الغاز، ولكن الأبناء قد لا يشاركون هذه المتعة النفسية التي يحددونها في النمط الثاني من الشواء الذي يتم على الغاز، وهذه المؤشرات تعني أن الثقافة تمثل حياة الأفراد ومرآتهم وأن الأفراد هم في التحليل الأخير ينتجون الثقافة ويشكلون عمادها.

خصائص الثقافة:
يتميز كل مجتمع بثقافته الخاصة، وقلما نجد ثقافة اجتماعية متشابهة مع أخرى إلى درجة التطابق، فالثقافة الإنكليزية مختلفة عن الثقافة الصينية، والثقافة الفرنسية متميزة عن الثقافة الهندية، وهكذا دواليك بالنسبة لسائر الثقافات الاجتماعية الأخرى، إلا أن الاختلاف في ملامح الثقافة ومعالمها لا يكون محصورا بين الأمم أو القوميات وإنما هناك مستويات من الاختلاف داخل الثقافة الواحدة، أي بين مناطقها ودوائرها. مثل الاختلاف بين الثقافة البدوية والريفية والحضرية وبين الطوائف والأقليات القومية في الوطن العربي.

وبناء على ذلك، قام علماء الاجتماع الثقافي بتوصيف الثقافات وتصنيفها على أساس الشخصية الاجتماعية لكل أمة. ومن هنا قالوا بالثقافة العربية والثقافة الفرنسية.. الخ.

وبناء على المقاربة بين خصوصيات الثقافة تم تحديد خصائص الثقافة انطلاقا من اعتبارها ظاهرة اجتماعية نفسية وإنسانية (25).

وبما أن للثقافة خصائص اجتماعية واقتصادية ونفسية، فأن لكل خصيصة فعاليات كثيرة، وأن لهذه الفعاليات أكثر من جانب سلوكي.

الجوانب الواعية وغير الواعية في الثقافة

تجمع أكثر الاتجاهات الأنثروبولوجية على أن تأثير الثقافة على الفرد يبدأ منذ مولده، وإن السنوات الخمس الأولى من عمره تشكل الفترة المهمة، والأساس في تكوين الشخصية. وبدءا من هذه الفترة تتكون ردود الفعل الشخصية على الحالات التي تواجهها تدريجيا، فيصبح الفرد في حالة تزويد وعطاء لذاته بالعنصر الثقافي منذ بداية تمكنه من تحقيق التفاعل الأولي مع الآخرين،من خلال فهمه لتصرفاتهم وما تحتويه من معان وأهداف ووظائف. ويدعم الفرد قدرته في هذه الإضافة من خلال ديمومته في التعلم والاكتساب، وإغناء تجربته الذاتية في فهم ثقافته والإحاطة بها، ومن ثم احتوائها وتوظيفها لصالح المزيد من التفاعل المثمر مع جميع الحالات التي يعيشها وفق نظام القيم الذي أقرته ثقافة المجتمع. (26)

لكن ما يجب ملاحظته أن العناصر الثقافية التي يتعلمها الفرد ويكتسبها سواء في السنوات الخمس الأولى، أو بعدها، ليست من طبيعة واحدة، بل هي على نوعين: عناصر واعية ومدركة مثل أدوات الطعام، والتحدث إلى الآخرين وأدوات العمل، وأثاث البيت،وسبل توزيعه على الغرف حسب وظائفه في الاستعمال، وتحية الآخرين، وأسلوب المجاملة وآداب الطعام.. الخ. أما العناصر اللاواعية فهي مثلا الحالة النفسية (عاطفة، حب، كره) التي تزامل ردود الإنسان على الحالات التي يواجهها. فالطفل الذي يرى طريقة ردود أمه على كسر الأواني من قبله أو من قبل أخواته، فأنه يمتص العديد من الجوانب النفسية لهذه الردود ويتعلمها ويكتسبها لا شعوريا، ثم يخزنها في اللاوعي عنده، وعندما يكبر يواجه كسر الأواني بالعديد من الردود المتشابهة مع ردود والدته. وعلى هذا المنوال يتعلم الإنسان ويكتسب الردود أو طرائق التعبير عن هذه الحالة أو تلك. ولذلك يقول المثل الشعبي ((ضع الكاسة على فمها البنت ما بتطلع إلا لأمها)). وهذا المثل فيه بعض جوانب الصحة حيث أن البنت تكتسب من أمها بعض الجوانب غير الواعية الكامنة في الرد. والمهم في الأمر أن الجوانب الواعية وغير الواعية من الثقافة تأخذ مكانها في الشعور تدريجيا، ثم تنتقل إلى اللاشعور بواسطة الكثير من العمليات النفسية التي يقوم بها الجهاز النفسي المكون من: الأنا والأنا الأعلى، والهوى. لكن ما يجب القول فيه إن العناصر الثقافية الواعية لا تنتقل كلها إلى اللاشعور، فما ينتقل إلى اللاشعور، العناصر القابلة للتحول إلى عناصر لا واعية. في حين أن الشعور هو مركز العناصر الواعية، لا سيما تلك التي لا تقبل التحول.

وعلى سبيل المثال فإن الطفل الذي تربى في أسرة تعيب عليه الاختلاط بالفتيات في مرحلة الشباب يخزن في اللاشعور العديد من العناصر الثقافية اللاواعية، سواء كانت قيما أو أعرافا أو تقاليد، الخاصة بذلك التحريم وتتحول داخل الجهاز النفسي إلى مجموعة من المحددات الثقافية التحريمية غير الواعية وتمارس وظائفها داخل شخصية هذا الشاب عندما يكبر، وتقوم بإرباكه في الحديث مع الفتيات، حيث يحمر وجهه، ويتلعثم في الكلام.

وعلى الجانب الآخر فأن الطفل الذي أعتاد على الاختلاط بالفتيات ومجالستهن لا يعرف هذا الارتباك لأنه لا يختزن في جهازه النفسي المحرمات السابقة. ويمكن سحب هذه الحالة على أكثر الحالات الاجتماعية التي تكمن وراءها عناصر ثقافية غير واعية أو مباشرة مكتسبة منذ الطفولة، وكأني بالطفل الذي تلقنه عائلته قيم الشرف انطلاقا من قيمة البكارة في مفهوم الشرف، وتقترن مخالفة هذه القيمة بالقصاص، فأنه يمارس القصاص الذي لقنته إياه ثقافته، اللهم، ما عدا بعض الاستثناءات التي تجعل هذا الفرد أو ذاك يكف عن هذا الفعل نتيجة لعوامل تفرض عليه بعض القيم والمواقف. غير أن التعديل الذي يقوم به الفرد لا يكرر نفسه في جميع منظومة القيم اللاواعية وجوانبها السلوكية، لأن نظام القيم لا يعدل بشكل متساو واحد، وإنما يختلف بموجبه عملية التخلي والاكتساب الثقافي التي تحدث في النمط الثقافي العام. أو في تجربة الفرد نفسه، فقد تدفعه تلك العمليات للتخلي عن حب وطنه إذا هاجر إلى بلد آخر، ووجد أن الوطن الجديد قد وفر له جملة من العلاقات الاجتماعية والثقافية والوطنية الجديدة التي لم يجدها في بلده الأصلي، وقد تفرض عليه العمليات مزيدا من الأيمان بالشرف إذا كانت ثقافة البلد الجديد الذي أنتقل إليه تعطى أولوية لقيمة الشرف ضمن المواصفات التي أعطتها قيمة الثقافة السابقة. (27)

يريد الكلام السابق أن يؤكد بأن الجوانب اللاواعية في لجهاز النفسي إذا كانت تمارس دورها ووظائفها ارتكازا أو استنادا على العناصر الثقافية اللاواعية وخاصة نظام القيم والأعراف منها، فأن هذه الجوانب تكون مسرحا لعمليات نفسية متميزة بالتناقض والصراع لأن نظام القيم عادة يوحد بين العديد من القيم المتناقضة، الأيمان والشك والمحسوبية والعدالة الاجتماعية، والمحسوبية والاشتراكية، والعشائرية والوطنية، والإقليمية والقومية، والانفصال والوحدة والتحرر والتعصب، والأصولية والحداثة.. الخ. كما يقوى التناقض ويشتد كلما كانت القيم متعادلة في وظائفها التي تشغلها وفي الموقع الذي تحتله داخل الجهاز النفسي. وأعني بالموقع مستوى الأيمان والاقتناع به (28).

ويؤدي صراع القيم الذي لا يجد حلوله في الجهاز النفسي إلى نشوء الظاهرة النفسية الاجتماعية (الازدواج) والتي نفضل تسميتها بظاهرة الازدواج الثقافي الذي يجد فعله في سلوك الناس الاجتماعي اليومي أثناء قيامها بمجموعة من الاستجابات.

وعلى هذا الأساس فأنك إذا بحثت عما يجري بين الأنظمة والأحزاب العربية من صراع على الساحة الوطنية والقومية فستجد فيه أنماطا من الصراع مثل صراع نظام القيم. الصراع بين الأنا والمجتمع. بين قيم العشيرة والمواطنة. وبين الإقليمية والوحدة. بين قيم الاشتراكية والقيم العائلية والطائفية والعشائرية، وأن ما يكتب وما يقال في أجهزة المذياع والتلفاز لا يتساوى على الإطلاق مع ما هو موجود في الجهاز النفسي أو في عقول الناس وتصرفاتهم، أو في ممارستهم اليومية، وثمة حيل نفسية واجتماعية يقوم بها الفرد أو الجماعة أو الكثير من الناس لإضفاء صفات تقدمية أو حضارية أو دينية أو إنسانية على مواقفهم التي لا تمت في حقيقتها لتلك الاضفاءات.

والمعروف أن الجوانب اللاواعية من الثقافة أثناء عملها داخل شخصيات الأفراد والجماعات والمجتمعات يكون لها دورها الأساس في تكثيف حجم الصراعات الاجتماعية والنفسية، وفي زيادة حدتها، وفي إضافة أشياء وأشياء على الصراع وأبعاده بين الناس، فكم من حادثة أو حالة فردية أو جماعية، سياسية أو عائلية أو عشائرية جهوية أو محلية، كانت تستدعى اختلاف الآراء لا أكثر ولا أقل. ثم تحولت بفضل الجوانب اللاواعية إلى قتال دام وحروب وثأر وانتقام وأحلاف وعصبيات وولاءات لا تحتاجها مستويات الخلاف نفسه مطلقا.

وإذا بحثت على هذا الأساس في محددات الثقافة الاجتماعية التي تنظم السلوك الاجتماعي وتهذبه وتربيه فإنك تجد لا محالة، أن الجوانب الواعية من العناصر الثقافية ليست وحدها التي تقوم بتلك المهام، وإنما تشاركها وعلى المستوى نفسه أو أكثر بقليل أو كثير الجوانب اللاواعية من الثقافة.

وقد وقف علماء الانثروبولوجيا النفسية أمام هذه المسائل، وخصوها بالمزيد من الدراسة والتحليل، وقد توصل الكثير منهم إلى قناعات مؤكدة بالتجربة والمشاهدة والملاحظة. أن بعض الجوانب في ردود الأفراد والجماعات على حاجاتهم اليومية لا تتحول بشكل مباشر وفوري إلى الجوانب اللاواعية من الثقافة. ولقد كان موراى من أوائل هؤلاء العلماء في توضيح العوامل اللاواعية في القطاع السلوكي المستتر وتقدير أهميتها. وفي العمليات النفسية التي لا تتم عند الأفراد والجماعات بناء على العوامل الشعورية وحدها بل تعود كما أسلفنا. في أحيان كثيرة، أو في جوانب متعددة إلى الجوانب اللاواعية من الثقافة. وكثيرة هي الأعمال والميول والنوايا غير الواعية التي تؤثر على سلوك الفرد في هذه الحادثة أو تلك، وكثيرة أيضا الاتجاهات الاجتماعية والنفسية التي تقررها تلك الجوانب دون أن يدري الإنسان.

والخلاصة فأن الظواهر النفسية المستترة والجوانب غير الواعية من الثقافة قابلة للانتقال من جيل إلى آخر، شأنها في ذلك شأن العوامل والظواهر النفسية والثقافية الواعية،وأن انتقالها هذا لا يتم بوصفها حالات نفسية مستقلة تنتقل بالوراثة العضوية أبدا، بل يحدث ذلك من خلال تعلم نفس العادات والتقاليد، واكتسابها بالملاحظة والاحتكاك وبالتقليد والمحاكاة، وهذا يعني في التحليل الأخير أن الجوانب الواعية واللاواعية من الثقافة مسؤولة مسؤولية مشتركة عن غلبة هذا الجانب أو ذاك في تحريك السلوك الاجتماعي – النفسي وفي توجيه اتجاهات شخصيات الأفراد والجماعات.

الانتشار الثقافي
إذا كانت الثقافة تحتل جانبا مهما في قيام البناء الاجتماعي بمهامه ورسالته، فإنها من أكثر الجوانب أهمية في استمرار المجتمعات وتطورها من طور إلى آخر. وهذه العلاقة الجدلية بين المجتمع وثقافته هي التي تشكل شرط تطور الثقافة وتغير وظائفها وتبدلها. وهي المسؤولة أيضا عن انتقال الثقافة من جيل إلى آخر، فالثقافة تتطور بالانتشار داخل البنى الاجتماعية، ومن بنية اجتماعية داخلية إلى بنية اجتماعية في مجتمع آخر. وتأتي خاصية انتشار الثقافة من خلال طبيعة الإنسان الاجتماعية. وعن طريق حركة الثقافة يحصل الاحتكاك والتعلم والاكتساب فالفتاة التي تشاهد فستان معلمتها وتعجب به تعمل على تقليده أو شراء ما يماثله. والأديب الناشئ يحاكي الأديب الذي يتميز بأسلوب معين في الكتابة، ويحاول أن يقلده... الخ...

مما تقدم يتبين أن العناصر الثقافية في حالة انتقال وانتشار، واستقرار واستيطان وتبادل. وانتشار الثقافة إما أن يتم بشكل عفوي أو إرادي داخلي وخارجي، وثمة جهات تخطط لنشر ثقافتها في المجتمعات الأخرى، وهو ما يسمى عادة بالغزو الثقافي.

وحري بالقول إن حركة الثقافة تختلف من عصر إلى عصر، ومن مجتمع إلى آخر. فإذا كانت الثقافة في المجتمعات الأقل تطورا تمتاز بحركتها البطيئة، وفق آليات محددة، بسيطة، وغير معقدة، فأن حركتها في المجتمعات الصناعية أكثر سرعة وحيوية. ولها آليات متنوعة بالغة التعقيد.

وعندي أن الثقافة في المجتمعات المتقدمة تخضع للتخطيط والضبط والتوجيه الذي يكفل لها القيام بمهامها التي يرمي إليها أصحاب القرار السياسي. وهذا يعني إجرائيا أن هناك ثقافات "مُلَقِّية " وثقافات "مُتَلَقِّية " والثقافة الأولى، على وجه العموم، موجودة في المجتمعات الصناعية، أما الثانية فأنها من شأن المجتمعات الأقل نموا،ومنها الأمة العربية.

وقد ترتب على هذا التمايز أن المجتمعات الصناعية تملك الكثير من بنوك المعلومات ومن مخابر الثقافة. وهذه وتلك مربوطة بأجهزة المعلومات والقنوات الفضائية. وقد وضعت هذه الآليات في خدمة الثقافة لنشرها هنا وهناك. واختراق العمليات الثقافية في المجتمعات الأخرى ومنها النامية، بحيث يؤدي الاختراق إلى تكييف الشخصيات القومية مع توجهات الثقافة الملقية أو الغازية، وخططها وسياستها.

وليس من المبالغة القول إن العديد من الشخصيات القومية أصبحت تتصرف في جوانب من سلوكها اليومي على الطريقة الأوروبي - الأمريكية، تطرب على طريقتهم، وتلبس حسب أزيائهم، وتركب وسائل المواصلات حسب إنتاج ثقافتهم.. الخ. وكم من قيمة أو وازع أو عادة وتقليد انتشرت من الثقافة الأوروبي – أمريكية الى داخل الثقافة العربية، سواء كان الانتشار عفويا أو مقصودا، فأصبح من النادر أن تجد مجتمعا من المجتمعات بعيدا عن تأثير الثقافة الغربية. ألا يحق لنا القول إننا أصبحنا في عصر الاختراق الثقافي الغربي نمثل فأربواز الذي تتغير اتجاهاته وغرائزه عن طريق الصدمة الثقافية التي يتلقاها. وإن علم اجتماع المنازعات الموجود في جامعات أمريكية هو الذي يقرر هذه الصدمات، ويحدد زمانها ومكانها وعناصرها؟.

الخلاصة، أن مطلع هذا القرن قد تميز بصعود حركات التحرر الوطني والقومي وأن عقده الأخير أخذ يشهد صعود دور مراكز الأبحاث والدراسات التي تقود وتوجه انتشار الثقافات الأوروبي-أمريكية، الهادفة أصلا الى تطويع شخصيات الشعوب في "العالم الثالث" لصالحها.

وبهذا الصدد كتب الشاعر البريطاني الأصل (29) "ت. س. اليوت".. وكثيرا ما تتخذ القوة وسيلة لفرض ثقافة أجنبية على ثقافة أدنى. وهذه مشكلة لا يمكن حلها، وهي تتخذ أشكالا كثيرة. وثمة مشكلة تتصل بثقافة أدنى للمرة الأولى، وثمة مشكلة ثانية عندما تكون الثقافة الوطنية قد بدأت تتحلل فعلا تحت تأثير الثقافة الأجنبية، وحيث يكون أبناء الوطن قد تشربوا من الثقافة الأجنبية فعلا أكثر مما يمكنهم طرده في وقت من الأوقات (........) لينضجوا في الخليط الثقافي الذي أوجدناه".

وبطبيعة الحال فأن الخليط إياه تتعدد مواده، وتتنوع عناصره الى حد يمكن السياسات الثقافية الغربية من احتواء شعوب العالم، والهيمنة على تفكيرها. وعلى أرض هذه السياسات تجهض مشاريع النهضة، ومنها المشروع الحضاري العربي. ثم أليست السلبية السياسية الموجودة الآن في الشارع العربي. يعود جزء منها أو وجه من وجوهها الى إيحاءات الثقافة الأمريكية واتجاهاتها النفسية.

الجدل الثقافي:
قبل الحديث عن الجدل الثقافي لا بد من الإشارة إلى إن الثقافة العربية لم تحظ باهتمام أهل العلم والسياسة، لاسيما أن جهات الاختصاص لم تضعها حتى هذه اللحظة، الموضع الذي تستحقه في سياق معركة الحضارة. كما أن تلك الجهات لم تنظر إليها بعين منهجية من حيث تأثيرها في الشخصية، ولم تول أي اهتمام إلى الأمن الثقافي باعتباره أحد أهم عوامل الأمن القومي، وقد تمت خطوات عدة في هذا المنحنى مثل تصدى بعض العاملين في الحقل الثقافي لشرح الثقافة وخصائصها وآلياتها داخل البناء الاجتماعي. وتقسيم النمط الثقافي حسب الجهات والمناطق التي يتواجد فيها، إضافة إلى استحداث الأسماء والمصطلحات التي تغطي العناصر المادية والاجتماعية والفكرية التي تتكون منها الثقافة مراعية طابع الوحدة والتنوع في الثقافة. وكذلك استحداث المفاهيم التي تخص جبلة الثقافة مثل: " العنصر الثقافي" أو "السمة الثقافية". ويطلق على آلية الثقافة في اكتساب عنصر جديد، وتخليها عن عنصر قديم بـ"حركة الثقافة". كما اعتبرت قدرة الثقافة على التخلي والاكتساب بناء على عناصرها بـ "الحيوية الثقافية".

واعتبر العلم الأنثروبولوجي أن تجديد الثقافة يرتبط ارتباطا وثيقا بمفهوم "عمليات التخلي والاكتساب". كما أن تقويم الثقافة من حيث اعتبارها ثقافة غازية أو مغزوة. حيوية أو تقليدية يتم على أساس قدرة تلك العمليات في المحافظة على الهوية القومية وتطوير معالمها حسب حاجات العصر وتحدياته.

ومضى العلم الأنثروبولوجي نحو مهام أخرى مثل تقسيمه إلى حزمة كبيرة من الأنشطة الفكرية والمادية. وحصر هذه الأنشطة بأنماط محلية وقومية وعالمية. وارتأى أن كل ثقافة تقسم إلى مجموعة من "المناطق الثقافية مثل "الثقافة القروية"و"الثقافة الحضرية"..الخ. ثم أطلق على المستويات التي تتوزع فيها الثقافة بالأنساق الثقافية مثل "نسق القيم "والمأكل والمشرب، ونسق العادات والتقاليد". واكتشف العلم الأنثروبولوجي أن كل نسق له نظامه ووظائفه التي يمارسها داخل النمط الثقافي العام. وأن بين هذه الوظائف الكثير من الاعتمادات المتبادلة. فالتحية، على سبيل المثال، بوصفها عنصرا ثقافيا مركبا تتساند مع عناصر ثقافية أخرى حتى تتمكن من القيام بدورها الوظيفي. وثمة محددات ثقافية اجتماعية تبين قيمتها في سلم القيم مثل المبادرة في التحية من قبل الصغير للكبير، والماشي للجالس، والملاحظ أن الاعتمادات المتبادلة والتساند بين العناصر الثقافية تشكل ما يسمى "بالنسيج الثقافي" وكل نسيج له وحدته وتناقضاته، وله أيضا تنوعاته. ففي داخل القيم العشائرية تنمو القيم القانونية. وإلى جانب الأفكار السليمة توجد الأفكار الخاطئة، وإلى جانب الحق يوجد الباطل. وتتحد هذه القيم أو تتصارع حتى تصل الثقافة إلى درجة تقدر فيها أن تتخلى عن قيمة قديمة لصالح قيمة جديدة. ومن المهم القول أن هذه القدرة قد تكون ضعيفة في بعض الأحيان، وقوية في أحيان أخرى. فإذا كانت ضعيفة فإن القيم التي تخلت عنها الثقافة لا يعني أبدا أنها قد فقدت وظائفها داخل النمط الثقافي. وهذا معناه أن التخلي في حقيقته لم ينجز بشكل نهائي. لهذا، قد تعود هذه القيم إلى ممارسة دورها من جديد، عندما تتوفر لها الظروف الاجتماعية المناسبة.

وبما أن الفرد لا يعيش، بمعزل عن ثقافته، وأن له علاقة جدلية معها يؤثر فيها ويتأثر بها، كما سنرى بعد قليل، فإن تلك التناقضات داخل العناصر الثقافية تجد صداها وتأثيرها داخل عقليات الأفراد والجماعات، وتعكس نفسها في سلوكهم اليومي فالابن الذي اعتاد على الإهانة في بيته يجد صعوبة بالغة في احترام اخوته أو أقاربه إذا شعر بتفوقه عليهم ماديا ومعنويا وجسديا، والرجل الذي آمن أن شرف الفتاة في عفافها يصعب عليه أن يقبل لابنته ممارسة الجنس مع زميلها في المدرسة دون عقد زواج شرعي، والحزب الذي يربى أفراده على قيم المناصرة واتجاهات التعصب يجد صعوبة بالغة في قبول التعددية السياسية وانتقال السلطة سلميًا.

وقد تلجأ بعض الثقافات إلى حل الصراع بين عناصرها الثقافية عن طريق التعادل الوظيفي بين جملة من العناصر الثقافية القديمة والجديدة، وهذا النمط من التعادل يجد نفسه داخل شخصيات الأفراد بناء على العلاقة الجدلية بين الثقافة والشخصية. فإذا كانت العناصر الثقافية من طبيعة واحدة فكريا وعقائديا وقيمة، فان هذا التعادل يظهر على شكل سلوك عادي وسليم، إما إذا كانت العناصر المتعادلة من طبيعة ثقافية غير واحدة، متناقضة في القيم والاتجاهات والمعايير فان مردودها في سلوك الإنسان يظهر على شكل ازدواج ثقافي. والذي يمكن تسميته عادة بالنفاق الاجتماعي، والانتهازية، والشطارة أو تشكيل سلوك تلفيقي مثل الادعاء بالإلحاد والأيمان معا. والانتماء القطري والقومي. والانحياز للعدل والظلم الاجتماعي، والقانون والمحسوبية.. الخ. ومن المناسب القول أن الأنماط السابقة من المعايشة بين العناصر الثقافية لا تنعت به ثقافة معينة ’ وإنما في حقيقتها تمثل حالة ثقافية موجودة في كل الثقافات. كل ثقافة حسب ظروفها وتجربتها. ولكن نسبتها مختلفة من ثقافة إلى ثقافة أخرى. فالثقافات في المجتمعات المتقدمة لا توفر الظروف لذلك النمط من التعايش السلبي. ويقل فيها كثيرا الازدواج الثقافي. والملاحظ أن قوانين الثقافة واحدة في كل المجتمعات، غير أن لكل قانون آلياته المرهونة عادة بظروف المجتمع الحضارية وطابع سياسة الثقافة وكنهها فيه.

ونزعم أن للثقافة ثلاثة قوانين:

- قانون انتقال الثقافة من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل.

- قانون الانتشار الثقافي إما من منطقة إلى أخرى "داخلي"، أو من أمة إلى أخرى "خارجي".

- قانون التخلي والاكتساب.

والجدير بالذكر انه قد تم شرح آليات القانون الأول والثاني بشكل موجز، وسنعمل على شرح القانون الثالث.

تميزت الثقافات قديما وحديثا بعمليات التخلي والاكتساب. وكانت هذه العمليات محكومة دائما وأبدا بالظروف الحضارية لكل أمة. فكلما أحرزت الأمة تقدمها واستقلالها الحضاري تمكنت من القيام بعمليات التخلي والاكتساب وفق نواميسها الداخلية وحسب حاجاتها وقدراتها. ويقترن عمق تلك العمليات بمستوى التحولات الاجتماعية التي تتم داخل البناء الاجتماعي. فكلما كانت التحولات متوازنة داخل البناء الاجتماعي،تتم وفق حاجات المجتمع، وتتوافق مع إمكاناته،كانت عمليات التخلي والاكتساب متلائمة مع معطياتها الاجتماعية، متوازنة مع الأبعاد الاجتماعية والحضارية التي تذهب إليها التحولات الاجتماعية. فإذا وصل المجتمع، على سبيل المال، إلى مستوى من التطور يملى إلغاء بعض أشكال الملكية وإضافة أشكال جديدة، فإن الثقافة ستعمل على ابتكار عناصر ثقافية جديدة تواكب الملكية الجديدة وتلائمها. وهذه الإضافات الثقافية لا تقتصر على عنصر الملكية فقط، بل تمتد إلى عناصر ثقافية كثيرة، فيها المادي والمعنوي، ومنها الأخلاقي بشكل يتجانس فيه الإلغاء والاكتساب مع تطور الأفكار ودرجة الوعي الاجتماعي الذي وصل إليه المجتمع، ومع منظومة الأفكار التي تشكل فلسفة للثقافة (30).

وما يجب التأكيد عليه أن عملية الاتصال الثقافي لها تأثيرها المباشر على عمليات التخلي والاكتساب، فعندما يتم الاتصال بين ثقافة تعتمد على طبع الكتب على آلات إلكترونية كوسائل طباعة أكثر تطورا من الآلات السابقة، وتقوم بإنتاج أعداد من النسخ لا توازيها فيها الوسائل القديمة في المطابع التي تملكها أو تستخدمها ثقافة أخرى، فأن الثقافة التي لا تملك الآلة الجديدة تلجأ تدريجيا إلى التخلي عن الآلات القديمة، واكتساب الآلة الجديدة. ولا شك أن هذا المثال يمكن جعله نموذجا لعمليات ثقافية متباينة في مضمونها وكما يمكن تعميمه على العناصر الثقافية مثل الزي، وطرائق كتابة القصة، ومدارس النقد ووجبات الطعام، ووسائل الركوب. والنوم والترفيه، وطرائق حسابية وجبرية وفيزيائية، وقياسات منطقية.

على هذا الأساس فالثقافات تقوم بعمليات التخلي والاكتساب دون توقف. وأن هذه العمليات تشكل بالنسبة لثقافات العالم قانونها الذي يحكم الثقافة ويقودها.

لكن ما يجب الانتباه إليه أن الثقافات لا تتماثل أو تتشابه في عمليات التخلي والاكتساب، فالأمر يختلف من ثقافة إلى أخرى، وهناك ثقافات لها قدرة خاصة على التخلي والاكتساب لا تملكها ثقافات أخرى. هذا يعني أن عمليات الثقافة مرهونة بقدرات الثقافة المتعددة المستويات. وتقسم الثقافات حسب القدرات إلى مستويين:

1 - الثقافات الديناميكية، وتتميز هذه الثقافات بقدرتها على الحركة والإبداع، ويحتل فيها الإنسان مكانة مرموقة منظمة ومحفوظة بجملة من القوانين والسنن الاجتماعية التي لا تقبل أي تعد على حقوقه. وبالمقابل تلزمه بسلسلة من الواجبات التي يؤديها بكل طواعية. كما تتميز تلك الثقافات بقدرتها على توفير الردود وإشباع الحاجيات بشكل لا يقلق الإنسان ولا يدعه ملكا للضرورات الطبيعية. كما تتوفر فيها التعددية السياسية والحريات الفكرية وحرية القول والعمل.كما تتميز بإمكاناتها في الاختراع والابتكار والإبداع.

2 - الثقافات التقليدية، وهي الثقافات التي يتحكم فيها الجمود والتقليد وانعدام الحرية حيث مكانة الإنسان منقوصة ومحفوفة بالمخاطر، كما يضعف فيها فعل القانون وتكافؤ الفرص، ويسيطر عليها نظام القيم التقليدي المتخلف الذي لا يساير روح العصر. كما أنها تفتقر إلى القدرة على تلبية حاجات الناس المادية والفكرية والروحية، وتقل فيها فرص العمل، كما تقل فيها فرص القدرة على الابتكار والاختراع والاجتهاد والتأويل، وتشتهر تلك الثقافات بقدرتها على التلفيق والجمع العشوائي بين القديم والحديث مثل الجمع بين الثأر ودور الدولة في محاسبة المتهم أو الجاني، بين الحرية السياسية والاعتقال والتعذيب. بين حقوق المواطن وتعديات السلطة على هذه الحقوق، بين حرية القول والنشر، وقانون الرقابة والمنع والمصادرة،والاعتقال والنفي والتصفية الجسدية.

والخلاصة فإن عمليات التخلي والاكتساب في الثقافتين الديناميكية والتقليدية مختلفة في النوع والكيف، ومختلفة في المستوى والأبعاد، بحيث نرى أن الثقافات الديناميكية تنتج عمليات التخلي بناء على سننها وقوانينها الاجتماعية بالتلازب مع قوانين الثقافة. بينما تخضع تلك العمليات في الثقافات التقليدية الى تأثير الثقافات الديناميكية، حيث تتدخل هذه الأخيرة في قانون التخلي والاكتساب وتعدد مساره في ترك هذا العنصر واكتساب عنصر آخر يتوافق مع مصالحها. وتصبح عمليات التخلي والاكتساب من صنع الثقافة الديناميكية لأنها تظل في حالة غزو دائم للثقافات التقليدية.

والخلاصة فإن عمليات التخلي والاكتساب تتأثر بقانون الانتشار الثقافي الذي يتم بناء على أسلوبين أو آليتين:

- الأسلوب العفوي الاختياري الذي يؤدي إلى انتقال العناصر الثقافية عن طريق الاحتكاك والاتصال والحوار الثقافي.

- الأسلوب الإجباري أو القسرى الذي يؤدي إلى انتقال العناصر الثقافية إما بسبب الحاجة أو بالضغط والإكراه القسري.

عندما نقرأ فكر الأستاذ نلاحظ أنه تكلم عن انتشار الثقافة المجردة بين مجموعة من المثقفين العرب ويرجع ذلك إلى انتشار الثقافة الغربية أيضا. وقد كتب عن هذه الظاهرة في أكثر من مكان من دراساته ومقالاته. وأشار إلى دورها السلبي في جعل الفئات المثقفة بهذه الثقافات ترى الوضع العربي وقضاياه وتخلفه وتجزئته بمنظار لا يمكنها من رؤيته رؤية سليمة. وعلى العكس من ذلك فأن هؤلاء يصبحون خطرا على مجتمعهم العربي. لأنهم في نهاية المطاف يحسبون لصالح القوى التي تعطل مسار النضال العربي الحقيقي من أجل وضعه في موضعه الحقيقي.

لذلك قلنا القول السابق عن الثقافة وبينا آثارها المباشرة وغير المباشرة على تفكير الإنسان، لنؤكد وجهة نظر الأستاذ الصحيحة عن الأذى الذي تحدثه الثقافة الغربية في تفكير النفر الذي يتلقى التثقيف بها بعيدا عن ثقافته العربية. وهذا ليس معناه أن الأستاذ طالب باكتفاء المثقف العربي على ثقافته فقط. وإنما دعاه الأستاذ إلى الاستفادة من تلك الثقافات،ولكن على أن تكون رؤيته الواقع العربي من خلال مفاهيم ومصطلحات واطروحات نابعة من الحياة العربية. وقلنا ذلك أيضا من أجل أن نوضح بعد حين أن الثقافة غير الحضارة رغم اشتراكهما في عناصر وسمات كثيرة. ومع ذلك فأن ثمة علاقة بين الحضارة والثقافة تصل إلى حد التداخل بينهما بحيث يصعب القول أن هذا العنصر ثقافي والآخر حضاري. وفي هذه التوضيحات رؤية أدق للحضارة والدور الحضاري.



* د. عز الدين الدياب، عربي سوري، من مواليد بلدة بسيرين - محافظة حماه عام 1938.

- حصل على بكالوريوس علم الاجتماع من جامعة القاهرة وبغداد. دبلوم الدراسات العليا في العلوم المستقبلية

من جامعة غرو نوبل - فرنسا. دكتوراه دولة في علم الاجتماع السياسي.

- عمل مفتشاً للتربية الاجتماعية، ثم مدرساً جامعياً وشغل مهاماً عدة في جامعة الدول العربية آخرها: (مديراً

لإدارة التنمية الاجتماعية).

- له الكثير من الدراسات السياسية والاجتماعية والقومية والمستقبلية المتخصصة في القضايا العربية المعاصرة، منها:

- التحليل الاجتماعي لظاهرة الانقسام السياسي في الوطن العربي، حزب البعث العربي الاشتراكي أنموذجاً.

- أكرم الحوراني كما أعرفه. جامعة المستقبل التي يحتاجها الوطن العربي.

منقول


التوقيع




مع تحيات
رشاد ابوجامع فرغلى حسن ( رشاد الفقيه)








تم تحرير هذا الرد بواسطة رشاد الفقيه
في : 2008-04-13 01:51:24

13/04/2008 - 01:48 صباحاً

رد مع اقتباس


#9 رد :للمساعده

رشاد الفقيه

المشرف العام


الصورة الشخصية لـرشاد الفقيه


الهوية الشخصية
رقم العضوية : 1
المشاركات : 10420
الزيارات : 2044
الانضمام : 7/5/2007
النوع : ذكـــــر
الحالة : غير متصل



إعداد:
د. محمد جاسم فلحي الموسوي


المحتويات
المبحث الأول:مفهوم الاتصال
المبحث الثاني:تطور نظريات الاتصال
المبحث الثالث:القائم بالاتصال ونظرية(حارس البوابة)
المبحث الرابع:وسائل الأعلام وتأثيرها على المجتمعات
((نظرية مارشال ماكلوهان))
المبحث الخامس: نظرية التقمص الوجداني
المبحث السادس:نظريات الإعلام والسلطة
المبحث السابع:نظريات الإعلام في الدول النامية
المصادر والمراجع





المبحث الأول
مفهوم الاتصال


أولاً: تعريف الاتصال
يعود أصل كلمة COMMUNICATION في اللغات الأوروبية- والتي اقتبست أو ترجمت إلى اللغات الأخرى وشاعت في العالم- إلى جذور الكلمة اللاتينية COMMUNIS التي تعني "الشيء المشترك"، ومن هذه الكلمة اشتقت كلمة COMMUNE التي كانت تعني في القرنين العاشر والحادي عشر "الجماعة المدنية" بعد انتزاع الحق في الإدارة الذاتية للجماعات في كل من فرنسا وإيطاليا، قبل أن تكتسب الكلمة المغزى السياسي والأيديولوجي فيما عرف بـ "كومونة باريس" في القرن الثامن عشر؛ أما الفعل اللاتيني لجذر الكلمة COMMUNICARE فمعناه "يذيع أو يشيع " ومن هذا الفعل اشتق من اللاتينية والفرنسية نعت COMMUNIQUE الذي يعني "بلاغ رسمي" أو بيان أو توضيح حكومي.
ويمكن وصف الاتصال بأنه سر استمرار الحياة على الأرض وتطورها، بل أن بعض الباحثين يرى ( أن الاتصال هو الحياة نفسها)، وعلى الرغم من أن الجنس البشرى لا ينفرد وحده بهذه الظاهرة، حيث توجد أنواع عديدة من الاتصال بين الكائنات الحية، بيد أن الاتصال بين البشر شهد تنوعاً في أساليبه، وتطوراً مذهلا في المراحل التاريخية المتأخرة.
ومع تعدد التعريفات التي وضعت من قبل الباحثين لمفهوم الاتصال (Communication ) فأننا يمكن أن نعتمد تعريفا مبسطا وشاملا للاتصال هو: (أن الاتصال عملية يتم بمقتضاها تفاعل بين مرسل ومستقبل ورسالة في مضامين اجتماعية معينة، وفي هذا التفاعل يتم نقل أفكار ومعلومات ومنبهات بين الأفراد عن قضية، أو معني مجرد أو واقع معين )
والاتصال عملية مشاركة(Participation) بين المرسل والمستقبل، وليس عملية نقل(Transmision )إذ أن النقل يعني الانتهاء عند المنبع،أما المشاركة فتعني الازدواج أو التوحد في الوجود، وهذا هو الأقرب إلى العملية الاتصالية، ولذا فأنه يمكن الاتفاق على أن الاتصال هو عملية مشاركة في الأفكار والمعلومات، عن طريق عمليات إرسال وبث للمعنى، وتوجيه وتسيير له، ثم استقبال بكفاءة معينة، لخلق استجابة معينة في وسط اجتماعي معين.وتتفق أغلب الدراسات التي تناولت هذا الموضوع، منذ ما يزيد على نصف قرن، وحتى الوقت الراهن، على تقسيم الاتصال إلى أنواع أو نماذج عدة، من أبرزها :
الاتصال الذاتي والاتصال الشخصي والاتصال الجمعي والاتصال الجماهيري (الإعلامي)، وهذا النوع الأخير من الاتصال، وبشكله العصري التقني يتجاوز اللقاء المباشرة، والتفاعل الاجتماعي وجها لوجه، وذلك باستخدام وسائل تقنية معقدة باهظة التكاليف، كالطباعة والإذاعة المسموعة والتلفزيون والسينما فضلا عن منظومة الاتصالات والمعلومات عبر الأقمار الاصطناعية،وشبكة الإنترنيت.
وقد تعددت المفاهيم التي طرحت لتحديد معنى الاتصال بتعدد المدارس العلمية والفكرية للباحثين في هذا المجال، وبتعدد الزوايا والجوانب التي يأخذها هؤلاء الباحثون في الاعتبار، عند النظر إلى هذه العملية، فعلى المستوى العلمي البحثي يمكن القول بوجود مدخلين لتعريف الاتصال:
المدخل الأول:
ينظر إلى الاتصال على أنه عملية يقوم فيها طرف أول (مرسل) بإرسال رسالة إلى طرف مقابل(مستقبل) بما يؤدي إلى أحداث اثر معين على متلقي الرسالة.
المدخل الثاني:
يرى أن الاتصال يقوم على تبادل المعاني الموجودة في الرسائل، والتي من خلالها يتفاعل الأفراد من ذوي الثقافات المختلفة، وذلك من أجل إتاحة الفرصة لتوصيل المعنى، وفهم الرسالة.
والمدخل الأول يهدف إلى تعريف المراحل التي يمر بها الاتصال، ويدرس كل مرحلة على حدة، وهدفها وتأثيرها على عملية الاتصال ككل.
أما التعريف الثاني فهو تعريف بناءي أو تركيبي، حيث يركز على العناصر الرئيسية المكونة للمعنى، والتي تنقسم بدورها إلى ثلاث مجموعات رئيسية:
أ- الموضوع: إشارته ورموزه.
ب- قاريء الموضوع والخبرة الثقافية والاجتماعية التي كونته، والإشارات والرموز التي يستخدمها.
ج- الوعي بوجود واقع خارجي يرجع إليه الموضوع.

وفي ضوء المدخل الأول عرف بعض الباحثين الاتصال بالنظر إليه كعملية يتم من خلالها نقل معلومات أو أفكار معينة بشكل تفاعل من مرسل إلى مستقبل بشكل هادف، ومن نماذج هذه التعريفات:
1· الاتصال هو العملية التي يتم من خلالها نقل رسالة معينة أو مجموعة من الرسائل من مرسل أو مصدر معين إلى مستقبل،أما الاتصال الجماهيري فهو ذلك النمط من الاتصال الذي يتم بين أكثر من شخصين لإتمام العملية الاتصالية، والتي غالبا ما تقوم بها المؤسسات أو الهيئات عن طريق رسائل جماهيرية.
2· الاتصال هو نقل أو انتقال للمعلومات والأفكار والاتجاهات أو العواطف من شخص أو جماعة لآخر أو لآخرين، من خلال رموز معينة.
3· الاتصال يعرف على أنه عملية تحدد الوسائل والهدف الذي يتصل أو يرتبط بالآخرين، ويكون من الضروري اعتباره تطبيقا لثلاثة عناصر:العملية-الوسيلة-الهدف.
4· الاتصال عملية تفاعل بين طرفين من خلال رسالة معينة،فكرة، أو خبرة،أو أي مضمون اتصالي آخر عبر قنوات اتصالية ينبغي أن تتناسب مع مضمون الرسالة بصورة توضح تفاعلا مشتركا فيما بينهما.

وفي ضوء المدخل الثاني الذي ينظر إلى الاتصال على أنه عملية تبادل معاني يعرف بعض الباحثين الاتصال كعملية تتم من خلال الاتكاء على وسيط لغوي، حيث أن كلاً من المرسل والمستقبل يشتركان في إطار دلالي واحد، بحيث ينظر إلى الاتصال هنا على أنه عملية تفاعل رمزي، ومن نماذج هذه التعريفات:

1·الاتصال تفاعل بالرموز اللفظية بين طرفين: أحدهما مرسل يبدأ الحوار، وما لم يكمل المستقبل الحوار، لا يتحقق الاتصال، ويقتصر الأمر على توجيه الآراء أو المعلومات، من جانب واحد فقط، دون معرفة نوع الاستجابة أو التأثير الذي حدث عند المستقبل.
2· الاتصال عملية يتم من خلالها تحقيق معاني مشتركة (متطابقة) بين الشخص الذي يقوم بالمبادرة بإصدار الرسالة من جانب، والشخص الذي يستقبلها من جانب آخر.
تعريف الإعلام:
الإعلام جزء من الاتصال، فالاتصال أعم وأشمل، ويمكن تعريف الإعلام بأنه: تلك العملية الإعلامية التي تبدأ بمعرفة المخبر الصحفي بمعلومات ذات أهمية، أي معلومات جديرة بالنشر والنقل، ثم تتوالى مراحلها: تجميع المعلومات من مصادرها، ثم نقلها، والتعاطي معها وتحريرها، ثم نشرها وإطلاقها أو إرسالها عبر صحيفة أو وكالة أو إذاعة أو محطة تلفزة إلى طرف معني بها ومهتم بوثائقها.
إذن لابد من وجود شخص أو هيئة أو فئة أو جمهور يهتم بالمعلومات فيمنحها أهمية على أهميتها، ويكون الإعلام عن تلك العملية الإعلامية التي تتم بين ميدان المعلومات وبين ميدان نشرها أو بثها.
ثانياً: عناصر عملية الاتصال:
أن النظر إلى الاتصال كعملية مشاركة، يعني أن الاتصال لا ينتهي بمجرد أن تصل الرسالة من المصدر (المرسل) إلى المتلقي (المستقبل)، كما يعني أن هناك العديد من العوامل الوسيطة بين الرسالة والمتلقي، بما يحدد تأثير الاتصال؛ من جهة أخرى فأن كلا من المرسل والمتلقي يتحدث عن موضوع معين أو موضوعات معينة فيما يعرف بالرسالة أو الرسائل، ويعكس هذا الحديث ليس فقط مدى معرفة كل منها بالموضوع أو الرسالة، ولكن أيضا يتأثر بما لديه من قيم ومعتقدات، وكذلك بانتماءاته الاجتماعية الثقافية، مما يثير لديه ردود فعل معينة تجاه ما يتلقاه من معلومات وآراء، ويحدد أيضا مدى تأثره بهذه المعلومات والآراء.
في هذا الإطار المركز تطورت النماذج التي تشرح وتفسر عملية الاتصال بعناصرها المختلفة، حيث ظهر في البداية النموذج الخطي أو المباشر الذي يرى أن تلك العناصر هي: المرسل والرسالة والمستقبل، ولكن الدراسات التي أجريت منذ الأربعينيات، من القرن الماضي، بينت مدى قصور ذلك النموذج، وحطمت النظرية القائلة بأن لوسائل الإعلام تأثيراً مباشراً على الجمهور.
لقد ظهرت العديد من النماذج والتي تطورت من الطبيعة الثنائية إلى الطبيعة الدائرية، والتي على ضوئها تتكون عملية الاتصال من ستة عناصر أساسية هي:
1- المصدر
2- الرسالة
3- الوسيلة
4- المتلقي (المستقبل)
5- رجع الصدى أو رد الفعل
6- التأثير

وفيما يلي نبذة موجزة عن هذه العناصر:

1-المصدر أو المرسل(SOURCE):
ويقصد به منشيء الرسالة، وقد يكون المصدر فردا أو مجموعة من الأفراد وقد يكون مؤسسة أو شركة، وكثيرا ما يستخدم المصدر بمعنى القائم بالاتصال، غير أن ما يجدر التنويه إليه هنا أن المصدر ليس بالضرورة هو القائم بالاتصال، فمندوب التلفزيون قد يحصل على خبر معين من موقع الأحداث، ثم يتولى المحرر صياغته وتحريره، ويقدمه قارئ النشرة إلى الجمهور، في هذه الحالة وجدنا بعض دراسات الاتصال يذهب إلى أن كل من المندوب والمحرر وقارئ النشرة بمثابة قائم بالاتصال، وأن اختلف الدور، بينما يذهب نوع آخر من الدراسات إلى أن القائم بالاتصال هو قارئ النشرة فقط، أي أنه بينما يوسع البعض مفهوم القائم بالاتصال ليشمل كل من يشارك في الرسالة بصورة أو بأخرى، فأن البعض الآخر يضيّق المفهوم قاصراً إياه على من يقوم بالدور الواضح للمتلقي.

2- الرسالة(MESSAGE):
وهي المعنى أو الفكرة أو المحتوى الذي ينقله المصدر إلى المستقبل، وتتضمن المعاني والأفكار والآراء التي تتعلق بموضوعات معينة، يتم التعبير عنها رمزيا سواء باللغة المنطوقة أو غير المنطوقة، وتتوقف فاعلية الاتصال على الفهم المشترك للموضوع واللغة التي يقدم بها، فالمصطلحات العلمية والمعادلات الرياضية المعقدة الخاصة بالكيمياء الحيوية مثلاً، تكون مفهومة بين أستاذ الكيمياء وطلابه، أما إذا تحدث نفس الأستاذ عن الموضوع مع طلاب الإعلام والاتصال لا يكون الأمر كذلك، فهناك فجوة أو عدم وجود مجال مشترك للفهم بين المرسل والمستقبل، والمنطق نفسه إذا كأن الأستاذ يلقي محاضرة بلغة لا يفهمها أو لا يعرفها الحاضرون، أو إذا استخدم إيماءات وإشارات ذات دلالة مختلفة لهم.
من جهة أخرى تتوقف فاعلية الاتصال على الحجم الإجمالي للمعلومات المتضمنة في الرسالة، ومستوى هذه المعلومات من حيث البساطة والتعقيد، حيث أن المعلومات إذا كانت قليلة فأنها قد لا تجيب على تساؤلات المتلقي، ولا تحيطه علماً كافياً بموضوع الرسالة، الأمر الذي يجعلها عرضة للتشويه، أما المعلومات الكثيرة فقد يصعب على المتلقي استيعابها ولا يقدر جهازه الإدراكي على الربط بينها.

3- الوسيلة أو القناة(CHANNEL):
وتعرف بأنها الأداة التي من خلالها أو بواسطتها يتم نقل الرسالة من المرسل إلى المستقبل، وتختلف الوسيلة باختلاف مستوى الاتصال، فهي في الاتصال الجماهيري تكون الصحيفة أو المجلة أو الإذاعة أو التلفزيون، وفي الاتصال الجمعي مثل المحاضرة أو خطبة الجمعة أو المؤتمرات تكون الميكرفون، وفي بعض مواقف الاتصال الجمعي أيضا قد تكون الأداة مطبوعات أو شرائح أو أفلام فيديو، أما في الاتصال المباشر فأن الوسيلة لا تكون ميكانيكية (صناعية) وإنما تكون طبيعية، أي وجها لوجه.
4- المتلقي أو المستقبلRECEIVER
وهو الجمهور الذي يتلقى الرسالة الاتصالية أو الإعلامية ويتفاعل معها ويتأثر بها، وهو الهدف المقصود في عملية الاتصال، ولا شك أن فهم الجمهور وخصائصه وظروفه يلعب دورا مهما في إدراك معنى الرسالة ودرجة تأثيرها في عقلية ذلك الجمهور، ولا يمكن أن نتوقع أن الجمهور يصدق وينصاع تلقائيا للرسالة الإعلامية، فهو قد يرفضها أو يستجيب لها، إذا كانت تتفق مع ميوله واتجاهاته ورغباته، وقد يتخذ بعض الجمهور موقف اللامبالاة من الرسالة ولا يتفاعل معها.
5- رجع الصدى أو رد الفعلFEED BACK
يتخذ رد الفعل اتجاها عكسيا في عملية الاتصال، وهو ينطلق من المستقبل إلى المرسل، وذلك للتعبير عن موقف المتلقي من الرسالة ومدى فهمه لها واستجابته أو رفضه لمعناها، وقد أصبح رد الفعل مهما في تقويم عملية الاتصال، حيث يسعى الإعلاميون لمعرفة مدى وصول الرسالة للمتلقي ومدى فهمها واستيعابها.
6- التأثيرEFFECTIVE
التأثير مسالة نسبية ومتفاوتة بين شخص وآخر وجماعة وأخرى، وذلك بعد تلقي الرسالة الاتصالية وفهمها، وغالبا ما يكون تأثير وسائل الاتصال الجماهيرية بطيئاً وليس فوريا، كما يعتقد البعض، وقد يكون تأثير بعض الرسائل مؤقتاً وليس دائماً، ومن ثم فإن التأثير هو الهدف النهائي الذي يسعى إليه المرسل وهو النتيجة التي يتوخى تحقيقها القائم بالاتصال. وتتم عملية التأثير على خطوتين، الأولى هي تغيير التفكير، والخطوة الثانية هي تغيير السلوك.

ثالثاً: وظائف وسائل الإعلام
أصبح دور وسائل الإعلام في المجتمع مهم وخطير جداً، إلى درجة خصصت جميع الحكومات أقساماً ودوائر ووزارات إعلام تتولى تحقيق أهداف داخلية وخارجية عن طريق تلك الوسائل، ومن تلك الأهداف الداخلية رفع مستوى الجماهير ثقافياً، وتطوير أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية.
أما خارجياً فمن أهداف دوائر الإعلام تعريف العالم بحضارة الشعوب ووجهات نظر الحكومات في المسائل الدولية.
ولم يقتصر اهتمام الحكومات بوسائل الإعلام، بل أن مؤسسات اجتماعية وسياسية واقتصادية اهتمت بها، ووجدت أن تلك الوسائل تخدمها وتخدم أهدافها وتساعد في ازدهارها.
وليس أدل على أهمية الإعلام ووسائله مما أصبح معروفاً في العالم، من أن الدولة ذات الإعلام القوي تعتبر قوية وقادرة، فلقد أصبح الإعلام عاملاً رئيسيا في نفوذ بعض الدول، وبخاصة تلك التي وجدت فيه إحدى دعاماتها الرئيسية، وقدمته على باقي دعائم الدولة.
وسبب كل ذلك هو أن وسائل الإعلام مؤثرة في الجماهير وفاعلة سلباً أو إيجاباً؛ فما هي وظائف تلك الوسائل؟
للإعلام خمس وظائف رئيسية هي:
1- الوظيفة الإخبارية
2-التوجيه وتكوين المواقف والاتجاهات.
3- زيادة الثقافة والمعلومات.
4- تنمية العلاقات الإنسانية وزيادة التماسك الاجتماعي.
5- لترفيه وتوفير سبل التسلية وقضاء أوقات الفراغ.
6- الإعلان والدعاية.
وفيما يأتي نوضح هذه الوظائف بنوع من التفصيل:

الوظيفة الإخبارية: تعني قيام وسائل الإعلام الجماهيرية بنقل الأحداث والقضايا المهمة، ومتابعة تطوراتها وانعكاساتها على المجتمع، وذلك لتلبية حاجة الإنسان الطبيعية لمعرفة البيئة المحيطة به، ومعرفة الحوادث الجارية من حوله، ويكاد المضمون الإخباري يشكل النسبة الرئيسية السائدة اليوم في وسائل الإعلام التي يفترض أن تقوم بتغطية تلك الأحداث بحيادية ودقة ومصداقية، لكي تحظى باحترام الجمهور.

التوجيه وتكوين المواقف والاتجاهات:
من المتعارف عليه أن المدرسة تتولى مهمة التوجيه، بعد العائلة، باعتبار أن الطالب يقضي قسما مهما من حياته فيها؛ لكن المجتمع بجميع مؤسساته الأسرية والعائلية والاجتماعية والدينية والاقتصادية له دور كبير في مجال التوجيه، وتكوين المواقف والاتجاهات الخاصة بكل فرد.
من هنا تتلاقى تلك المؤسسات مع المدرسة في مهمة التوجيه وتكوين المواقف والاتجاهات، خاصة وأن المجتمع ليس كله طلابا، ولا يتاح عادة لكل افراد المجتمع دخول المدارس أو الاستمرار في الدرس والتحصيل.
وإذا كانت المدرسة تقوم بمهمتها تلك عن طريق الهيئة التعليمية والكتاب، فأن توجيه المجتمع يمارس بشكل مباشر وغير مباشر على السواء عن طريق وسائل الإعلام المنتشرة عادة، فكلما كانت المادة الإعلامية ملائمة للجمهور لغة ومحتوى، ازداد تأثيرها، فلا يعقل مثلا أن تخاطب الذين لا يجيدون اللغة العربية باللغة الفصحى، ولا الذين ليس لديهم مستوى ثقافي معين بالمنطق وعلم الكلام والحجج الفكرية والفلسفية.

زيادة الثقافة والمعلومات:
التثقيف العام هدفه زيادة ثقافة الفرد بواسطة وسائل الإعلام، وليس بالطرق والوسائل الأكاديمية التعليمية، والتثقيف العام يحدث في الإطار الاجتماعي للفرد سواء كأن ذلك بشكل عفوي وعارض أم بشكل مخطط ومبرمج ومقصود.
والتثقيف العفوي هو مواجهة دائمة من جانب وسائل الإعلام للفرد، هذه المواجهة تقدم له ـ بدون أن يكون هو المقصود بالذات ـ معلومات وأفكار وصور وآراء، وهذا يحدث عندما يتجول الطالب في ساحة ملعب جامعته فيفاجأ بجريدة حائط أو بتلفزيون نادي الجامعة أو باللافتات المرفوعة في أماكن من الجامعة، وكلها تحمل عبارات تلفت نظره، فيندفع في قراءتها أو متابعتها فتعلق بعض الكلمات في ذهنه ويأخذ ببعض الآراء.
أما التثقيف المخطط فهو حصيلة وظيفتي التوجيه والتبشير؛ لكن هناك بعض الحالات تقع في دائرة التثقيف المخطط كالبرامج الزراعية التي هي عبارة عن حلقات إرشاد للمزارعين يدعون إليها أو تبث إليهم عبر الإذاعة أو التلفزيون.

الاتصال الاجتماعي والعلاقات البينية:
ويعرف الاتصال الاجتماعي عادة بالاحتكاك المتبادل بين الأفراد بعضهم مع بعض، هذا الاحتكاك هو نوع من التعارف الاجتماعي يتم عن طريق وسائل الإعلام التي تتولى تعميق الصلات الاجتماعية وتنميتها.
فعندما تقدم الصحف كل يوم أخبارا اجتماعية عن الأفراد أو الجماعات أو المؤسسات الاجتماعية والثقافية فأنها بذلك تكون صلة وصل يومية تنقل أخبار الأفراح من مواليد وزيجات، وأخبار الأحزان من وفيات وفشل وخسارة، وليست صفحة الولادات والوفيات والشكر بصفحة عابرة وغير مهمة في الصحف، بل أنها وسيلة للاتصال الاجتماعي اليومي بين جميع فئات الجماهير.
وهناك أمر ثان هو قيام وسائل الإعلام كلها تقريبا بتعريف الناس ببعض الأشخاص البارزين أو الذين هم في طريق الشهرة سواء في مجال السياسة أو الفن أو المجتمع أو الأدب.


الترفيه عن الجمهور وتسليته:
تقوم وسائل الإعلام فيما تقوم به من وظائف بمهمة ملء أوقات الفراغ عند الجمهور بما هو مسل ومرفه؛مثل الأبواب المسلية في الصحف أو البرامج الكوميدية في التلفزيون.
وفي الحالتين تأخذ وسائل الإعلام في اعتبارها مبدأ واضحا وهو أن برامج الترفيه والتسلية ضرورية لراحة الجمهور ولجذبه إليها، وحتى في مجال الترفيه هناك برامج وأبواب ترفيه موجه يمكن عن طريقها الدعوة إلى بعض المواقف ودعم بعض الاتجاهات أو تحويرها وحتى تغييرها، وهذا يتطلب بالطبع أساليب مناسبة من جانب وسائل الإعلام.

الإعلان والدعاية:
تقوم وسائل الإعلام بوظيفة الإعلان عن السلع الجديدة التي تهم المواطنين، كما تقوم بدور مهم في حقول العمل والتجارة عندما تتولى الإعلان عن وجود وظائف شاغرة أو وجود موظفين مستعدين للعمل، أو عندما تتولى الإعلان عن إجراء مناقصة أو وضع التزام موضع التنفيذ…الخ.
ولهذا استطاعت وسائل الإعلام على تنوعها من صحافة وتلفزيون وإذاعة وسينما، أمام تعقيد الحياة وتعدد ما فيها من اختراعات وصناعات واكتشافات أن تقوم بمهمة التعريف بما هو جديد وتقديمه إلى الجمهور وعرض فوائده وأسعاره وحسناته بشكل عام.
هذه هي الوظائف الاجتماعية لوسائل الإعلام، وهي وأن جرى حصرها في ست وظائف، لكن تبقى هناك مهمات تفصيلية أيضا لوسائل الإعلام تندرج تحت هذه الوظائف، فوسائل الإعلام في الواقع أصبحت تقوم مقام المعلم والمربي، وحتى الأب والأم في حالات كثيرة، فالبرامج التربوية والمدرسية وبرامج الأطفال وبرامج الطلاب وغيرها من برامج تبثها وسائل الإعلام، أنما تلتقي بوظيفة التثقيف، لكنها تتعدى تلك الوظيفة إلى ما هو أعمق وأعم واشمل، إلى درجة يمكن القول معها أن الفرد يولد وينمو قليلا حتى تتولاه وسائل الإعلام وترعاه وتقدم إليه ما يلزم من تثقيف وتوجيه وترفيه وإعلان وغير ذلك، وأحيانا تقدم إليه ما يسيء إلى نمو شخصيته وآرائه، فتنحرف بها أو تشوهها.




المبحث الثاني
تطور نظريات الاتصال


بذلت عدة محاولات علمية لتحليل عملية الاتصال ووصف أبعادها وعناصرها، وما يهمنا التأكيد عليه، في حدود هذه الدراسة، أن أغلب - إن لم نقل جميع- الدراسات التي تناولت موضوع الاتصال الجماهيري أكدت على أهمية الوسيلة الاتصالية ودورها المؤثر والرئيسي في عملية الاتصال الجماهيرية.
وفي هذا الصدد يمكن أن نشير إلى نموذج (ديفيد برلو) الذي يرى أن هناك أربعة عناصر تكون العملية الاتصالية وتشمل : المرسل والرسالة والوسيلة والمستقبل.ومن النماذج المهمة التي أسهمت في بناء نظريات الاتصال النموذج الذي قدمه (ولبر شرام ) في عام 1974 ف طوره في عام 1971 ف وفي هذا النموذج يقدم شرام العناصر الأساسية على النحو التالي :
أ)المصدر أو صاحب الفكرة.
ب)التعبير عن الفكرة ووضعها في شيفرة (Code) وصياغتها في رموز لتكوين الرسالة.
ت)المستقبل الذي يتلقى ويفك رموزها.
ث)الاستجابة أو الهدف ورجع الصدى الذي قد يصل أو لا يصل إلى المرسل أو صاحب الفكرة.
ويعتمد شرام في هذا النموذج على أفكار الباحثين شانون وويفر، وبخاصة فيما يتعلق برجع الصدى والتشويش، ويضيف من خلال نموذجه النظام الوظيفي لعملية الاتصال، كما قدم من خلال هذا النموذج مفاهيم مهمة مثل الإطار الدلالي والخبرة المشتركة وأهميتها في عملية الاتصال، وإلى ذلك،نجد أن المؤرخ والكاتب الإنجليزي ويلز (H.G. Wells ) يبين ((إن تطور التاريخ الإنساني هو ظاهرة اجتماعية واحدة تدفع بالإنسان إلى الاتصال بأخيه الإنسان، في مكان آخر أو مجتمع آخر، وهو بذلك ينظر إلى قصة التطور التاريخي البشري على أنها قصة تطور عملية الاتصال، ويقسمها إلى خمس مراحل وهي : الكلام، الكتابة، اختراع الطباعة، المرحلة العالمية، وأخيرا مرحلة الإذاعة والاتصال الإلكتروني، وفي هذه المرحلة الأخيرة لتطور الاتصال أصبح للوسائل الإلكترونية دوراً مهماً في حياة المجتمع، واستطاع الإنسان نقل أفكاره ومشاعره ومعلوماته عبر الحواجز الجغرافية المحدودة باستخدام أجهزة المذياع ثم التلفزيون، وأخيراً شبكة الإنترنيت.
ولعل نظرية مارشال ماكلوهان التي ظهرت قبل نحو أربعين عاما، ما تزال حتى اليوم أكثر النظريات الإعلامية انتشاراً ووضوحاً في الربط بين الرسالة والوسيلة الإعلامية، والتأكيد على أهمية الوسيلة في تحديد نوعية الاتصال وتأثيره، حيث يرى ماكلوهان(أن الوسيلة هي الرسالة) ويوضح أن مضمون وسائل الأعلام لا يمكن النظر إلية مستقلاً عن تقنيات الوسائل الإعلامية فالموضوعات، والجمهور التي توجه له مضمونها، يؤثران على ما تقوله تلك الوسائل، ولكن طبيعة وسائل الأعلام التي يتصل بها الإنسان تشكل المجتمعات أكثر ما يشكلها مضمون الاتصال.
ويبين ماكلوهان أن وسائل الأعلام التي يستخدمها المجتمع أو يضطر إلى استخدامها ستحدد طبيعة المجتمع وكيف يعالج مشاكله، وأي وسيلة، أو امتداد للإنسان، تشكل ظروفاً وتؤثر على الطريقة التي يفكر بها الناس ويعلمون وفقا لها.
وعرض ماكلوهان أربع مراحل تعكس – في رأيه – التاريخ الإنساني وهي :
أ) المرحلة الشفوية: أي مرحلة ما قبل التعلم، أي المرحلة القبلية.
ب) مرحلة كتابة النسخ: التي ظهرت في اليونان القديمة واستمرت ألفي عام.
ت) عصر الطباعة: من سنة 1500 ف إلى سنة 1900 ف تقريبا.
ث) عصر وسائل الأعلام الإلكترونية من سنة 1900 م تقريباً حتى الوقت الحاضر.
إن طبيعة وسائل الأعلام المستخدمة في كل مرحلة تساعد على تشكيل المجتمع أكثر مما يساعد مضمون تلك الوسائل على هذا التشكيل.
ومن أهم ما جاء في نظرية ماكلوهان عن وسائل الاتصال، أنه يقسم هذه الوسائل إلى (وسائل باردة ) و (وسائل ساخنة ) ويقصد بالوسائل الباردة تلك التي تتطلب من المستقبل جهدا إيجابيا في المشاركة والمعايشة والاندماج فيها، أما الوسائل الساخنة،فهي تلك الوسائل الجاهزة المحددة نهائياً، فلا تحتاج من المشاهدة أو المستمع إلى جهد يبذل أو مشاركة أو معايشة، فالكتابة والتلفون والتلفزيون وسائل باردة، أما الطباعة والإذاعة والسينما فهي وسائل ساخنة. وإذا لم يكن بوسع المرء أن يتفق مع كل ما جاء به ماكلوهان من أفكار يسميها هو اختبارات أكثر منها نظريات،وإذا لم تكن (الوسيلة هي الرسالة ) فمن الواضح أنها أخطر من مجرد أداة لزيادة عدد الجماهير من القراء والمستمعين والمشاهدين، وإذا كان من الصعب أيجاد دليل قوى لا ثبات هذه الأفكار أو رفضها، فأنها على الأقل تجعلنا نتساءل عما إذا كانت وسائل الأعلام لها القدرة على تغيير الإنسان.
وفي الوقت الذي يشير فيه ماكلوهان إلى أن وسائل الأعلام الإلكترونية ساعدت في انكماش الكرة الأرضية وتقلصها في الزمان والمكان، حتى أصبحت توصف بـ ( القرية العالمية Global Village ) وبالتالي زاد وعي الإنسان بمسؤوليته إلى درجة قصوى، فأنه يرى أيضا،أن هذه الحالة الجديدة أدت إلى ما يمكن تسميته بـ(عصر القلق) لأن الثورة الإلكترونية الفورية الجديدة تجبر الفرد على الالتزام والمشاركة بعمق،وبغض النظر عن وجهة النظر التي يتبناها، فوجهة النظر الخاصة الجزئية مهما كان مقصدها لن تغير في عصر الكهرباء والإلكترون الآلي الفوري، وربما يكون هذا الرأي وغيره يمثل الأرضية التي نبع منها مفهوم (العولمة) الذي أصبح يتردد في السنوات الأخيرة، وكان أحد الباحثين قد اسماه من قبل بـ ( لحظنة التواصل الحضاري الإعلامي ).
((سوف نتعرض لنظرية ماكلوهان بالتفصيل في المبحث الرابع))
وإلى جانب ذلك فأن أفكار ماكلوهان أصبحت في السنوات الأخيرة، موضع انتقاد أو تعديل أو تشكيك من قبل بعض الباحثين، وفي هذا الصدد يرى (ريتشارد بلاك) أن (القرية العالمية ) التي زعم ماكلوهان وجودها، لم يعدلها وجود حقيقي في المجتمع المعاصر.
ويوضح ((أن التطور التقني الذي استند إلية ماكلوهان عند وصفة للقرية العالمية استمر في مزيد من التطور، بحيث أدي إلى تحطيم هذه القرية العالمية وتحويلها إلى شظايا فالعلم الآن اقرب ما يكون إلى البناية الضخمة التي تضم عشرات الشقق السكنية التي يقيم فيها أناس كثيرون ولكن كل منهم يعيش في عزلة، ولا يدرى شيئا عن جيرانه الذين يقيمون معه في البناية نفسها )).
ويمكن أن يوصف هذا التطور بأنه تحول من(التجميع) إلى (التفتيت)أو اللامركزية، حيث أتاحت تقنيات الاتصال الحديثة المتمثلة في الأقمار الاصطناعية والحاسبات الإلكترونية ووصلات(المايكروويف) والألياف الضوئية عددا كبيرا من خدمات الاتصال خلال الاتصال العقدين الماضيين،مثل التلفزيون الكابلي التفاعلي، والتلفزيوني منخفض القوة و(الفيديو كاسيت) (الفيديويسك) وأجهزة التسجيل الموسيقي المتطورة، وخدمات (الفديوتكس) والتلتيكس) والاتصال المباشر بقواعد البيانات والهواتف النقالة والبريد الإلكتروني، التي اندمجت في شبكة الاتصالات المعروفة ب(الإنترنت)، وجمعيها وسائل تخاطب الأفراد وتلبي حاجاتهم ورغباتهم الذاتية، وقد نتج عن هذه التقنية الجديدة تقلص أعداد الجماهير التي تشاهد برامج الشبكات الرئيسية وخدمات الإذاعة المسموعة والتلفزيون التي تعمل بنظام البث الهوائي التقليدي.
لقد ظل الاتجاه الرئيسي لوسائل الاتصال الجماهيرية، حتى ما قبل عشرين عاما، يميل إلى توحيد الجماهير Massification بمعنى نقل الرسائل الاتصالية نفسها إلى قطاعات جماهيرية واسعة، أو توحيد الرسائل وتعدد الجماهير المستقبلة لهذه الرسائل.
أما الاتجاه الجديد للاتصال وتدفق المعلومات على الصعيد العالمي، فقد بدأ يتجه نحو لا مركزية الاتصال، بمعنى تقديم رسائل متعددة تلاؤم الأفراد أو الجماعات الصغيرة المتخصصة، وتتخذ هذه اللامركزية للرسائل مظهرين :
المظهر الأول: يتحكم فيه المرسل.
والمظهر الثاني: يتحكم فيه المستقبل.
ويمكن إتاحة كل منهما عن طريق الربط بالحاسبات الإلكترونية لتوفر خدمات مختلفة من الاتصال وتبادل المعلومات، تبدأ من الصحافة المطبوعة أو نقل النصوص المكتوبة، وتمتد إلى شكل البرامج التلفزيونية والأفلام السينمائية، ويمكن نقل هذه المعلومات عبر مسافات شاسعة وبسرعة فائقة، عن طريق استخدام الاتصال الكابلي والأقمار الاصطناعية.
ويرى الباحث الفن توفلر:أن البنية الأساسية الإلكترونية في أقطار الاقتصاد المتقدم سوف تتميز بستة سمات تمثل مفاتيح المستقبل هي.
أ)التفاعليةInteractivity:.
ب) قابلية التحرك أو الحركةMobility:.
ت) قابلية التحويل:Convertibility.
ث)التوصيلية:Connectivity.
ج)الشيوع والانتشار:Ubiquity
ح)التدويل:Globalization
ويوضح توفلر لقد كانت الآثار التجانسية لوسائل الأعلام الجماعي في ذروة قوتها عندما لم تكن هناك سوى قنوات قليلة ووسائل إعلامية قليلة، ومن ثم قلة من فرص الاختيار أمام المستمعين أو المشاهدين أما في المستقبل فأن الوضع العكس هو الذي يسود ومع أن محتوى كل برنامج على حدة قد يكون جيدا أو رديئا إلا أن أهم (محتوى) جديد على الإطلاق يتمثل في وجود التنوع نفسه.
أن التحول من فرص الاختيار الأقل إلى الفرص الأكثر تعددا في مجال الأعلام لا يحمل مدلولات ثقافية فحسب بل سياسية أيضا، وتواجه حكومات الدول ذات التقنية المتقدمة مستقبلا ستتعرض فيه شعوبها إلى وابل متصل من الرسائل المتعددة المتعارضة المخصوصة، الثقافية منها والسياسية والتجارية، بدلا من رسالة واحدة ترددها قلة من الشبكات الإعلامية العملاقة في صوت واحد.
أن (سياسة التعبئة الجماعية ) و(هندسة الموافقة) كلتيهما تصبحان الآن أصعب بكثير في محيط وسائل الأعلام الجديد، واتساع مجال الاختيار الإعلامي أمام المستمعين والنظارة هو حد ذاته شيء ديمقراطي لزوما فأنه يمثل مشكلة للسياسيين الذين يقدمون لأتباعهم محيطا لا اختيار فيه.
ويمكن القول أن التطورات التقنية الكبيرة في مجال الاتصال الجماهيري، وتعدد قنوات الاتصال والمعلومات أدى إلى ما يمكن تسميته بـ(عصر الشاشة) فالوسائل المطبوعة والمقروءة والمسموعة والمرئية أصبحت مندمجة في شاشة التلفزيون أو الحاسوب (الكومبيوتر)الشخصي، حيث يستطيع المتلقي قراءة كتاب أو صحيفة أو مجلة ومشاهدة مسرحية أو فلم خطاب سياسي، على هذه الشاشة، وفي اغلب الأحيان، بصورة فردية، كما أنه يستطيع إلى حد بعيد الاختيار من بين بدائل عديدة في الوقت نفسه.
وتفترض الاتجاهات الحالية والمستقبلية لتطور وسائل الاتصال نمو أحد تصورات ثلاثة لوضع الاتصال خلال القرن الحادي والعشرين، وتشمل هذه التصورات ما يلي:
1- تكريس اللامركزية في الإرسال والاستقبال : وينبني هذا التصور على ظهور خدمات الاتصال الجديدة، التي توجه رسائل متخصصة تلبي الميول والنزعات الفريدة، مثل التلفزيون (الكابلي ) التفاعلي و(الفيديو تكس ) و(الفيديو كاسيت ) وهناك إقبال متزايد من جانب الأفراد على امتلاك هذه الوسائل، الاستعاضة بها عن الاتصال المباشر مع أفراد آخرين وتتمثل مظاهر التفتت في فئات المستقبلين، في ميل الأفراد إلى الانعزال،كما أن وسائل الاتصال الجديدة تمنح الأفراد القدرة على خلق بيئة الاتصال التي تناسبهم، وادي ظهور هذه الوسائل الجديدة إلى تناقص المعرفة التي يحصل عليها عن طريق التعرض العشوائي لمواد الاتصال، وتناقص الاتصال الجدلي بين الجماعات والطبقات ليحل محلة اتصال متزايد داخل كل جماعة أو فئة.
2- تكريس الهيمنة والاندماج لوسائل الاتصال ويقوم هذا التصور على اتجاه وسائل الاتصال الجماهيري إلى التركيز في كيانات ضخمة وملكية مشتركة ومتعددة الجنسية، وهناك : أسباب عديدة لزيادة الاتجاه نحو الهيمنة والاندماج منها : قوانين الضرائب، والحاجة إلى خبرات ضخمة والرغبة في تحقيق الاستمرار المالي والوقاية ضد مخاطر المستقبل والقضاء على الشركات المنافسة.
3-التوافق بين التقنية القديمة والحديثة، ويستند هذا التصور إلى أن تقدم التقنية الجديدة يسد جوانب النقص في التقنية القديمة وتلبية الحاجات الفردية، مع عدم إهمال الإحساس بالمشاركة العامة والأهداف القومية، في إطار عملية مستمرة من الاستكشاف العقلي والمناظرات المفيدة التي تتيح تبادل الخبرات وتدعم الديمقراطية المعلومات.




المبحث الثالث
القائم بالاتصال
ونظرية(حارس البوابة)


أولاً: دراسات القائم بالاتصال(المرسل)
أصبحت المؤسسات الإعلامية في القرن الحادي والعشرين شبكات اتصال ضخمة تتصارع داخلها المصالح، كما أن كل مؤسسة هي في حد ذاتها نظام معقد للسلطة والنفوذ والمراكز، وحينما ندرس ما يحدث داخل الجريدة أو محطة الإذاعة أو محطة التليفزيون نشعر بالدهشة من مدى تعقد وتشابك أعمالها. ففي داخل تلك المؤسسات الإعلامية تتخذ يومياً، بل وفي كل دقيقة، قرارات مهمة وخطيرة.ونظراً لأهمية تلك القرارات بالنسبة للجماهير يجب أن نعرف الأسلوب الذي يتم بمقتضاه اتخاذ القرارات، والمراكز أو المناصب التي تنفذ فعلاً تلك القرارات، وطبيعة القائم بالاتصال، والأمور التي تؤثر على اختيار المواد الإعلامية، والقيم والمستويات التي يعتنقها القائمون بالاتصال.
والواقع أنه من الصعب علينا أن نفسر السبب في إهمال الباحثين حتى وقت قريب لدراسة ما يحدث داخل المؤسسات الإعلامية ودراسة القائمين بالاتصال. وعلينا أن نعترف، عند تحديد تأثير الرسالة الإعلامية، بأن القائم بالاتصال لا يقل أهمية من مضمون الرسالة.ليس معنى هذا أن الباحثين لم يكتبوا عن رجال الأعلام القدامى، فالواقع أن تاريخ الصحافة حافل بتاريخ حياة أعلام الصحافة.كذلك تقوم الجامعات بتدريس ما يحدث داخل الجريدة أو أسلوب عملها لطلبة الصحافة.ولكن الذي نقصده هنا القيام بتحليل وسائل الأعلام كمؤسسات لها وظيفة اجتماعية ودراسة دور ومركز العامل بالجريدة، أي الصحفي، والظروف أو العوامل التي تؤثر على اختيار مضمون الصحف.فالأخبار هي ما يصنعه الصحفيون، ولكن كيف يصنع أولئك الصحفيون الأخبار ؟!.. وما هي الالتزامات ((المهنية )) أو ((الأخلاقية )) التي يفرضها الصحفي على نفسه، وما هي طبيعة السيطرة البيروقراطية التي تفرض نفسها عليه من قبل المؤسسة التي يعمل في إطارها؟
والواقع أن أول دراسة تتناول بالشرح قطاعا من القائمين بالاتصال بالمعنى الذي نقصده، هي دراسة روستن التي ظهرت في الولايات المتحدة تحت عنوان ((مراسلي واشنطن )) سنة 1937 وتعتبر دراسة كلاسيكية عن سيكولوجية المراسل الصحفي.ولكن في سنة 1941 نشرت مجلة (الصحافة) ربع السنوية التي تصدر في ولاية أيوا بالولايات المتحدة دراسة مهمة عن العاملين بجريدة ملواكي، وكان من الممكن أن تفتح هذه الدراسة الباب لإجراء دراسات مماثلة عن المؤسسات الإعلامية الأخرى،ولكن مضت فترة طويلة دون أن تظهر أبحاث تتناول بالدراسة القائمين بالاتصال ومؤسساتهم، حتى نشر الباحث الأمريكي ديفيد مانج وايت دراسته ((حارس البوابة وانتقاء الأخبار )) التي أعطت دفعة قوية للبحث في هذا المجال المهم.
ويرجع الفضل إلى عالم النفس النمساوي الأصل، الأمريكي الجنسية (كرت لوين) في تطوير ما أصبح يعرف بنظرية (حارس البوابة ) الإعلامية، فدراسات لوين تعتبر من أفضل الدراسات المنهجية في مجال حراسة البوابة.
يقول لوين: أنه على طول الرحلة التي تقطعها المادة الإعلامية حتى تصل إلى الجمهور هناك نقاط أو (بوابات ) يتم فيها اتخاذ قرارات بما يدخل وما يخرج، وأنه كلما طالت المراحل التي تقطعها الأخبار حتى تظهر في وسيلة الإعلام، ازدادت المواقع التي يصبح فيها متاحاً لسلطة فرد أو عدة أفراد تقرير ما إذا كانت الرسالة ستنتقل بنفس الشكل أو بعد إدخال بعض التغييرات عليها، لهذا يصبح نفوذ من يديرون هذه البوابات والقواعد التي تطبق عليها، والشخصيات التي تملك بحكم عملها سلطة التقرير، يصبح نفوذهم كبيراً في انتقال المعلومات. إن دراسة (حارس البوابة) هي في الواقع دراسة تجريبية ومنتظمة لسلوك أولئك الأفراد الذين يسيطرون في نقاط مختلفة، على مصير القصص الإخبارية.
ولكن من هم حراس البوابةGEET KEEPARS ؟.. أنهم الصحفيون الذين يقومون بجمع الأنباء، وهم مصادر الأنباء الذين يزودون الصحفيين بالأنباء، وهم أفراد الجمهور الذين يؤثرون على إدراك واهتمام أفراد آخرين من الجمهور للمواد الإعلامية، كل أولئك حراس بوابة، في نقطة ما، أو مرحلة ما من المراحل التي تقطعها الأنباء.
وقد أُجريت في الخمسينيات، من القرن العشرين، سلسلة من الدراسات المهمة ركزت على الجوانب الأساسية لعملية (حراسة البوابة ) دون أن تستخدم بالضرورة هذا الاصطلاح، وقدمت تلك الدراسات تحليلاً وظيفياً لأساليب السيطرة أو التحكم التنظيمي والاجتماعي في حجرة الأخبار، والإدراك المتناقض لدور ومركز أو وضع العاملين بالجريدة ومصادر أخبارهم، والعوامل التي تؤثر على اختيار المحررين وعرضهم للأخبار، قام بهذه الدراسات مجموعة من الباحثين الأمريكيين أمثال وارن بريد جاد Breed، روى كارتر Carter، وستارك Stark، وجيبر Gieber وروبرت جاد Judd ووايت White، وكن مكرورى Macrorie وغيرهم.
ونشر الباحث الأمريكي شارنلي ميتشل في سنة 1951 دراسة عن حجرات الأخبار الإذاعية والأفراد الذين يعملون بها، كما نشر الباحث سابين دراسة عن كتّاب الافتتاحات في ولاية أوريجون. وقدم لورنس دراسة عن محرري كنساس. وقد لخص الباحث الأمريكي ولتر جيبر في مقالته ((الأخبار هي ما يجعلها الصحفيون أخباراً )) نتائج الأبحاث الأساسية التي أُجريت على حراس البوابة، كما قام سنة 1956 بعمل دراسة عن محرري الأنباء الخارجية في 16 جريدة يومية بولاية وسكونسن، تستقبل أنباء وكالة أسوشيتدبرس فقط.
وقد أظهرت دراسات جيبر أنه إذا كان المحرر يختار عينة ممثلة مما يصله من أنباء يمكن أن نقول أنه قد وُفِق في أداء عمله، وقال أنه يمكن، عن طريق ملاحظة الأسلوب الذي يختار بمقتضاه المحرر أنباءً لفترة لا تزيد عن أيام قليلة أن نتنبأ بما قد يختاره في يوم آخر،وكان الأمر المشترك بين جميع محرري الأنباء،الذين لاحظهم جيبر، هو أن الضغوط التي يفرضها الواقع البيروقراطي، والعمل في حجرة الأخبار يعتبر من أقوى العوامل تأثيراً، فمحرر الأنباء الخارجية يعمل دائماً حساباً للضغوط الميكانيكية في عملة أكثر مما تشغله المعاني الاجتماعية ووقع الأخبار، باختصار،كانت ظروف إخراج الصحيفة والروتين البيروقراطي والعلاقات الشخصية في داخل حجرة الأخبار تؤثر أساساً على عمل ذلك المحرر.وقد أظهرت دراسات جيبر حقيقتين تبعثان على القلق:
أولاً: أن محرر الأنباء الخارجية كأن في سلوكه الاتصالي سلبيا ولا يلعب دورا فعالا كقائم بالاتصال، فهو لا يدرس بشكل انتقادي الأنباء التي تصله برقيا.وهناك بعض الدلائل التي تشير إلى أن محرر الأنباء الخارجية كصحفي يعمل ملازما لمكتبه، وقد تختلف دوافعه عن المخبر الذي ينتقل من مكان إلى آخر، لكي يجمع الأخبار، ويؤثر هذا بالتالي على ما يختاره ذلك المحرر من أنباء، وربما كان محرر الأنباء الخارجية كسولاً،أو أصبح كسولاً لأن رؤساءه لا يشجعونه على أن يصبح أكثر نشاطاً، وبشكل عام فهذا المحرر لا يختار برقياته بشكل يظهر أنه يقيّم ما يقدمه بشكل نقدي.
ثانياً: أن محرر الأنباء الخارجية، كقائم بالاتصال، ليس لديه إدراك حقيقي لطبيعة جمهوره، ولهذا فهو لا يتصل بذلك الجمهور في واقع الأمر، وإذا كانت المهمة الأساسية للصحيفة هي تقديم تقرير هادف عن الظروف المحيطة، من أجل خدمة القارئ، فيمكن أن نقول أن هذه المهمة كانت تؤدى فقط بالصدفة.
فالصحيفة لم تعد تدرك أن هدفها الحقيقي هو(خدمة) جمهور معين أو الجمهور بشكل عام، وذلك لأن المجموعة التي تقوم بجمع الأخبار والنظام البيروقراطي كثيراً ما تحدد الأهداف، أو تحدد ما يظهر في تلك الجريدة، لهذا يرى جيبر أنه بدون دراسة القوى الاجتماعية التي تؤثر على عملية جمع الأخبار لا نستطيع أن نفهم حقيقة تلك الأخبار.
ومن أعمق الدراسات التي أجريت على القائمين بالاتصال والقوى الاجتماعية التي تؤثر على العاملين في الصحف، الدراسة التي قدمها وارين بريد سنة 1955م، فقد وجد بريد أن هناك أدلة تشير إلى وجود عملية تأثير يسيطر أو يهيمن بمقتضاها مضمون الصحف الكبيرة- أو المحطات الإذاعية والتلفزيونية حالياً- ذات المركز المرموق (صحف الصفوة) تؤثر على الطريقة التي تعالج بها الصحف الصغيرة، الأخبار والموضوعات المهمة،(أي أن الكبير يبتلع الصغير كما يقال في عالم البحار)، ولا شك أن هذا يحرم وسائل الإعلام الجماهيرية من التغيير والتنويع وتعدد الآراء الذي يساعد على تكوين رأي عام واع.
وقد استخدم بريد في دراسة أخرى التحليل الوظيفي ليظهر كيف تدفن أو تحذف الصحف الأخبار التي تهدد النظام الاجتماعي والثقافي أو تهاجمه،أو تهدد إيمان القائم بالاتصال بذلك النظام الاجتماعي والثقافي، ويقول بريد أن سياسة الناشر هي التي تطبق في العادة في أي جريدة، بالرغم من مظاهر الموضوعية في اختيار الأخبار، بالإضافة إلى ذلك فالجزاء الذي يناله الإعلامي في الجريدة مصدره ليس القراء الذين يعتبرون عملاءه، ولكن مصدره زملاؤه من العاملين معه ورؤساؤه، لذلك يعيد المحرر في الجريدة تحديد وتشكيل قيمه بحيث تحقق له أكبر منفعة، ومن هذه الدراسة استنتج بريد أن الظروف الثقافية التي تحيط بالصحفي في حجرة الأخبار لا تؤدي إلى نتائج تفي بالاحتياجات الأوسع للديمقراطية، وقد استخدم الباحث الأمريكي المشهور سوانسون أساليب الملاحظة المباشرة والاستفسار ليحصل على معلومات عن معتقدات العاملين في جريدة يومية صغيرة وخصائصهم الشخصية، كذلك درس بروس وستلي أيضاً محرري الأخبار الخارجية في صحف ولاية وسكونسن باستخدام سلّم (قياس القيم) الذي قارن به القيم التي يعتنقها أولئك المحررون والتي تؤثر على اختيارهم للأخبار، وتعتبر دراسة بروس وستلي ومالكلوم ماكلين عن القائمين بالاتصال، والتفرقة بين أدوار الاتصال المختلفة، من الدراسات المهمة في هذا المجال، والملاحظ أنه يوجد في كل هذه الدراسات عنصر واحد مشترك، وهو أنها تركز الاهتمام على التفاعل بين الأنماط والأخلاقيات الصحفية المثالية والأساليب الاجتماعية والتنظيمية المقررة في المجتمع الأكبر، في ظروف متنوعة، وأوضاع مختلفة،،ولهذه الدراسات فوائد كثيرة لوسائل الأعلام والمهنيين لأنها تساعد على الوصول إلى أحكام أكثر ذكاء عن العاملين بالوسيلة الإعلامية، في الإطار الاجتماعي المباشر، كما تبرز كثيراً من الأسئلة المهمة التي يجب أن نتوصل إلى إجابات عليها.

ثانيا: نظرية (حارس البوابة) الإعلامية
تمر الرسالة بمراحل عديدة، وهي تنتقل من المصدر حتى تصل إلى المتلقي، وتشبه هذه المراحل السلسلة المكونة من عدة حلقات، أي وفقاً لاصطلاحات هذه النظرية فأن المعلومات في عملية الاتصال هي مجرد سلسلة تتصل حلقاتها.
وأبسط أنواع السلاسل هي سلسلة الاتصال المباشر المواجهي، من فرد إلى آخر، ولكن هذه السلاسل في حالة الاتصال الجماهيري تكون طويلة ومعقدة جداً، لأن المعلومات التي تدخل شبكة اتصال معقدة مثل الجريدة، أو محطة الإذاعة أو التلفزيون، عليها أن تمر بالعديد من الحلقات أو الأنظمة المتصلة، فالحدث الذي يحدث في العراق مثلاً، يمر بمراحل عديدة قبل أن يصل إلى القاريء في أمريكا أو أوربا أو الشرق الأوسط، ونجد قدر المعلومات التي تخرج من بعض تلك الحلقات أو الأنظمة أكثر مما يدخل فيها، لذلك يسميها (شانون) أجهزة تقوية، فأجهزة التقوية أي وسائل الأعلام تستطيع أن تصنع ( في نفس الوقت) عدداً كبيراً جداً من الرسائل المتطابقة، مثل نسخ الصحف، وتوصلها للجمهور، كما توجد في هذا النوع من السلاسل شبكات معينة من الأنظمة داخل الأنظمة، فوسائل الإعلام نفسها هي شبكات من الأنظمة المتصلة بطرق معقدة، بحيث تقوم بوظيفة فك الرموز أو الشيفرة والتفسير وتخزين المعلومات، ثم وضعها مرة أخرى في رموز، وهي الوظيفة التي يؤديها كل القائمين بالاتصال، كذلك فإن الفرد الذي يتلقى رسائل وسائل الأعلام هو جزء من شبكة علاقات موجودة داخل الجماعة، ويعاون أُسلوب عمل هذه الشبكة واقع المجتمع الذي ترتفع فيه نسبة المتعلمين ودرجة التصنيع، حيث يزداد اعتماده على سلاسل وسائل الأعلام،أما المجتمع الذي تنخفض فيه نسبة المتعلمين ودرجة التصنيع(البدائي) فتنتقل فيه غالبية المعلومات عن طريق سلاسل الاتصال الشخصي.
ومن الأمور الجديرة بالملاحظة أنه في المجتمعات التي تخضع فيها وسائل الأعلام للسيطرة القومية يبدأ الأفراد في التشكيك في صدق ما تنشره وسائل الاتصال الجماهيرية، لذلك تصبح سلاسل الاتصال الشخصي المواجهي، من فرد إلى فرد، مهمة جداً، وطويلة جداً، وتتطور بجوار سلاسل وسائل الأعلام الجماهيرية، وفي هذه الحالة نجد أن سلاسل الاتصال الشخصي، التي تنقل الإشاعات والأقاويل والمعلومات الخفية، بجميع أنواعها - من فرد إلى فرد - تقوم بالرقابة على وسائل الأعلام، وتكملة نواحي النقص فيها.
ويجب أن نعرف كيف تعمل سلاسل الاتصال، وكيف تنتقل المعلومات في جميع أنحاء المجتمع، فمن الحقائق الأساسية التي أشار أليها العالم (كرت لوين) أن هناك، في كل حلقة، ضمن السلسلة، فرد ما، يتمتع بالحق في أن يقرر ما إذا كانت الرسالة التي تلقاها، سينقلها أو لن ينقلها، وما إذا كانت تلك الرسالة ستصل إلى الحلقة التالية، بنفس الشكل الذي جاءت به، أم سيدخل عليها بعض التغييرات والتعديلات. وحراسة البوابة تعني السيطرة على مكان استراتيجي في سلسلة الاتصال، بحيث تصبح لحارس البوابة سلطة اتخاذ القرار، فيما سيمر من خلال بوابته، وكيف سيمر، حتى يصل في النهاية إلى الوسيلة الإعلامية، ومنها إلى الجمهور.
يقول لوين أن المعلومات تمر بمراحل مختلفة حتى تظهر على صفحات الجريدة أو المجلة أو في وسائل الأعلام الإلكترونية، وقد سمي لوين هذه المراحل ((بوابات)) وقال أن هذه البوابات تقوم بتنظيم كمية أو قدر المعلومات التي ستمر من خلالها، وقد أشار لوين إلى فهم وظيفة ((البوابة)) يعني فهم المؤثرات أو العوامل التي تتحكم في القرارات التي يصدرها (حارس البوابة).
بمعنى آخر، هناك مجموعة من حراس البوابة يقفون في جميع مراحل السلسلة التي يتم بمقتضاها نقل المعلومات، ويتمتع أولئك الحراس بالحق في أن يفتحوا البوابة أو يغلقونها أمام أي رسالة تأتي إليهم، كما أن من حقهم أجراء تعديلات على الرسالة التي ستمر،على سبيل المثال، يستطيع أي فرد أن يقرر ما إذا كان سيكرر أو يردد إشاعة معينة أو لا يرددها، ونحن نعلم أن الإشاعات حينما تنتقل من فم إلى فم تطرأ عليها - في الغالب - بعض التغييرات وتتلون بالاهتمامات الخاصة للفرد الذي يقوم بنقلها أو بمعلوماته، وحينما تطول السلسلة، نجد أن بعض المعلومات التي تخرج من نهايتها لا تشبه المعلومات التي دخلتها في البداية، إلا في نواح قليلة، فإذا أخذنا في الاعتبار ما يحدث في السلاسل التي تحمل الأخبار حول العالم، وتتبعنا خبراً من الأخبار ينتقل، على سبيل المثال، من اليابان أو الهند إلى مدينة في إحدى ولايات أمريكا، نلاحظ أنه يمر بمراحل كثيرة..أول حارس بوابة في هذه الحالة هو الفرد الذي يلاحظ الحدث وقت وقوعه، ولنفترض أن الذي حدث كارثة طبيعية، هذا الفرد ينتقي - بلا شعور- أشياء معينة يلاحظها، ولا يلاحظ أشياء أخرى، أي يرى أشياء ويغفل أشياء أخرى، وقد يتحدث ويشير إلى نواحي ويهمل نواحي أخرى. بعد حارس البوابة الأول هذا يأتي حارس البوابة الثاني، وهو المخبر الصحفي الذي يحصل على الخبر من شاهد العيان، (أي الفرد الذي شاهد الحدث نفسه)، وقد يتصل الصحفي بأكثر من شاهد عيان لكي يكوّن فكرة كاملة عن الحادث، وفي جميع الحالات، يقوم المخبر هو الآخر، بانتقاء أو اختيار الحقائق التي سينقلها، والحقائق التي سيهملها، فهو الذي سيقرر الجوانب التي سيختارها ويحدد مدى الأهمية التي سيعطيها للحدث.
بعد ذلك يسلم المخبر الخبر إلى مكتب وكالة الأنباء التي يتبعها، وفي الوكالة يقوم محرر آخر باتخاذ قرار معين، عن تلك القصة الإخبارية، فيقرر ما إذا كان سيختارها من مئات الأنباء لكي ينقلها تلغرافيا إلى المشتركين في الوكالة أم يختصرها أم يضيف أليها أم يغيرها أم ينقلها كما هي، وبعد ذلك يأتي دور محرر الأخبار الخارجية الذي يتلقى البرقيات في الجريدة، ويقرر مدى الأهمية التي سيعطيها للقصة الإخبارية، وبالتالي المساحة التي يجب أن تخصص لها، فالمشكلة أن هناك باستمرار أخباراً أكثر مما يمكن إرسالها، وأخباراً أكثر مما يمكن نشرها، لذلك لابد في النهاية من الاختيار بين المواد الكثيرة التي تصل الوكالة أو الصحيفة أو الإذاعة، فهذه الوسائل تصلها أنباء ليس فقط من وكالات الأنباء بل من محررين في جميع أنحاء العالم، ومن صحف أخرى، ومن محطات إذاعة وتلفزيون عديدة، وحراس البوابة في جميع تلك المراحل، على طول السلسلة، يسمحون لنسبة محدودة من آلاف المواد الإعلامية التي تصلهم، بالانتقال إلى المراحل التالية، وفي النهاية يختار المحرر في الجريدة عشرات الأخبار فقط لينقلها إلى قرائه، فكل قرار يتخذ بتوصيل أو نقل شيء هو قرار كبت أو إخفاء شيء آخر، وما يخرج أو يُحجب هو نتيجة لعديد من الضغوط المتنافسة، علينا أن نحددها ونوضحها حتى نفهم كيف تقوم وسائل الأعلام بعملها.
من الواضح أن حارس البوابة الذي يقول (نعم ) أو (لا) بشأن الرسائل التي تصله، على طول السلسلة، يلعب دوراً مهماً في الاتصال الاجتماعي، وبعض حراس البوابة أهم من غيرهم، فنجد أن نسبة كبيرة جداً من السلاسل تركز الضوء على بعض الأفراد في المجتمع، ممن يمكن أن يكون لهم (نفوذ) أو (قادة الرأي) أو (الصفوة) الذين يتميزون عن الآخرين بأنهم يقرأون أكثر ويطلعون على وسائل الإعلام أكثر، ولهم اتصالات شخصية أوسع من الآخرين، وهو أمر له أهمية خاصة لأن هؤلاء الأفراد يتمتعون باحترام كبير،ويعتبر أولئك الأفراد بدورهم ( حراس بوابة).
وفي السلاسل الإخبارية، فإن المحرر في وكالة الأنباء والمحرر في الجريدة يتلقيان اكبر عدد من البرقيات الإخبارية، وهما مسئولان عن اتخاذ أكبر عدد من القرارات، ولهذا يصبح لأمانة ذلك المحرر وموضوعيته ومستوياته الإخبارية والمهنية، أهمية خاصة، كذلك بالنسبة لقادة الرأي، فإن اتساع معرفتهم وتنمية قدراتهم لها أهمية كبيرة، لأن لهم دورا مهماً في تحديد ما يعرفه الرأي العام.





المبحث الرابع
تكنولوجية وسائل الأعلام
وتأثيرها على المجتمعات
((نظرية مارشال ماكلوهان))


تُعَد النظرية التكنولوجية لوسائل الإعلام، من النظريات الحديثة التي ظهرت عن دور وسائل الأعلام وطبيعة تأثيرها على مختلف المجتمعات، ومبتكر هذه النظرية(مارشال ماكلوهان) كان يعمل أستاذاً للغة الإنجليزية بجامعة تورنتو بكندا، ويعتبر من أشهر المثقفين في النصف الثاني من القرن العشرين.(1)
وبشكل عام، يمكن القول أن هناك أسلوبان أو طريقتان للنظر إلى وسائل الأعلام من حيث:
1-أنها وسائل لنشر المعلومات والترفيه والتعليم.
2-أو أنها جزء من سلسلة التطور التكنولوجي.
إذا نظرنا أليها على أنها وسيلة لنشر المعلومات والترفيه والتعليم، فنحن نهتم أكثر بمضمونها وطريقة استخدامها، والهدف من ذلك الاستخدام. وإذا نظرنا إليها كجزء من العملية التكنولوجية التي بدأت تغير وجه المجتمع كله، شأنها في ذلك شأن التطورات الفنية الأخرى، فنحن حينئذ نهتم بتأثيرها، بصرف النظر عن مضمونها.
يقول مارشال ماكلوهان أن (مضمون ) وسائل الأعلام لا يمكن النظر إليه مستقلاً عن تكنولوجية الوسائل الإعلامية نفسها.فالكيفية التي تعرض بها المؤسسات الإعلامية الموضوعات، والجمهور الذي توجه له رسالتها، يؤثران على ما تقوله تلك الوسائل، ولكن طبيعة وسائل الإعلام التي يتصل بها الإنسان تشكل المجتمعات أكثر مما يشكلها مضمون الاتصال، فحينما ينظر ماكلوهان إلى التاريخ يأخذ موقفا نستطيع أن نسميه (بالحتمية التكنولوجية) Technoligical Determinism فبينما كان كارل ماركس يؤمن بالحتمية الاقتصادية، وبأن التنظيم الاقتصادي للمجتمع يشكل جانباً أساسياً من جوانب حياته، وبينما كان فرويد يؤمن بان الجنس يلعب دوراً أساسياً في حياة الفرد والمجتمع، يؤمن ماكلوهان بأن الاختراعات التكنولوجية المهمة هي التي تؤثر تأثيراً أساسياً على المجتمعات.
-------------
(1) ولد مارشال ماكلوهان في 21 يوليو 1911 في مدينة أد مونتن بالبرنا، كندا، والدته كانت ممثلة ووالده تاجر عقارات.دخل ماكلوهان جامعة مانيتوبا وكان ينوى دراسة الهندسة ولكنه درس الأدب الإنجليزي وحصل على الماجستير في سنة 1934 وبعد أن حصل على الدكتوراه في سنة 1943 من جامعة كامبردج، درّس في عدة جامعات أمريكية ولكن منذ سنة 1947 عمل أستاذا للآداب في جامعة تورنتو.وقد نشر ماكلوهان مئات من المقالات في المجلات وأصدر أربعة كتب مهمة هي :
The Mechanical Bride. : Folklore of Industrial Man, (1951); The Gutenberg Galaxy : The Making of Typographic Man (1962) ; Under Standing Media : The Extensions of Man (1964) ; The Medium is The Message : An Inventory of Effects (1967)
وقد نال كتابه (عالم جوتنبرج) جائزة الحاكم العام في سنة 1962 وهي تعادل جائزة بولتزر في أمريكا.



ولهذا نجد ماكلوهان شديد الإعجاب بعمل المؤرخين أمثال الدكتور وايت White Jr صاحب كتاب (التكنولوجيا الوسيطة والتغير الاجتماعي)، الذي ظهر سنة 1962 وفيه يذكر المؤلف أن الاختراعات الثلاثة التي خلقت العصور الوسيطة هي الحلقة التي يضع فيها راكب الحصان قدمه Stirrup وحدوة الحصان Nailed Horseshoe، والسرج Horse Collar.. فبواسطة الحلقة التي يضع فيها راكب الحصان قدمه استطاع الجندي أن يلبس درعاً يركب به الحصان الحربي ؛ وبواسطة الحدوة والأربطة التي تربط الحصان بالعربة Harness توافرت وسيلة أكثر فاعلية لحرث الأرض، مما جعل النظام الإقطاعي الزراعي يظهر، وهذا النظام هو الذي دفع التكاليف التي تطلبها درع الجندي.
وقد تابع ماكلوهان هذه الفكرة بشكل أكثر تعمقاً ليعرف أهميتها التكنولوجية، مما جعله يطور فكرة محددة عن الصلة بين وجود الاتصال الحديث في المجتمع والتغيرات الاجتماعية التي تحدث في ذلك المجتمع، ويقول ماكلوهان أن التحول الأساسي في الاتصال التكنولوجي يجعل التحولات الكبرى تبدأ، ليس فقط في التنظيم الاجتماعي، ولكن أيضا في الحساسيات الإنسانية.والنظام الاجتماعي في رأيه يحدده المضمون الذي تحمله هذه الوسائل.وبدون فهم الأسلوب الذي تعمل بمقتضاه وسائل الأعلام لا نستطيع أن نفهم التغيرات الاجتماعية والثقافية التي تطرأ على المجتمعات.فاختراع اللغة المنطوقة هو الذي ميّز بين الإنسان والحيوان، ومكّن البشر من إقامة المجتمعات والنظم الاجتماعية وجعل التطور الاجتماعي ممكنا، وبدون اختراع الكتابة ما كان التحضر ممكناً، بالرغم من أن اختراع الكتابة ليس الشرط المسبق الوحيد للحضارة، فالإنسان يجب أن يأكل قبل أن يستطيع الكتابة إلا أنه بفضل الكتابة، تم خلق شكل جديد للحياة الاجتماعية وأصبح الإنسان على وعي بالوقت، وأصبح التنظيم الاجتماعي يمتد إلى الخلف، (أي إلى الماضي)، وإلى الأمام، (أي إلى المستقبل)، بطريقة لا يمكن أن توجد في مجتمع شفهي صرف. فالحروف الهجائية هي تكنولوجيا يستوعبها الطفل الصغير بشكل لا شعوري تماما،(بالاستيعاب التدريجي)، والكلمات ومعانيها تُعد الطفل لكي يفكر ويعمل بطرق معينة بشكل آلي، فالحروف الهجائية وتكنولوجية المطبوع طورت وشجعت عملية التجزئة وعملية التخصص والابتعاد بين البشر، بينما عملت تكنولوجية الكهرباء على تقوية وتشجيع الاشتراك والتوحيد.
ويقول ماكلوهان أن وسائل الأعلام التي يستخدمها المجتمع أو يضطر إلى استخدامها ستحدد طبيعة المجتمع، وكيف يعالج مشاكله، وأي وسيلة جديدة أو امتداد للإنسان، تشكل ظروفاً جديدة محيطة تسيطر على ما يفعله الأفراد الذين يعيشون في ظل الظروف، وتؤثر على الطريقة التي يفكرون ويعملون وفقاً لها أي أن (الوسيلة امتداد للإنسان، فالملابس والمساكن امتداد لجهازنا العصبي المركزي، وكاميرا التليفزيون تمد أعيننا والميكروفون يمد آذاننا، والآلات الحاسبة توفر بعض أوجه النشاط التي كانت في الماضي تحدث في عقل الإنسان فقط، فهي مساوية لامتداد الوعي).وسائل الأعلام الجديدة – كامتداد لحواسنا – كما توفر زمنا وإمكانيات تشكل أيضا تهديدا في الوقت نفسه، لأنه في الوقت الذي تمتد فيه يد الإنسان، وما يمكن أن يصل إليه بحواسه في وجوده، تستطيع تلك الوسائل أيضا أن تجعل يد المجتمع تصل إليه لكي تستغله وتسيطر عليه، ولكي نمنع احتمال التهديد يؤكد ماكلوهان أهمية إحاطة الناس بأكبر قدر ممكن من المعلومات عن وسائل الأعلام لأنه ((بمعرفة كيف تشكل التكنولوجيا البيئة المحيطة بنا، نستطيع أن نسيطر عليها ونتغلب تماما على نفوذها أو قدرتها الحتمية)).
وفي الواقع، بدلا من الحديث عن الحتمية التكنولوجية، قد يكون من الأدق أن نقول أن المتلقي يجب أن يشعر بأنه مخلوق له كيان مستقل، قادر على التغلب على هذه الحتمية التي تنشأ نتيجة لتجاهل الناس لما يحدث حولهم، وأنه لا يجب اعتبار التغير التكنولوجي حتمياً أو لا مفر منه، ذلك لأننا إذا فهمنا عناصر التغير يمكننا أن نسيطر عليه ونستخدمه في أي وقت نريده بدلاً من الوقوف في وجهه.
ويعرض ماكلوهان أربع مراحل تعكس في رأيه تطور التاريخ الإنساني:
1-المرحلة الشفوية كلية، مرحلة ما قبل التعلم، أي المرحلة القبلية.
Totally Oral , Preliterate, Tribalism
2- مرحلة كتابة النسخ Codification by Script
التي ظهرت بعد هومر في اليونان القديمة واستمرت ألفي عام
3-عصر الطباعة: من سنة 1500 إلى سنة 1900 تقريبا
4-عصر وسائل الأعلام الإلكترونية: من سنة 1900 تقريبا،حتى الوقت الحالي.
وطبيعة وسائل الإعلام المستخدمة في كل مرحلة تساعد على تشكيل المجتمع أكثر مما يساعد مضمون تلك الوسائل على هذا التشكيل.هذا الأسلوب في دراسة التطور الإنساني، ليس أسلوبا جديدا أو مبتكرا تماما.فيشير ماكلوهان إلى أنه مدين لمؤلفات عديدة برأيه هذا، ومن بين المؤلفات التي ساعدت ماكلوهان على تطوير نظريته المبتكرة:
E.H. Gombrich , Art and IIIusion (1960)
H.A. Annis , The Bias of Communication (1951)
Siegfried Giedion , Mechaniztion Takes Command (1948)
H.J. Chaytor , From Scipt to Print (1945) ; ard Lewis Mumford.
Techniques and Civilization (1934)
وباختصار يدعي ماكلوهان أن التغير الأساسي في التطور الحضاري منذ أن تعلم الإنسان أن يتصل، كأن من الاتصال (الشفهي ) إلى الاتصال (السطري) ثم إلى الاتصال (الشفهي ) مرة أخرى.ولكن بينما استغرق التغير من الشفهي إلى السطري قروناً، تم الرجوع أو التحول مرة أخرى إلى الشفهي في حياة الفرد الواحد.
الاتصال الشفهي:
وفقا لما يقول ماكلوهان، فإن الناس يتكيفون مع الظروف المحيطة عن طريق توازن الحواس الخمس(السمع والبصر واللمس والشم والتذوق) مع بعضها البعض، وكل اختراع تكنولوجي جديد يعمل على تغيير التوازن بين الحواس، فقبل اختراع جوتنبرج للحروف المتحركة في القرن الخامس عشر كان التوازن القلبي القديم يسيطر على حواس الناس، حيث كانت حاسة السمع هي المسيطرة.
فالإنسان في عصر ما قبل التعلم كان يعيش في عالم به أشياء كثيرة في الوقت نفسه، في عالم الأذن حيث يفرض الواقع نفسه على الفرد من جميع النواحي، ولم يكن لهذا الزمن حدود ولا اتجاه ولا أفق، وعاش الإنسان في ظلام عقله في عالم العاطفة معتمداً على الإلهام البدائي أو الخوف، وكان الزمن والمسافة يتم إدراكهما سمعيا، وكان الشعر الذي يغنى من أكبر أدوات التحضر، وكان الاتصال الشفهي هو الرابطة مع الماضي، وكانت المعاني ذات المستويات المتعددة هي الطابع العام، وهي معاني كانت قريبة جداً من الواقع، فالكلمات لا تشير إلى أشياء، بل هي أشياء، وكلمة الإنسان ملزمة، وذاكرة الإنسان قوية جداً (بالمستويات الحديثة) والصور الذهنية التي تصاحب أفكاره سمعية، فهو يستخدم كل حواسه، ولكن في حدود الصوت، ونظراً لأن الناس في ظل هذا النظام كانوا يحصلون على معلوماتهم أساساً عن طريق الاستماع إليها من أناس آخرين، فقد أقترب الناس من بعضهم البعض، في شكل قبلي، وقد فرض عليهم أسلوب حصولهم على المعلومات أن يؤمنوا بما يقوله الآخرون لهم بشكل عام، لأن تلك هي المعلومات الوحيدة المتوافرة لهم، ((فالاستماع كان يعني الإيمان )).
وقد أثر أسلوب الاتصال على الناس وجعلهم عاطفيين أكثر، وذلك لأن الكلمة المنطوقة عاطفية أكثر من الكلمة المكتوبة، فهي تحمل عاطفة بالإضافة إلى المعنى، وكانت طريقة تنغيم الكلمات تنقل الغضب أو الموافقة أو الرعب أو السرور أو التهكم، الخ. وكان رد فعل الرجل القبلي - الذي يعتمد على حاسة الاستماع - على المعلومات يتسم بقدر أكبر من العاطفة، فكان من السهل مضايقته بالإشاعات، كما أن عواطفه كانت تكمن دائماً قريبة من السطح، لكن ريشة الكتابة وضعت نهاية للكلام وساعدت في تطوير الهندسة وبناء المدن، وجعلت الطرق البرية والجيوش والبيروقراطية من الأمور الممكنة، وكانت الكتابة هي الأداة أو الوسيلة الأساسية التي جعلت دورة الحضارة تبدأ، فكانت خطوة إلى الأمام من الظلام إلى نور العقل.فاليد التي قامت بملء صفحات جلد الماعز بالكتابة هي نفسها التي قامت ببناء المدن. وتعلم الإنسان رسم ما يقوله (الحديث) ولغة العيون كما تعلم كيف يلون الفكر ويجعل له بناء أو كيان.فالحروف الهجائية جعلت عالم الأذن السحري يستسلم لعالم العين المحايد.
الاتصال السطري (المطبوع ) :
باختصار، يمكننا أن نقول أن مجتمعات ما قبل التعلم كانت تحتفظ بالمضمون الثقافي في ذاكرة أجيال متعاقبة، ولكن تغيّر أسلوب تخزين المعرفة حينما أصبحت المعلومات تختزن عن طريق الحروف الهجائية، وبهذا حلّت العين محل الأذن كوسيلة الحس الأساسية، التي يكتسب بفضلها الفرد معلوماته، وسهّل الكلام البشري الذي (تجمّد زمنياً) الآن بفضل الحروف الهجائية،إقامة إدارات بيروقراطية قوية،واتجاهات قبلية.
ولمدة تزيد عن ثلاثة آلاف سنة تشكل التاريخ الغربي بظهور الحروف الهجائية الصوتية، وهي وسيلة تعتمد على العين فقط لفهمها، والحروف الهجائية تقوم على بناء الأجزاء أو القطع المجزأة، ليس لها في حد ذاتها معنى دلالي، والتي يجب أن توضع مع بعضها في أسطر، وفي ترتيب معين ليصبح لها معنى، وقد روجت وشجعت استخدام تلك الحروف عادة إدراك كل الظروف المحيطة على أساس المساحة والزمن، على أساس توحيد مستمر (م.س.ت.م.ر) و مرتبط (م.ر.ت.ب.ط).فالسطر مجال مستمر.
يقول ماكلوهان أن تطور الصحافة المطبوعة في القرن الخامس عشر بفضل اختراع جوتنبرج للحروف المتحركة، كان أكثر الابتكارات التكنولوجية تأثيراً على الإنسان، فالمطبوع جعل الإنسان يتخلص من القبيلة، فمن خلال الحروف الهجائية تمكن من ضغط الواقع وتقديمه من خلال مرشح الحروف الهجائية، وأصبح الواقع يأتي إلينا قطرة قطرة في الوقت الواحد، فالواقع يأتي مجزئاً، ويأتي بتسلسل فهو مجزأ على طول خط مستقيم، وهو تحليلي، وهو مختصر ويقتصر على حاسة واحدة، وعلى وجهة نظر موحدة، ويمكن تكرارها.
كما يقول ماكلوهان:العين لا تستطيع أن تختار ما تراه، ولا تستطيع أن ترجو الأذن أن تتوقف عن الاستماع، فأجسامنا أينما وجدت تشعر، سواء بإرادتنا أو الرغم منا، وكأن على الفرد لكي يشرح رد فعله البسيط على طلوع الفجر مثلاً، الذي قد يستغرق خمس ثوان، أن يضعه في كلمات وفي جملة بعد جملة، لكي يستطيع أن يقول لشخص آخر ما الذي يعنيه طلوع الفجر بالنسبة له، وقد أكمل اختراع جوتنبرج ثورة الحروف الهجائية، فأسرعت الكتب بعملية فك الشيفرة التي نسميها قراءة، وتعددت النسخ المتطابقة، وساعد المطبوع على نشر الفردية لأنه شجع – كوسيلة أو أداة شخصية للتعليم – المبادرة والاعتماد على الذات، ولكن عزل المطبوع البشر فأصبحوا يدرسون وحدهم، ويكتبون وحدهم، وأصبحت لهم وجهات نظر شخصية، عبّروا بها عن أنفسهم للجمهور الجديد الذي خلقه المطبوع، وأصبح التعليم الموحد ممكناً.
وبفضل الصحافة المطبوعة حدث تغير جذري، فبدأ الأفراد يعتمدون في الحصول على معلوماتهم أساساً على الرؤية، أي على الكلمة المطبوعة، لذلك أصبحت حاسة الأبصار هي الحاسة المسيطرة، بدلا من الاعتماد على الاستماع، أي على الكلمة المنطوقة. وحوّل المطبوع الأصوات إلى رموز مجردة، إلى حروف، وأصبح المطبوع يعتبر تقدماً منتظماً للتجريد، وللرموز البصرية، وساعد المطبوع على تطوير عادة عمل فئات، أي وضع كل شيء بنظام في فئات (المهن) و(الأسعار) و(المكاتب ) و(التخصصات )).وأدى المطبوع في النهاية إلى خلق الاقتصاد الحديث، والبيروقراطية، والجيش الحديث والقومية نفسها.
ويقول ماكلوهان في كتابة (عالم جوتنبرج The Gutenberg Galaxy) الذي صدر في سنة 1962 أن اختراع الطباعة بالحروف المتحركة ساعد على تشكيل ثقافة أوروبا الغربية، في الفترة ما بين سنة 1500 وسنة 1900م، فقد شجع الإنتاج الجماهيري للمواد المطبوعة على انتشار القومية، لأنه سمح بانتشار المعلومات بشكل أكبر وأسرع عما تسمح به الوسائل المكتوبة باليد، كذلك أثرت الأشكال السطرية Linear Forms للمطبوع على الموسيقى وجعلتها تتخلى عن التكوين القائم على التكرار، وقد ساعد المطبوع أيضاً على إعادة تشكيل حساسية الرجل الغربي، فينما اعتبر الرجل الغربي الخبرة كقطاعات فردية، وكمجوعة من المكونات المنفصلة، كان الإنسان في عصر النهضة ينظر إلى الحياة - كما ينظر إلى المطبوع - كشيء مستمر.
كذلك جعل المطبوع انتشار البروتستانتية ممكناً، لأن الكتاب المطبوع بتمكينه الناس من التفكير وحدهم، شجع الكشف الفردي.
وفي النهاية، يقول ماكلوهان أن ((جميع الأشكال الميكانيكية برزت من الحروف المتحركة، فالحروف نموذج لكل الآلات ))،هذه الثورة التي حدثت بفضل المطبوع فصلت (القلب عن العقل) و (العلم عن الفنون ) مما أدى إلى سيطرة التكنولوجيا والمنطق السطري.
العودة إلى الاتصال الشفهي :
يسمي ماكلوهان المرحلة التي نعشيها حاليا عصر (الدوائر الإلكترونية) ، كما تتمثل بشكل خاص في التليفزيون والكومبيوتر، فالإلكترونيات، بتوسيعها وتقليدها لعمل العقل البشري، وضعت نهاية لأسلوب تجريد الواقع، وأعادت القبلية للفرد مرة أخرى، مما أحدث نتائج ثقافية واسعة النطاق.
يقول ماكلوهان أن الأنماط الكهربائية للاتصال، مثل التلغراف والراديو والتليفزيون والسينما والتليفون والعقول الإلكترونية، تشكل هي الأخرى الحضارة في القرن العشرين وما بعده، وبينما شاهد إنسان عصر النهضة الطباعة، وهي شيء واحد، في الوقت الواحد، في تسلسل متوال، مثل سطر من الحروف، فإن الإنسان الحديث يجرب قوى كثيرة للاتصال، في نفس الوقت، وأصبحت عادة قراءة الكتاب، تختلف عن الطريقة التي ننظر بها إلى الجريدة، ففي حالة الجريدة لا نبدأ بقصة واحدة نقرؤها كلها ثم نبدأ قصة أخرى، ولكن تنتقل أعيننا في الصفحات لتستوعب مجموعة غير مستمرة من العناوين والعناوين الفرعية، والفقرات التي تقدم الموضوعات، والصور، الإعلانات.ويقول ماكلوهان" أن الناس لا يقرؤون الجريدة فعلا، بل يدخلونها كل صباح مثلما يأخذون حماما ساخناً"، والمساهمة أو الاشتراك كلمة أساسية في هذه الحالة، لأنه يجعل الجريدة من المطبوعات التي تستخدم كوسيلة (شفهية) وليست سطرية، فالصفحة الأولى في الجريدة تعرضك في نفس الوقت للأخبار عن كل الموضوعات في كل أنحاء العالم، والقصص في الجريدة الحديثة مطبوعة، ولكن قد تم استقاءها بواسطة التلغراف، والقارئ، كما يقول ماكلوهان، لا يعرف سوى القليل جداً عن الجريدة بذكاء أو بحاسة نقدية، فهذا ليس الهدف من وجودها، فالجريدة موجودة للإحساس بالاشتراك، بالمساهمة في شيء، يستخدمها الفرد بشكل كلي يقفز فيها كأنها حمام سباحة، ويقول ماكلوهان أنه حينما يزيد اشتراك الفرد في شيء.يقل فهمة له، ولكنه يعني ((الفهم )) وفقا لوجهة النظر السطرية القديمة، أن يكون الإنسان مبتعدا أو منطقياً.
وفقا لماكلوهان فإن العالم الذي كنا نعيش فيه قبل عصر الكهرباء كان عالماً مجرداً ومتخصصاً ومجزأً جداً، فبينما عملت الحروف الهجائية وتكنولوجيا المطبوع على تشجيع وتطوير عملية التجزئة والتخصص والابتعاد، نجد أن تكنولوجية الكهرباء تقوي وتشيع التوحيد والاشتراك، حتى فكرة الوظائف، هي نتيجة لتكنولوجية المطبوع، وتحيزاته، فلم تكن هناك (وظائف) في العصور القديمة والعصور الوسطى، بل كانت هناك فقط أدوار.الوظائف جاءت مع المطبوع والتنظيم البشري المتخصص جداً، فهي نمط حديث إلى حد ما للعمل، ظهر في القرن الخامس عشر، واستمر حتى اليوم، ويرجع السبب في وجود الوظائف إلى أنه كأن هناك تقدم مطرد لتجزئة مراحل العمل التي تقوم على (الميكنة ) و (التخصص). وسائل الأعلام الإلكترونية بدأت تغييراً كبيراً في توزيع الإدراك الحسي،أو كما يسميها ماكلوهان (نسب استخدام الحواس) Sensory Ratios اللوحة أو المكتبة نشاهدها من خلال حاسة واحدة وهي الرؤية.أما السينما والتلفزيون فتجذبنا ليس بواسطة المشاهدة، لكن أيضاً بالاستماع. وتعدل وسائل الأعلام الظروف المحيطة بنا لأنها تجعل نسب استخدام حواسنا تتغير في عملية الإدراك، امتداد أي حاسة يعدل الطريقة التي نفكر ونعمل بمقتضاها، كما يعدل امتداد تلك الحواس الطريقة التي ندرك بها العالم. حينما تتغير تلك النسب يتغير الإنسان، وسائل الأعلام الجديدة تحيط بنا وتتطلب منا مساهمة، ويرى ماكلوهان أن استخدام الحواس بهذا الوجود الجديد الذي يعتمد على استغلال الفرد لحواس كثيرة يرجع بنا إلى تأكيد الرجل البدائي على اللمس التي يعتبرها أداة الحس الأولى ( لأنها تتكون من تلاقي الحواس ).
ومن الناحية السياسية، يرى ماكلوهان أن سائل الإعلام الجديدة تحول العالم إلى (قرية عالمية Global Village ) تتصل في إطارها جميع أنحاء العالم ببعضها مباشرة، كذلك تقوّي تلك الوسائل الجديدة العودة (للقبلية) في الحياة الإنسانية، فعالمنا أصبح عالماً من نوع جديد، توقف فيه الزمن واختفت فيه (المساحة) لهذا بدأنا مرة أخرى في بناء شعور بدائي ومشاعر قبلية، كانت قد فصلتنا عنها قرون قليلة من التعليم.علينا الآن أن ننقل تأكيد انتباهنا من الفعل إلى رد الفعل، ويجب أن نعرف الآن مسبقا نتائج أي سياسة أو أي عمل، حيث أن النتائج تحدث أو يتم تجربتها بدون تأخير، وبسبب سرعة الكهرباء لم نعد نستطيع أن ننتظر ونرى، ولم تعد الوسائل البصرية المجردة في عالم الاتصال الكهربائي السريع صالحة لفهم العالم، فهي بطيئة جداً مما يقلل من فاعليتها، ولسوء الحظ نواجه هذا الظرف الجديد بعقلية قديمة، فالمعروف أن الكهرباء تجعل الأفراد يشتركون في المعلومات بسرعة كبيرة جداً، فقد أجبرنا عالمنا من خلال الوسائل الكهربائية على أن نبتعد عن عادة تصنيف المعلومات، وجعلنا نعتمد أكثر على أدراك النمط أو الشكل الكلي. لم يعد في الإمكان أن نبني شيئا في تسلسل، لأن الاتصال الفوري يجعل كل العوامل الموجودة في الظروف المحيطة تتفاعل، كما يجعل التجربة تتواجد في حالة تفاعل نشط.
وبينما عمل المطبوع على (تفجير) أو تحطيم أو تقسيم المجتمع إلى فئات، تعمل وسائل الأعلام الإلكترونية على إرجاع الناس مرة أخرى للوحدة القبلية، وتجعلهم يقتربون مرة أخرى من بعضهم البعض، فقد عادت حاسة الاستماع مرة أخرى إلى السيطرة، وأصبح الناس يحصلون على معلوماتهم أساساً بالاستماع إليها.
وهناك اختلاف كبير بالطبع، فالرجل الذي لا يستطيع أن يقرأ سيحصل على كل المعلومات عما حدث في الماضي، وما يحدث من الأمور التي لا يستطيع أن يراها،عن طريق السمع، سيجعل هذا عالمه أكثر انتشاراً وأكثر تنوعاً وتغيراً من الرجل المتعلم الذي يستخدم عيونه أكثر، في عملية القراءة، لأنه عن طريق الأذن لا يستطيع التركيز، ولكن يمكن للعين أن تركز في عملية القراءة، التي يمكن أن نعرفها بأنها استخدام العينين لتعلم الأشياء التي لا نستطيع أن نراها.
والاختلاف بين المجتمعات المتعلمة ومجتمعات ما قبل التعلم هائلة فالإنتاج على نطاق واسع لم يبدأ بالثورة الصناعية، ولكن بأول صفحة مطبوعة سحبها جوتنبرج من المطبعة، فقد أصبح في الإمكان للمرة الأولى، إنتاج المواد الإعلامية على نطاق واسع بحيث لا يستطيع الإنسان أن يفرق واحدة عن الأخرى وكان لكل الوحدات المنتجة، أي الطبعات، نفس القيمة،ك ن ذلك إنجازاً كبيراً بعد سنوات طويلة كان يتم فيها عمل شيء واحد، في الوقت الواحد، وكانت كل سلعة تختلف بعض الشيء عن السلعة الأخرى.
لكن الأهم من ذلك هو الظرف المحيط الذي فرضته وسيلة الأعلام المطبوعة: كلمة بعد أخرى، وجملة بعد أخرى، وفقرة بعد أخرى، وشيء واحد في الوقت الواحد، في خط منطقي متصل.وقد كأن تأثير هذا التفكير السطري عميقاً، وأثر على كل جانب من جوانب المجتمع المتعلم.
من ناحية أخرى، فإن المجتمع الذي يعتمد على حاسة الاستماع Ear-Oriented أكثر، لن يعمل أو يستجيب بهذا الأسلوب (شيء واحد في الوقت الواحد) ولكنه سيميل إلى استقبال خبرات كثيرة، في نفس الوقت، والتعبير عنها، وربما يفسر هذا مقدرة المراهقين على الاستماع إلى الراديو المرتفع الصوت والمذاكرة في نفس الوقت، .وربما يفسر هذا السر في اختلاف المراهقين حاليا عن المراهقين قبل ذلك، فهذا الجيل هو الجيل الأول أو الثاني لعصر الإلكترونيات، ويختلف أفراده عمن سبقوهم، لأن الوسيلة التي تسيطر على الظروف المحيطة بهم ليست المطبوع، أي الشيء الواحد في الوقت الواحد، وشيء بعد آخر، كما كان الوضع لمدة خمسمائة عام مضت، فبفضل التليفزيون الذي يقدم كل شيء مرة واحدة ويغطي كل شيء، أصبح الإنسان ينظر إلى الأمور بنظرة شمولية،أو كلية، ولهذا أصبح الطفل في المجتمع الحديث الذي يتدرب على معرفة الظروف المحيطة به

تابعوا الجزء الثانى


التوقيع




مع تحيات
رشاد ابوجامع فرغلى حسن ( رشاد الفقيه)






16/04/2008 - 07:31 صباحاً

رد مع اقتباس


#10 رد :للمساعده

رشاد الفقيه

المشرف العام


الصورة الشخصية لـرشاد الفقيه


الهوية الشخصية
رقم العضوية : 1
المشاركات : 10420
الزيارات : 2044
الانضمام : 7/5/2007
النوع : ذكـــــر
الحالة : غير متصل






الجزء الثانى

به من التليفزيون، يتعلم بنفس الطريقة التي تعلم بها أي فرد من أعضاء مجتمع ما قبل التعلم ؛ أي من خبرة عينية وأذنية مباشرة، بدون حروف جوتنبرج كوسيط، يتعلم أولئك الأطفال أن يقرءوا أيضاً، ولكن يأتي هذا في المرتبة الثانية، وليس المرتبة الأولى، كما كان الحال بالنسبة للذين سبقوهم، والدراسات التي أجريت على الأطفال الذين نشأوا في عصر التليفزيون، أي الأطفال من كل الطبقات الاجتماعية الذين اعتادوا الحصول على معلوماتهم أساساً بواسطة التليفزيون، تبين أن الجيل الجديد لا يركز على الصورة كلها، كما يفعل الفرد المتعلم الناضج حينما يشاهد فيلم رعاة البقر مثلاً،بل يمرون بأعينهم بسرعة على الشاشة، ويركزون على جراب المسدس، رؤوس الجياد، القبعات، وكل التفاصيل الصغيرة الأخرى، وحتى في أشد معارك المسدسات يراقب الأطفال التليفزيون بالطريقة التي يراقب بها الأفريقي القبلي غير المتعلم السينما.

ويعتبر الجيل الذي نشأ في عصر التليفزيون من رجال القبائل الجدد، فعندهم توازن حسّي قبلي، وعندهم العادة القبلية للاستجابة العاطفية على الكلمة المنطوقة.
فهم (ساخنون) يريدون المساهمة، كما يريدون أن يلمسوا وأن يشتركوا أكثر، ومن ناحية أخرى يمكن للديماجوجية أن تؤثر عليهم بسهولة أكبر.الفرد الذي يستخدم أساسا حاسة الأبصار أو الذي يعتمد أساساً على المطبوع، هو إنسان فردى فهو (أبرد) ولديه ضمانات مبنية داخله،عنده شعور دائم بأنه بالرغم مما قد يقوله أي شخص، يستطيع أن يتأكد من الموضوع، فهو يحصل على المعلومات الضرورية بطريقة ما ويصنفها في فئات، ويستطيع أن يرجع إليها ويتيقن منها، وحتى إذا كأن ما يعرض عليه شيء لا يستطيع أن يتيقن منه مثل شائعة تقول أن (الصين ستلقي بقنابل ذرية على أمريكا ) –إلا أن ذهنه قد اعتاد الإحساس بأن في مقدوره التأكد والتيقن مما يسمعه. الفرد الذي يستخدم حاسة السمع أساسا، تكيفه ليس فرديا بهذا الشكل، ولكنه جزء من وعي جمعي Collective Consciousness فهو أكثر تصديقا من المتعلم الذي يعتمد على حاسة الإبصار أساساً، أي إنسان الطباعة والقراءة. وقد يبدو هذا وكأنه خاصية سلبية، ولكن بالنسبة للفرد الذي يعتمد على حاسة السمع، أي الرجل القبلي، أي جيل التليفزيون الجديد، فهو أكثر قدرة على أدراك النمط، وهو الأمر الذي يعتبر أساس العقل الإلكتروني. فالطفل يتعلم اللغة كلها بما في ذلك التنغيم والأوزان، علاوة على المعنى.أما الرجل المتعلم فإن الطريقة التي يحاول بها أن يحول الأصوات إلى مطبوع في عقله تؤخر تعلمه، فهو يأخذ الكلمات واحدة واحدة، ويضعها في فئات ويترجمها في تسلسل متعب، ويبذل في ذلك مجهوداً مضنياً.
وماكلوهان، مثل هارولد أنيس، يؤمن بأن التاريخ الحديث للمجتمعات الغربية ما هو إلا تاريخ (لاتصال متحيز)، واحتكار للمعرفة، يقوم على أساس المطبوع، ويعتبر المفكر أنيس أن الوسائل المطبوعة التي تقدم المضمون في شكل سطري مسئولة عن كثير من الاتجاهات غير المرغوبة التي ظهرت خلال الخمسة قرون السابقة. ويقصد ماكلوهان، حينما يصف الاتصال الذي وجد في الخمسة قرون السابقة بالتحيز، أنه اتصال سيطر عليه المطبوع، وتحكم فيه. يقول هارولد أنيس أن نمو وسائل الأعلام المطبوعة منذ القرن الخامس عشر قتل تقليد الاتصال الشفهي،وحل محل تنظيم المجتمع على أساس الزمن، وما هو موجود Temporal تنظيم آخر قام على المساحة أو الاتساع Spatial،مما جعل الفرد يركز على أوجه نشاطه الخاصة، وجعل القيم نسبية، وحول محور السلطة من الكنسية إلى الدول، وشجع القومية المتطرفة. لاشك أن وجهه النظر هذه مهمة وجديرة بالدراسة، ولكن هذه التطورات التي حدثت لا يمكن أن نعزوها فقط إلى تطور تكنولوجية المطبوع، فمما لا شك فيه أن الاختراعات التكنولوجية الأخرى،مثل وسائل المواصلات السريعة،ومصادر الطاقة الجديدة، والمعدات الآلية، والإلكترونيات، وإحياء التعلم، ونمو الديمقراطية، ونمو الطبقة المتوسطة، وتقسيم العمل، وإثارة مثاليات اجتماعية جديدة، لاشك أن هذه العوامل كان لها أيضا دور في التأثير. وإذا قلنا أن المطبوع كان له دور في كل تلك التطورات فإن هذه التطورات بدورها أثرت بشكل ما، على المطبوع، ولكن حلول مجتمع جديد محل المجتمع الشفهي أحدث تغييرات أساسية على نظرة الإنسان الكلية للظروف المحيطة به، وحوّل السلطة من أيدي أولئك الذين يستطيعون أن يتذكروا الماضي، ويحفظون الكتب السماوية، إلى أولئك الذين يعرفون الأماكن البعيدة والأساليب المختلفة لعمل الأشياء، وجعل في الإمكان تكوين جماعات اجتماعية كبيرة (وأحيانا حدوث تصادم بين تلك الجماعات) تحت قيادة مركزية.هذه التغيرات التي حدثت حينما بدأ المجتمع يعتمد على وسائل الأعلام يمكن أن نراها اليوم في العديد من الدول النامية.
تلك كانت بعض آراء هارولد أنيس التي قبلها ماكلوهان، ولكن تناول ما كلوهن لتلك الأفكار هو تناول سيكولوجي، وهو يعيد إلى الأذهان افتراضات الباحثين ساير وورف، بالرغم من أن ماكلوهان مهتم بالطريقة التي تؤثر بمقتضاها وسائل الأعلام، وهو غير مهتم بتأثير اللغات، وعلى نظرة الفرد للعالم، وعلى الطرق التي يفكر بمقتضاها، ففكرته الرئيسية تقوم على أن وسائل الأعلام لا تنقل فقط معلومات ولكنها تقول لنا ما هو نوع العالم الموجود، وهذا لا يجعل حواسنا تثار وتتمتع فقط، ولكنها تعدل نسبة استخدامنا للحواس، وتغير في الواقع شخصيتنا، ولم يكن ماكلوهان أول من قال أن (الأشياء التي نكتب عليها كلماتنا لها أهمية أكبر من الكلمات نفسها ) ولكن الطريقة التي قدم لنا بمقتضاها هذه الفكرة هي التي تقتبس باستمرار..فهو يقول ((الوسيلة هي الرسالة )) لأن طبيعة كل وسيلة إعلامية، وليس مضمونها، هو الأساس في تشكيل المجتمعات.
الوسيلة هي الرسالة:
يرفض ماكلوهان رأي نقاد وسائل الأعلام الذين يدعون أن وسائل الأعلام الجديدة ليست في حد ذاتها جيدة أو رديئة، لكن الطريقة التي تستخدم بها هذه الوسائل هي التي ستحد أو تزيد من فائدتها، يقترح ماكلوهان بدلاً من ذلك أنه علينا أن نفكر في طبيعة وشكل وسائل الأعلام الجديدة، فمضمون التليفزيون الضعيف ليس له علاقة بالتغيرات الحقيقية التي يسببها التليفزيون، كذلك قد يتضمن الكتاب مادة تافهة أو مادة كلاسيكية، ولكن ليس لهذا دخل بعملية قراءته. فالرسالة الأساسية في التليفزيون هي التليفزيون نفسه، العملية نفسها، كما أن الرسالة الأساسية في الكتاب هي المطبوع. فالرأي الذي يقول أن وسائل الأعلام أدوات يستطيع الإنسان أن يستخدمها في الخير أو الشر، رأي تافه عند ماكلوهان. فالتكنولوجيا الحديثة، مثل التليفزيون أصبحت ظرفاً جديداً محيطاً مضمونه ظرف أقدم.وهذا الظرف الجديد يعدل جذريا الأسلوب الذي يستخدم به الناس حواسهم الخمس، والطريقة التي يستجيبون بها إلى الأشياء. ولا يهم إذا عرض التليفزيون عشرين ساعة يوميا أفلام( رعاة البقر) التي تنطوي على عنف وقسوة، أو برامج ثقافية راقية، فالمضمون غير مهم، ولكن التأثير العميق للتليفزيون هو الطريقة التي يعدل بمقتضاها الناس الأساليب التي يستخدمون بها حواسهم Sensory Patterns ويعبر عن هذا بقوله المختصر المشهور (الوسيلة هي الرسالة-
The Medium is The Message ) ويعتبر هذا من أهم الإضافات التي قدمها مارشال ماكلوهان إلى ما قاله هارولد أنيس في كتابه (تحيز الاتصال) فقد حلل ماكلوهان الطريقة التي يفترض أن المطبوع يؤثر بمقتضاها، وقال أن المطبوع يفرض منطقاً معيناً على تنظيم التجربة البصرية، لأنه يحطم الواقع إلى وحدات منفصلة ومتصلة بشكل منطقي وسببي، يتم إدراكه بشكل سطري على الصفحة بعد تجريدها من طبيعة الحياة الكلية، غير المرتبة، وذات الأبعاد الحسية المتعددة. ويسبب هذا عدم توازن في علاقة بالظروف المحيطة به، لأن المطبوع يؤكد نوع من المعلومات يتم إدراكها بواسطة العين بدلاً من المعلومات التي يحصل عليها الفرد بواسطة الاتصال الشخصي، عن طريق كل الحواس، ولأن الكتابة والقراءة هما من أوجه النشاط الشخصية التي تتناول تجربة مجردة، فهما يفقدان الفرد لقبليته، ويأخذانه خارج الثقافة الشفهية الوثيقة العرى، ويضعانه في ظرف خاص أو شخصي، بعيداً عن الواقع الذي يتناوله اتصاله.
وبالطبع فإن تطور المطبوع يسبب تماثلاً بين أبناء البلد الواحد، ويقرب البعيد، وبهذا تحل المدينة محل القرية، وتحل دولة الأمة محل دولة المدينة.ويعني ماكلوهان أيضا بفكرة (الوسيلة هي الرسالة ) بالإضافة إلى هذا أن مضمون أي وسيلة هو دائما وسيلة أخرى، فالضوء الكهربائي مثلاً هو معلومات صرفه، فهو وسيلة بلا رسالة، إلا إذا استخدم لتقديم إعلان أو رسم، ولكن إذا نظرنا إلى الكتابة نجد أن مضمونها هو الكلام، والكلمة المكتوبة هي مضمون المطبوع، والمطبوع هو مضمون التلغراف، ومضمون الكلام هو عملية التفكير التي تعتبر غير لفظية، فمضمون الظروف الجديدة هو الظروف الأقدم.ونحن نحاول دائما أن نفرض الشكل القديم على المضمون الجديد، وحينما كان الإنتاج الآلي جديداً خلق – بالتدريج- ظروفا محيطة جديدة كان مضمونها الظروف القديمة للحياة الزراعية والفن والحرف..فالظرف الآلي الجديد الذي يحيط بالأفراد حول الطبيعة إلى شكل فني، وللمرة الأولي بدأ الإنسان يعتبر المطبعة مصدراً لقيم جميلة وروحية، وبدأ الناس في الإعجاب بالعصور السابقة، بينما لم يكن الأفراد الذين عاشوا في العصور التي سبقت عصر الإنتاج الآلي على وعي بعالم الطبيعة كفن، وكل تكنولوجيا جديدة تخلق ظروفا جديدة محيطة تعتبر هي نفسها فاسدة تحط بالشأن،ولكن الجديد يحول ما يسبقه دائما إلى شكل فني.
فحينما كانت الكتابة جديدة، حول أفلاطون الحوار الشفهي القديم إلى شكل فني، وحينما كانت الطباعة جديدة أصبحت العصور الوسطى شكلاً فنياً، وحوّل عصر الصناعة عصر النهضة إلى شكل فني.
ونظرا لأن التكنولوجيا الحديثة المتغلغلة قد خلقت سلسلة كاملة من الظروف الجديدة، أصبح الإنسان واعيا ومدركا للفنون على أنها ( ضد الظروف المحيطة Anti –Environments ) والأسلوب الذي تدرب به الإنسان قديماً على الملاحظة لم تعد له صلة بالعصر الذي نعيش فيه، لأنه يقوم على الاستجابات السيكولوجية والمفاهيم التي تأثرت بالتكنولوجية القديمة- تكنولوجية الميكنة- وقد يفسر هذا (عصر القلق ) الذي نعيش فيه، فنحن نشعر بالقلق لأننا نحاول أن نقوم بعمل اليوم بأدوات الأمس، وبمفاهيم الأمس.
وقد أصبح الشاب اليوم يدرك بالفطرة الظروف الحالية المحيطة أي الدراما الكهربائية، فهو يعيش بعمق، وربما كان هذا هو السبب في الفجوة الكبيرة الموجودة بين الأجيال، فالحروب والثورات والتمرد المدني هي من ظواهر الظروف الجديدة المحيطة التي خلقتها وسائل الأعلام الكهربائية، فقد أصبح زمننا هو زمن عبور الحواجز لإزالة الفئات القديمة، وللبحث عما حولنا، وتعمل الثقافة الغربية الرسمية على جعل وسائل الأعلام الجديدة تقوم بمهام الوسائل القديمة، لذلك نشهد حاليا أوقاتاً صعبة نتيجة للتصادم بين تكنولوجيتين عظيمتين، فنحن نقترب من الجديد بالاستعداد السيكولوجي للقديم، وباستجاباتنا الحسية الملائمة للقديم، وهذا الصدام يحدث بالطبع في المرحلة الانتقالية،فالفن في أواخر العصور الوسيطة عبّر عن الخوف من تكنولوجية المطبوع بفكرة رقصة الموت.
واليوم يتم التعبير عن مخاوف مماثلة في مسرح العبث، والإنسان لم يكن يدرك أبدا القواعد الأساسية لنظم ظروفه المحيطة أو ثقافات الظروف المحيطة، ولكن اليوم نظراً لأن ظروفنا المحيطة أصبحت تتغير بسرعة،أصبحنا قادرين حاليا على رؤية المستقبل، من الظروف المحيطة الحالية. فالفلسفة الوجودية ومسرح العبث هي ظواهر المحيط الجديد الذي يعتمد على الكهرباء،هذه الظواهر تمثل الفشل الشائع الناتج عن محاولتنا أن نقوم بالعمل المطلوب الذي تتطلبه الظروف الجديدة المحيطة بأدوات أو وسائل الظروف القديمة.
والمهم أن أي (رسالة ) أو أي (وسيلة) أو أي تكنولوجيا، هي تغيير للمدى أو المساحة أو الشكل الذي تدخله في الشئون البشرية.لم تدخل السكة الحديد الحركة أو المواصلات أو الطريق، في المجتمع البشري، ولكنها عملت على توسيع نطاق Scale تلك المهام البشرية السابقة،خالقة أنواعا جديدة من المدن، وأنواعا جديدة من العمل ووقت الفراغ،حدث ذلك في أي مكان عملت فيه السكة الحديد، بشكل مستقل تماماً عن الحمولة أو المضمون الذي تحمله السكة الحديد كوسيلة للمواصلات، والطائرة من ناحية أخرى، بإسراعها بالمواصلات تميل إلى حل شكل السكة الحديد في المدينة والسياسة والارتباط، مستقلة تماما عن استخدامات الطائرة المختلفة أو ما تحمله.
إذا عدنا مرة أخرى إلى نموذج الضوء الكهربائي نجد أنه سواء استخدام في عمل عملية جراحية في المخ أو في إضاءة مباراة الكرة السلة، فهذا ليس مهماً، نستطيع أن نقول أن أوجه النشاط تلك هي بشكل ما مضمون الضوء الكهربائي، حيث أنها لا يمكن أن تتواجد بدون ضوء كهربائي.هذه الحقيقة تصور وجهة النظر التي تسيطر على مدى الارتباط البشري وشكله وعلى العمل البشري، أما المضمون أو استخدام الوسيلة فهو متنوع ولا يؤثر على تشكيل الارتباط البشري، ولكن الملاحظ أن مضمون أي وسيلة يلهينا عن طبيعة الوسيلة نفسها، والضوء الكهربائي لا يلفت انتباهنا كوسيلة اتصال لأنه ليس له ( مضمون) وهذا يجعله مثالا طيبا لا ظهار الطريقة التي يفشل بسببها الناس تماما في دراسة وسائل الأعلام، فإذا لم يستخدم الضوء الكهربائي في عرض اسم سلعة فلن يلاحظه أحد كوسيلة،وفي هذه الحالة، فأن الضوء وليس ( المضمون ) الذي هو في الواقع وسيلة أخرى، وهو الذي لم تتم ملاحظته.
رسالة الضوء الكهربائي مثل رسالة الطاقة الكهربائية في الصناعة جذرية وشاملة وغير مركزية،ونظراً لأن الضوء الكهربائي والطاقة منفصلان عن استخداماتهما إلا أنهما يستبعدان عوامل الزمن والمساحة في الارتباط البشري، تماما كما يفعل الراديو، والتلغراف، والتليفون، والتليفزيون، خالقين اشتراطا أو اندماجاً Involvement بعمق.
كنا قد تحدثنا عن الأطفال الذين نشأوا عهد التليفزيون، وذكرنا أنهم يختلفون عن الأطفال الذين نشأوا في عهد المطبوع، نلاحظ حاليا أن نسبة كبيرة من الأطفال في المجتمعات الغربية الذين نشأوا في عهد التليفزيون يتركون المدارس في سن مبكرة، والسبب ليس الظروف الاقتصادية أو الظروف الاجتماعية السيئة، ولكن السبب هو أن طفل اليوم هو طفل التليفزيون، فالتليفزيون قدم ظروفا جديدة لتكييف بصري منخفض Low Visual Orientation واشتراك مرتفع، الأمر الذي يجعل قبول أسلوب التعليم القديم صعباً.قد تكون أحدى الاستراتيجيات لمواجهة هذه المشكلة هي رفع المستوى البصري لصورة التلفزيون لتمكن التلميذ من الوصول إلى مستوى يقترب من العالم البصري القديم لحجرة الدراسة والمناهج المقررة، وهذا يستحق التجربة كحل مؤقت، ولكن التليفزيون عنصر واحد من عناصر الجو الإلكتروني المحيط الذي يعتمد على شبكة أو دائرة الكترونية جاءت مباشرة، بعد العالم الذي اعتمد على العجلة والصامولة والمسمار. لقد أصبح لزاما علينا أن نسهل انتقالنا من العالم البصري المجزأ، أي عالم المطبوع، حتى نصل إلى أسلوب للتعليم نستخدم فيه كل وسيلة حديثة متوافرة.
حاليا يسمح لشباب اليوم بادراك معالجة التراث التقليدي للبشرية من خلال باب الوعي التكنولوجي، فقد أغلق المجتمع هذا الباب الوحيد الممكن ذلك لأن المجتمع ينظر إلى الشاب من خلال مرآة تعكس الأشياء والخليقة (أي الماضي) يعيش الشباب اليوم بعمق في عالم خيالي أو سحري بينما يواجه – عندما يتعلم – ظروفا منظمة على أساس المعلومات المصنفة، أي الموضوعات غير المتصلة التي يتم إدراكها بصريا على أساس خطي. لا توجد أمام الطالب وسيلة للاشتراك ولا يستطيع أن يكتشف كيف تتصل المشاريع التعليمية بعالمه الخيالي الذي يتحرك فيه، وعلى المؤسسات التعليمية أن تدرك بسرعة أننا نعيش في حرب بين تلك الظروف المحيطة ووسائل الأعلام الأخرى، غير الكلمة المطبوعة، فالفصل الدراسي في كفاح مرير من اجل الحياة في العالم الخارجي الذي خلقته وسائل الأعلام الحديثة، ويجب أن ينتقل التعليم من التدريس، ومن فرض صور مطبوعة أو متماثلة على الطلبة إلى الكشف والاكتشاف والتعمق.
والوسيلة هي الرسالة، تعني بالإضافة إلى ذلك، أشياء أخرى فقول ماكلوهان يشير أيضا إلى أن لكل وسيلة جمهوراً من الناس الذين يفوق حبهم لهذه الوسيلة اهتمامهم بمضمونها، بمعنى آخر التليفزيون كوسيلة هو محور لاهتمام كبير، فكما يحب الناس أن يقرءوا من اجل الاستمتاع بممارسة تجربة المطبوع، وكما يجد الكثيرون متعة في التحدث إلى أي شخص في التلفون، كذلك يحب البعض التليفزيون بسبب الشاشة التي تتحرك عليها الصور، والصوت.
ع لاوة على ذلك،(الرسالة) في الوسيلة هي تأثير الأشكال التي تظهر بها على المجتمع.الرسالة المطبوعة كانت كل جوانب الثقافة الغربية التي أثر عليها المطبوع، والرسالة في وسيلة السينما هي مرحلة الانتقال من الروابط السطرية إلى الأشكال، كذلك يقترح ماكلوهان أن بناء الوسيلة ذاتها مسئول عن نواحي القصور فيها ومسئول عن مقدرتها على إيصال المضمون، فهناك وسيلة أفضل من وسيلة أخرى في إثارة تجربة معينة، كرة القدم مثلاً،أفضل في التليفزيون منها في الراديو أو في عمود الجريدة، ومباراة كرة القدم الرديئة على شاشة التليفزيون أكثر إثارة من مباراة عظيمة تذاع بالراديو، ولكن على العكس من ذلك أغلب تحقيقات الهيئات النيابية، أقل إثارة للملل في الجريدة عنها في التليفزيون، ويبدو أن كل وسيلة بها (ميكانيزم ) خاص بها يجعل بعض الموضوعات أفضل من موضوعات أخرى.
الوسائل الساخنة والوسائل الباردة:
وقد ابتكر ماكلوهان، في تعريفه لذلك ( الميكرنيزم ) اصطلاحات فئات( الساخن) و (البارد ) ليصف في نفس الوقت بناء وسيلة الاتصال أو التجربة التي يتم نقلها ومدى تفاعلها، وما نطلق عليه كلمة (بارد) تستخدم عادة في وقتنا الحاضر لتعني الجدال الذي ينغمس فيه الناس بشدة، ومن ناحية أخرى (الاتجاه البارد) كان يعني الحياد الذي يميل إلى الابتعاد وعدم الاهتمام، كلمة (ساخن) أصبحت غير مستخدمة حينما طرأت تغيرات عميقة على طريقة النظر للأمور، ولكن التعبير الدارج (بارد) ينقل قدرا إلى جانب الفكرة القديمة (ساخن) فهو يشير إلى نوع من الالتزام والمساهمة في ظروف تتضمن قدرات الفرد كلها.
ماكلوهن لا يهاجم فقط السطرية، ولكن أيضا الطبيعة التجريدية للغة المطبوعة التي تعتبر من عناصر قوتها، وبدلاَ من المقدرة على التجريد، يهتم بالمقدرة على التخيّل التي تعتبر محور فكرته أو مفهومه، الذي يقتبس دائما حينما يفرق بين الوسائل (الساخنة ) و ( الباردة).. فالوسيلة ( الساخنة) هي الوسيلة التي لا تحافظ على التوازن في استخدام الحواس أو الوسيلة التي تقدم المعنى، مصنوعاً جاهزاً إلى حد ما، مما يقلل احتياج الفرد للخيال لكي يكون صورة للواقع من العلاقات التي تقدم إليه،أما الوسيلة (الباردة ) فهي الوسيلة التي تحتاج إلى أو تحافظ على التوازن بين الحواس، وتحتاج لقدر كبير من الخيال،ولكن حتى ماكلوهان نفسه لا يتسم بالثبات الكامل في تصنيفه لوسائل الأعلام تحت هاتين الفئتين، فهو يعتبر المطبوع والراديو من الوسائل (الساخنة)، التي تستخدم كل منهما حاسة واحدة، ولا تحتاج (في رأي ماكلوهان ) إلا لقدر بسيط من الخيال، بينما يعتبر الفيلم الناطق والتليفزيون، من (الوسائل الباردة ) التي تحتاج، كما يقول ماكلوهان، إلى أقصى درجة من الجهد الخيالي من جانب المتفرجين. والغريب في نتائج ماكلوهان المتصلة بالاحتياج للخيال أنه، لا يعتمد أساسا على الحاجة للتنظيم والتجريد من القدر الكبير من التجربة المحددة التي يقدمها التليفزيون، ولكنه يهتم أساسا بأسلوب الإدراك، بمعنى أن التليفزيون يقدم عددا كبيرا من نقاط الضوء الصغيرة التي يجب أن تنظمها الأنظمة العصيبة والحسية المركزية، وتكون منها صورة للواقع.
بهذا المعنى يستطيع الفرد أن يعتبر الآلية الذاتية Automation باردة، في حين أن الأنواع الميكانيكية القديمة أو (الوظائف) المجزأة، ساخنة، والشخص التقليدي أو غير المتطور أو المحافظ ليس ( بارداً) لأن قدراته لا تساهم بعمق.
الوسيلة الساخنة أو التجربة الساخنة، درجة وضوحها مرتفعة، High Definition أو هي أقرب للأشياء الطبيعية، فهي على درجة عالية من الفردية، كما أن بها قدرا كبيرا من المعلومات المطلوبة، ولا تحتاج إلى مساهمة كبيرة من جانب المتلقي، أما الوسيلة (الباردة ) فدرجة وضوحها (منخفضة ) والمعلومات التي تنقلها أيضاً منخفضة، وتتطلب من جانب الجمهور مساهمة لتكملة التجربة. صورة التليفزيون درجة وضوحها منخفضة، لذلك يضطر الفرد إلى المساهمة أو الاشتراك سيكولوجيا بدرجة كبيرة،أي يضطر المتفرج إلى أن يملأ المساحات التي يشاهدها بالعقل، كما يفعل بالكارتون، لهذا نجد متفرج التليفزيون أكثر اشتراكا في تكملة الصورة التي يقدمها التليفزيون منه في حالة الفيلم السينمائي، فهو مضطر لبذل مجهود، وهو يستعرض الصور بعينه ليكملها ويملأ نواحي النقص فيها.. يسمي ماكلوهان التليفزيون وسيلة (باردة ) والصحافة وسيلة (ساخنة) بسبب المدى الذي تشترك به حواسنا في كل منها،(وتأثير كل وسيلة على بناء المجتمع يتوقف،إلى حد كبير، على درجة حرارتها ) فإن الوسيلة الساخنة تسمح بمساهمة أقل من الوسيلة الباردة، فالمحاضرة مثلا تسمح بمساهمة أقل من الندوة ( السمنار) والكتاب يحتاج إلى مساهمة أقل من الحوار، والكارتون وضوحه أو دقته (منخفضة) ذلك لأنه يقدم قدرا بسيطا من المعلومات...فهو بارد.
المطبوع وسيلة ساخنة، يفرض نمطه على الصفحة، يتكرر بلا نهاية، وهو يقوم على التجريد، ويحمل المطبوع الإنسان بعيدا عن العلاقات الوثيقة التقليدية المعقدة إلى أسلوب الحياة الحديثة، من القبلية إلى الأممية، ومن الإقطاع إلى الرأسمالية، ومن الحرفية إلى الإنتاج على نطاق واسع، ومن الحكمة إلى العلم، والمطبوع يقوم على تعدد الرسائل والأنماط بشكل لا نهائي تقريبا.
الحديث الشفهي، على العكس من ذلك، وسيلة باردة، فهو يطور حواراً واستجابة، ورجع صدى، وأنماط معقدة ومتداخلة للعلاقات الشخصية، ومجتمعات مركزة في العائلة، وأخلاقيات عائلية وقبلية، واعتقاد أو إيمان بأشياء خارقة للطبيعة.
والراديو وسيلة ساخنة، وكان دائما وسيلة أساسية لتسخين الدماء في أفريقيا والهند والصين.
والفكرة الرئيسية أن الوسيلة الساخنة تُبعد، والوسيلة الباردة تقرّب أو تستوعب ؛ الوسائل الساخنة درجة المساهمة فيها أو تكميل الجمهور لما تقدمه، ضئيلة، أما الوسائل الباردة فدرجة مساهمة الجمهور في إكمال ما تقدمه عالية، الوسيلة الساخنة هي التي تمد الحواس، وهي على درجة عالية من الوضوح، ونعني بالوضوح العالي، توفير الوسيلة للمعلومات بشكل عام بدون مساهمة شديدة من جانب الجمهور، فالصور،على سبيل المثال،درجة وضوحها مرتفعة لذلك هي ساخنة، بينما الكارتون درجة وضوحه منخفضة لذلك فهو بارد، لأن الرسم الفج يوفر معلومات بصرية بسيطة جداً، ويستلزم من المتفرج أن يكمل الصورة بنفسه، ولهذا التليفون، الذي يعطي الأذن معلومات بسيطة نسبيا، هو وسيلة باردة، كذلك الكلام، فكلاهما يتطلب من المستمع قدراً كبيراً من التكميل أو ملء الفجوات،من ناحية أخرى، الراديو ليس وسيلة ساخنة لأنه يوفر بشكل حاد وعميق قدراً كبيراً من المعلومات المسموعة العالية في وضوحها بحيث لا تتطلب سوى جهداً بسيطاً من الجمهور لكي يكمله أو لا تترك أي شيء للجمهور لكي يكمله. المحاضرة،على نفس النمط، ساخنة، ولكن الندوة أو السمنار وسيلة باردة، والكتاب ساخن، ولكن المحادثة وسيلة باردة.
ويطبق ماكلوهان أيضا الاصطلاحين (ساخن) و(وبارد) على التجارب، وعلى الناس والدول، فيقول أن وسائل الأعلام الباردة أفضل بالنسبة للأفراد الذين يتميزون بطابع فردي إلى حد كبير، أي الأفراد الأكثر برودا الذين يصعب أثارتهم. ووسيلة مثل الراديو تحتاج إلى صوت يتصف بخصائص متميزة عن غيره، ويمكن التعرف عليه مباشرة،أما التليفزيون فيفضل الأفراد الذين تكون (درجة وضوحهم ) منخفضة جداً بحيث يظهرون عاديين ولكن بشكل إيجابي.
على هذا الأساس نستطيع أن نفسر جميع الظواهر التي كانت في الماضي لا تخضع للفحص والدراسة - مثل نجاح الشخص غير العاطفي أو غير المثير أو غير الجذاب في التليفزيون - أي الشخصيات العادية.
ويقول ماكلوهان (( أن التليفزيون وسيلة باردة، ترفض الشخصيات والموضوعات الساخنة أكثر من الصحافة التي تعتبر وسيلة ساخنة فلو كان التليفزيون موجودا على نطاق واسع خلال حكم هتلر لساعد ذلك على اختفاء هتلر بسرعة )) !!
وعلينا أن نشير إلى أنه بينما يعتبر ماكلوهان على تأثير الوسيلة نفسها نافع ومفيد،إلا أن تأثيرات الرسالة نفسها متنوعة أكثر من الوسيلة نفسها.فالرسالة هي الرسالة والوسيلة هي الوسيلة وكل واحدة تؤثر على الأخرى بحيث لا يمكن فصل واحدة عن الأخرى فالأخبار في الرأي الا بعض هي الأخبار بصرف النظر عن الوسيلة التي تنقل بها الناس ولو أن درجة اكتساب المعلومات من التليفزيون اذا لم يتطابق النص مع الصورة، قد تقل كثيرا هناك دليل على أن الإدراك وجمع نقط الضوء على شاشة التليفزيون يحدث اختلافا في التأثير كما أن هناك حاجة إلى اعادة التفكير في موضوع الخيال الذي يحتاج إليه نوع ما من أنواع الاتصال وهو الأمر الذي لفت ماكلوهان أنظارنا إليه فهناك من يقول بأن قدر الخيال الذي تحتاج إليه ترجمة المطبوع إلى صور واقعية أكبر من ذلك الذي تتطلبه مشاهدة التليفزيون، كما أن هناك من يقول بأن غياب الصوت في الأفلام الصامتة يحتاج لخيال أكبر من الخيال الذي تحتاج إليه الأفلام الناطقة.
وتأكيد ماكلوهان على تأثير الوسيلة نفسها مفيد،كما أن إشارته إلى تأثير التوازن أو عدم التوازن بين نسب استخدام وسائل الحس تؤثر على أو تعيد بناء كل قيمنا ومؤسساتنا، وهذا له أهمية كثيرة وتأثير المطبوع ألسطري على منطق التفكير، يعتبر من الأمور الجديرة بالدراسة، ولكن وقع ماكلوهان الأساسي ينبع مما قاله عن التليفزيون، فكلاً من ماكلوهان وهارولد أنيس يعتبران أن نمو وتطور المطبوع إلى عصر التليفزيون الجديد، فهو يرى أن التليفزيون سوف يعيد التوازن الصحي للحواس، وسوف يجعل الفرد يهتم بأمور أخرى غير شؤونه الخاصة، كما سوف يعيد الأحاسيس القبلية إليه.
فماكلوهان يرى أن مد جهازنا العصبي تكنولوجيا، يغمسنا في حركة تجمع عالمية للمعلومات، وتمكن الإنسان من إدماج البشرية كلها داخله، وإن دور الإنسان المتعلم في العالم الحديث، وهو دور الإنسان الذي يبعد نفسه ويفصل نفسه عن الأمور المختلفة، سوف يتغير ويتحول إلى مساهمة شديدة بسبب الوسائل الإلكترونية التي ستجعلنا مرة أخرى نعود إلى الترابط، ولكن الطبيعة المباشرة لحركة المعلومات الالكترونية تقوم على اللامركزية، وبدلا من توسيع عائلة الإنسان تميل إلى بناء وجود قبلي متعدد، ويظهر هذا بشكل خاص في الدول المتقدمة، حيث يخلق الصراع بين الثقافة القديمة والبطيئة والمجزأة، والثقافة الالكترونية الجديدة أزمة في تحديد الشخصية، وفراغ في الذات، يسبب عنفاً شديداً، بحثاً عن شخصية خاصة أو عامة.
فالتليفزيون سوف يعود بالفرد مرة أخرى إلى التجارب الجماعية للثقافة الشفهية وسوف يشجع المساهمة بدلا من الانسحاب والعزلة، والعمل بدلا من الاقتصار على التفكير، والعلاقات السليمة بدلا من القومية المتطرفة، فهذه النظرة إلى المفيد للتليفزيون في الوقت الذي ينشغل فيه الناس في التحذير من تأثير التليفزيون المادي والعنيف تعتبر من المساهمات الأساسية التي قدمها ماكلوهان.



المبحث الخامس
نظرية التقمص الوجداني
المقدرة على التقمص الوجداني جزء لا يتجزأ من الاتصال، لأنه يربط بين ذهن المرسل وذهن المتلقي، والتقمص الوجداني هو المقدرة عن فهم الحالة الذهنية لشخص آخر، كأن تقول لشخص آخر (أنني أفهم مشاعرك ) ..كيف يتحقق التقمص الوجداني ؟.. وما هي قيمته للاتصال في هذه العملية ؟
يكتسب الفرد المقدرة على التقمص الوجداني بالتحرك المادي من مكان إلى آخر أو عن طريق التعرض لوسائل الإعلام، التي تجعل التحرك السيكولوجي يحل محل التحرك المادي أو الجغرافي، وقيمة التقمص الوجداني للاتصال يمكن تلخيصها في أنه لكي نتصل يجب أن يتوافر لنا على الأقل ثلاثة عناصر:
1- وسائل مادية للاتصال
2- رجع صدى
3- مقدرة على التقمص الوجداني
والمقدرة على التقمص الوجداني، أي عمل استنتاجات عن الآخرين، وتغيير تلك الاستنتاجات لتتفق مع الظروف الجديدة ، هذه المقدرة معروفة منذ ألفي عام، فقد أشار إليها أفلاطون وسان جون وسان أوجستين وسان الاكويني Equnas وبعد ذلك سبينوزا Spinoza في مؤلفاتهم، وقد اعتبرها آدم سميث وهربرت سبنسر عملية انعاكس بدائي، وفي هذا القرن ناقش الباحثون ليبس Lipps وريبوت Ribot وشلير Scheler التقمص الوجداني في تحليلهم للعطف ، ويرجع الفضل في (نحت) كلمة الوجداني Empathy في اللغة الإنجليزية إلى تيوردور ليبس الذي سماها Feeling Into
وقد طور الباحث جورج ميد نظرية التقمص الوجداني في كتابهMind,self,and society فقد افترض ميد أنه حينما نتوقع أو نستنتج مشاعر الآخرين، وما سيفعلونه، وحينما نخرج بتنبؤات، تتضمن السلوك الخاص للإنسان ، واستجاباته الخفية ، وحالاته الداخلية ومعتقداته ، ومعانية،حينما نطور توقعات وحينما نتنبأ نفترض أن لدينا مهارة يسميها علماء النفس بالتقمص الوجداني، أي القدرة على الإسقاط وتصور انفسنا في ظروف الآخرين، ويساعد على تطوير تلك القدرة، التحرك المادي، من مكان إلى آخر،كذلك تعمل وسائلً الإعلام على تطوير المقدرة على التقمص الوجداني بين الأفراد الذين لم ينتقلوا من مجتمعاتهم المحلية أبداً، لأن تلك الوسائل تنقل العالم الخارجي إليهم.
وهناك نظريتان عن التقمص الوجداني:
نظرية تقول أننا نجرب الأشياء مباشرة، ونفس ما يفعله الآخرون وفقاً لخبراتنا، أي نفترض ان جميع الناس سوف يتصرفون بنفس الطريقة التي نتصرف بها، وإننا لا نستطيع أن نتنبأ بما سيفعله الآخرون، إذا لم نمر نحن أنفسنا بنفس التجربة التي يمرون بها.
والنظرية الثانية تقول اننا نحاول أن نضع أنفسنا في ظروف ومواقف الآخرين، وفي اتصالنا نتحول من الاستنتاجات إلى اخذ أدوار الآخرين، على أساس تنبؤاتنا.
كيف نطور هذه المقدرة على التقمص الوجداني ؟
إن هذا ه سؤال أساسي لطلبه الاتصال ، ولكن للأسف ليس لدينا رد قاطع عليه، فهناك بعض النظريات المتعلقة بالتقمص الوجداني تتفق مع الأدلة التي تم التوصل إليها بالبحث، ونستطيع أن نعرف التقمص الوجداني بأنه العملية التي نتوصل بمقتضاها إلى توقعات ، توقعات عن الحالات السيكولوجية الداخلية الإنسان .
كيف يحدث هذا ؟..هناك ثلاث وجهات نظر أساسية عن التقمص الوجداني، فترى إحدى مدارس الفكر أنه ليس هناك تقمص وجداني، وإننا لا نستطيع أن نطور توقعات،الذين يؤيدون هذا الرأي هم من المؤمنين غالبا بنظرية التعلم البسيطة المكونة من منبه واستجابة، وأصحاب هذه النظرية يقولون أن كل ما لدينا في عملية الاتصال هو مجموعة من الوسائل، رسالة يقدمها شخص ويدركها شخص آخر ، بمعنى آخر هناك منبهات واستجابات، وهذا كل ما في الأمر. ونظرية التعلم البسيطة قد تفسر التعلم غير البشري عند الحيوان ، ولكنها لا تفسر سلوك البشر، فالبشر يطورون توقعات، ولديهم المقدرة على تصور أنفسهم في حالات وظروف الآخرين النفسية، ولهذا لا نستطيع قبول الرأي الذي لا يعترف بوجود التقمص الوجداني، وأننا لا نستطيع أن نطور توقعات وتنبؤات، ذلك لأنه لا بد أن تحدث عملية تفسيرية من نوع ما قبل القيام بالاستجابة، وتطوير التوقعات يحتاج إلى موهبة من نوع ما، فنحن في حاجة إلى أن نفكر في الأشياء التي ليست أمامنا والتي لم نجربها، ولكي يكون لدينا توقعات ، ولكي نتحدث عن الأشياء غير المتوفرة، نحن في حاجة إلى أن نصنع تلك الرموز ونؤثر عليها، فالإنسان يختلف عن الحيوان في أنه يطور كلتا المهارتين التين حدثنا عنهما، فهو قادر على أدراك الرموز والتأثير عليها، كما أنه يستطيع أن يصنع الرموز لتخدم أغراضه، لهذا السبب يستطيع أن يعيد تقديم الأشياء غير الموجودة أمامه، أي تقديم ما ليس هنا وما لا يحدث الآن، ومن الواضح أن الإنسان لديه تلك المهارة، بالرغم من أن هناك اختلافات فردية بين الناس.
لهذا يرفض الباحث الرأي الذي لا يعترف بمفهوم التقمص الوجداني، فنحن جميعاً نتوقع المستقبل. ونقوم بعمل تنبؤات عن العلاقات بين : (1) السلوك الذي نقدم عليه، (2) والسلوك الذي يقدم عليه الآخرون استجابة على سلوكنا، (3) والاستجابة التالية التي نقدم عليها بناء على سلوك الناس.
فنحن نقوم بأكثر من الفعل ورد الفعل، لأننا نطور توقعات عن الآخرين تؤثر على أعمالنا قبل أن نقوم بتلك الأعمال، وهذا ما نعنيه بالتقمص الوجداني.
وهناك نظريتان معروفتان عن أسس التقمص الوجداني. توافق النظريتان على أن المادة الأساسية للتوقعات هي السلوك المادي الذي يقوم به الإنسان وكلتا النظريتين توافقان على أن تنبؤات الإنسان عن الحالات السيكولوجية الداخلية عنده تقوم على السلوك المادي الذي يمكن ملاحظته ، وكلتاهما تتفقان على أن الإنسان يكون تلك التنبؤات باستخدام رموز تشير إلى ذلك السلوك المادي وبالتأثير على تلك الرموز .
أولا – نظرية الاستنتاج في التقمص الوجداني :
Inference Theory of Empathy
تقول نظرية الاستنتاج في مجال التقمص الوجداني أن الإنسان يلاحظ سلوكه المادي مباشره، ويربط سلوكه رمزيا بحالته السيكولوجية الداخلية ، أي بمشاعره وعواطفه.. الخ ، ومن خلال هذه العلمية ، يصبح لسلوكه الإنساني معنى ،أي يصبح (لتفسيراته معنى). يطور الفرد مفهومه عن ذاته بنفسه على أساس ملاحظاته وتفسيراته لسلوكه الخاص .
وبمفهوم الذات، يتصل بالآخرين ويلاحظ سلوكهم المادي، وعلى أساس تفسيراته السابقة لسلوكه وما ارتبط من مختلف المشاعر والعواطف يخرج باستنتاجات عن حالة الآخرين السيكولوجية .بمعنى آخر، يقول لنفسه أنه إذا كان سلوكه يعكس كذا وكذا من المشاعر،إأذا قام شخص آخر بهذا السلوك فهو أيضا يعكس نفس المشاعر التي شعر بها حينما قام بهذا العمل.
هذا الرأي في التقمص الوجداني يفترض أن الإنسان لديه معلومات من الدرجة الأولى عن نفسه، ومن الدرجة الثانية عن الناس الآخرين. ويقول أن الإنسان لديه المقدرة على فهم نفسه، عن طريق تحليل سلوكه الذاتي، ومن هذا التحليل يستطيع الإنسان أن يخرج باستنتاجات عن الآخرين تقوم على أساس أن هناك تماثلاً بين سلوكهم وسلوكه .
ولنأخذ مثالاً لهذا، افترض أنك لاحظت أنك تقوم بدق المائدة بيدك كلما شعرت بالغضب، ثم شاهدت شخصاً أخر يدق بيده على المائدة، حينئذ سوف تستنتج من سلوكه أنه غاضب، أي أنك تستطيع ان تستنتج أحاسيسه الداخلية من : ( أ ) ملاحظة سلوكه، ( ب ) مقارنة سلوكه بسلوك مماثل أقدمت عليه وعبرت فيه عن غضبك .
هذا هو الموقف الذي تأخذه نظرية الاستنتاج المتصلة بالتقمص الوجداني.. فما هي الافتراضات الكامنة فيها ؟
1. إن الإنسان لديه معلومات من الدرجة الأولى عن أحاسيسه الداخلية، ويمكن أن تكون ليه معلومات من الدرجة الثانية عن أحاسيس الآخرين الداخلية .
2. إن الآخرين يعبرون عن أحاسيسهم الداخلية بالقيام بنفس السلوك الذي نقوم به للتعبير عن مشاعرنا.
3. إن الإنسان لا يستطيع أن يفهم الحالة الداخلية للآخرين، ما لم يجرب تلك الحالة بنفسه، فالإنسان لا يستطيع أن يفهم العواطف التي لم يشعر بها والأفكار التي لم تخطر بذهنه .. الخ .
وسنعالج هذه الافتراضات واحدة بعد أخرى:
أولاً: تقول نظرية الاستنتاج في التقمص الوجداني أن معلومات الإنسان عن نفسه هي معلومات من الدرجة الأولى، وكل المعلومات الأخرى هي معلومات من الدرجة الثانية، وسنناقش هذا الافتراض ونحن نستعرض نظرية أخذ الأدوار في التقمص الوجداني .
ثانيا : الافتراض الثاني يشير إلى أن كل الناس تعبر عن أحاسيسها بسلوك واحد متشابه في مجموعه، وأن كل الناس يعنون نفس الأشياء بالسلوك الذي يقدمون عليه، ولكن هذا الافتراض لا يمكن قبوله بشكل مطلق ، بل وكثيراً ما يفشل الاتصال بسبب هذا الاعتقاد، فنحن نفترض دائماً أن الشخص الآخر يعطي نفس المعنى الذي نعطيه لكلمة ما، وأن ابتسامة من شخص آخر تعبر عن نفس الحالة الداخلية التي تعبر عنها ابتساماتنا، وأن الآخرين يرون العالم بنفس الطريقة التي نراه بها، لمجرد أنهم يقومون بقدر كبير من السلوك المادي الذي نقوم به .
حقيقة أننا كثيراً ما نتوصل إلى أفكارنا على الحالات الداخلية للآخرين باستنتاجها من حالاتنا الذاتية، كما نربطها بسلوكنا الذاتي، ولكننا ونحن نفعل ذلك كثيراً ما نخطئ، فنحن نفشل دائماً في معرفة ما يحدث في نفوس الآخرين حينما نفترض أنهم مثلنا .
ونحن في حاجة إلى استخدام أسلوب آخر في معالجة التقمص الوجداني يفسر تفسيراً كاملاً نجاحنا في التنبؤ بسلوك الآخرين، وتوقع ذلك السلوك ونحن في حاجة إلى أسلوب يفترض أن الناس ليسوا متماثلين .
علاوة على هذا هناك دلائل تشير بعدم صحة الافتراض الثالث لنظرية الاستنتاج الذي يقول بأننا لا نستطيع أن نفهم المشاعر الداخلية للناس الآخرين ما لم نجربها بأنفسنا، وحقيقة أن الإنسان يفهم بشكل أفضل تلك الأشياء التي جربها بنفسه، ولكنه يستطيع بالرغم من ذلك أن يفهم (على الأقل جزئياً) بعض المشاعر التي لم يجربها، على سبيل المثال نستطيع أن نحس بشعور الأم عندما تفقد طفلها، ونستطيع أن نتصور مشاعر السعادة التي يشعر بها الفرد الذي يتزوج الفتاة التي يحبها، بالرغم من أننا نحن أنفسنا لم نتزوج، فالتجربة تزيد فهمنا، ولكنها ليست أساسية للفهم .
والحجج الأساسية في نظرية الاستنتاج للتقمص الوجداني فيها بعض المزايا، إلا أن نظرية الاستنتاج لا تفسر التقمص الوجداني بشكل يبعث تماماً عن الرضا، لذلك سنهتم بنظرية أخذ الأدوار التي روجها جورج ميد، وتعتبر أنعكاساً لوجهة النظر السيكولوجية الاجتماعية .
ثانيا : نظرية أخذ الأدوار في التقمص الوجداني :
إذا افترضا أن معلومات الإنسان من الدرجة الأولى هي عن نفسه، أو أن الإنسان يكوّن مفهوماً معيناً عن ذاته قبل أن يتصل بالآخرين، نستطيع أن نفحص سلوك بعض الأفراد ونحاول أن نفسر نتائج ذلك السلوك على التقمص الوجداني .
إذا نظرنا إلى الطفل الرضيع وكيف يتصرف وكيف يطور قدراته على التقمص الوجداني، نجد أن المادة الرئيسية التي يلاحظها الطفل هي السلوك المادي أي الرسالة السلوكية، والطفل مثل أي شخص آخر يستطيع أن يلاحظ، ويقوم بسلوك عادي.. السؤال الآن هو كيف يطور الطفل تفسيراته عن ذاته وعن الآخرين ؟
إن أصحاب نظرية أخذ الأدوار يدّعون أن الطفل المولود حديثاً لا يستطيع أن يميز أو يفرق عن الآخرين ولكي يطور فكرته عن ذاته يجب أن ينظر الطفل أولاً إلى نفسه كشيء وأن يتصرف تجاه نفسه كما يتصرف تجاه الناس الآخرين، بمعنى آخر فكرة الذات لا تسبق الاتصال، بل تتطور من خلال الاتصال، الطفل الصغير يقلد كثيراً، فهو يلاحظ سلوك الآخرين ويحاول أن يقلد سلوكهم بقدر الإمكان، بعض السلوك الذي يقلده سلوك موجه إليه، فأمه تحدث أصواتا حين تتحدث في وجوده، ويبدأ الطفل في تقليد تلك الأصوات ووالده يحرك عضلات وجهه ( يبتسم) في وجوده فيبدأ في تقليد حركات الوجه هذه .
وبتقليد السلوك الموجه إليه يبدأ الطفل بنفسه في التصرف، كما يتصرف الآخرون نحوه، ولكن ليس لديه تفسير لتلك الأعمال أو التصرفات، وليس لتصرفاته معنى عنده، هذه هي بداية أخذ الأدوار وبداية تطوير الذات، وفي المرحلة الأولى من مراحل أخذ الأدوار يمارس الطفل فعلاً أدوار الآخرين بدون أن يفسرها، يقلد سلوك الآخرين، ويجازى على استجاباته التي يأخذ فيها أدواراً، فيترك الاستجابات التي لا يرضى الآخرون عنها، في حين يستبقي الاستجابات التي حظيت بقبولهم.
وبتطور الطفل يزداد سلوكه الذي يأخذ فيه أدوار الآخرين، ويتصرف نحو نفسه بشكل متزايد، بنفس الطريقة التي يتصرف بها الآخرون نحوه، في نفس الوقت، يتعلم أن يصنع مجموعة من الرموز ويتحكم فيها، يصنع رموزاً لها معنى عنده وعند الآخرين، وحينما يزود الطفل بمجموعة من الرموز، يستطيع أن أ يبدأ في فهم الأدوار التي يأخذها، ويستطيع أن يفهم كيف سيتصرف الآخرون نحوه، كما يستطيع أن يبدأ فعلاً في وضع نفسه في أماكن الآخرين، وينظر إلى نفسه بالطريقة التي ينظر بها الناس إليه، وكثيراً ما نشاهد أطفالاً صغاراً يبلغون من العمر عامين أو ثلاثة يلعبون بإقامة حفلات شاي يتخيلونها، ونسمعهم يؤنبون بعضهم البعض، بصنع رسائل كانت قد وجهت إليهم، مثل احمد يجب ألا تفعل ذلك وألا حرمتك من الحلوى، أو لا يا زينب، ليست هذه هي الطريقة التي يجب أن تجلسي بها على المائدة .
حينما يتصرف الطفل بهذا الشكل، فهو ينظر إلى نفسه كمحور للسلوك، أي ينظر إلى نفسه على أنه شيء خارجي، فهو يلعب دور الوالدين، ويضع نفسه في مكان الوالدين، هذه هي المرحلة الثانية من مراحل اخذ الأدوار، وفيها يلعب الطفل أدوار الآخرين بفهم، وحينما ينضج الطفل يقوم بأدوار الآخرين الأكثر تعقيداً، وباستخدام الرموز يستنتج أدوار الآخرين ويحتفظ بتلك الأدوار في ذهنه، بدلاً من القيام بأدوار الآخرين مادياً، هذه هي المرحلة الثالثة من مراحل القيام بدور، وهي المرحلة التي يبدأ فيها الطفل في وضع نفسه في أماكن الآخرين رمزياً، بدلاً من وضع نفسه مكانهم مادياً .
وحينما يضع الطفل نفسه في مكان الأطفال الآخرين، يطور توقعات عن سلوكه الذاتي أي عما هو متوقع منه في هذه الظروف، ثم يتصرف بعد ذلك وفقاً لتلك التوقعات، كما يحددها أخذه لأدوار الآخرين، إذا قام بعمل جيد، وهو يأخذ الأدوار سيتفق سلوكه مع توقعات الآخرين وسيكافؤنه، وإذا لم يقم بما هو متوقع منه في اخذ الأدوار لن يكافئ، بل سيعاقبه الآخرون، وباستمرار، بالمساهمة في نشاط الجماعة، يمارس الطفل أدواراً كثيرة يقوم بها الآخرون، وفي قيامه بتلك الأدوار ينظر إلى نفسه كمتلقي، وكمحور للسلوك، وبالتدريج يبدأ في التعميم عن ادوار الآخرين، أي يبدأ في تكوين أفكار عامة عن الطريقة التي سوف يتصرف بها الآخرون، وكيف يفسرون وكيف يستجيبون عليه، ويسمى هذا مفهوم التعميم عن الآخرين، والتعميم عن الآخرين هو عملية تجريدية تقوم على ما يتعلمه الفرد عن الأدوار الفردية الشائعة التي يقوم بها الآخرون في جماعته .
كل منا يطور ويعمم عن الآخرين، على أساس خبراتنا في ظروف اجتماعية معينة، وعلى أساس أدوار الآخرين المتتابعة التي نقوم بها، التعميم عن الآخرين يوفر لنا مجموعة من التوقعات عن الطريقة التي يجب أن نتصرف بها، هذا هو ما نعنيه بمفهوم الذات، أي أن مفهوم الذات عندنا هو مجموعة من التوقعات التي نعتنقها، عن الطريقة التي يجب أن نتصرف بها في ظرف معين، كيف نطور مفهوم الذات ؟.. أننا نطوره عن طريق الاتصال، وعن طريق أخذ أدوار الآخرين وعن طريق التصرف نحو الآخرين، كمحور للاتصال، وعن طريق تطوير تعميم عن الآخرين.
نظرية الاستنتاج تفترض وجود مفهوم الذات، وتقترح أننا نستطيع أن نتقمص وجدانيا باستخدام مفهوم الذات، لنخرج باستنتاجات عن حالات الآخرين الداخلية، وتقترح نظرية الاستنتاج أن مفهوم الذات يحدد كيف نتقمص وجدانيا، أما نظرية أخذ الأدوار فتعالج الموضوع من الناحية الأخرى تماماً .
فتقترح أن مفهوم الذات لا يحدد التقمص الوجداني بدلاً من ذلك، الاتصال يؤدي إلى مفهوم الذات، وأخذ الأدوار يسمح بالتقمص الوجداني، كلتا النظريتين تعطيان أهمية كبيرة لطبيعة اللغة والرموز المهمة في عملية التقمص الوجداني وتطوير مفهوم الذات .
أي منهما نصدق ؟.. وكيف يتقمص الإنسان وجدانيا ؟.. نقول أن الإنسان يستخدم كل تلك الأساليب في التقمص الوجداني، فالإنسان يبدأ بأخذ الأدوار، فكل منا يأخذ أدوار الآخرين، وكل منا يعمم عن الآخرين، والطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا يحددها مفهومنا أو أسلوبنا في التعميم عن الآخرين، والمضمون الاجتماعي الموجود وتوقعات الآخرين عن سلوكنا.
حينما ننضج نطور أو نبني مفهوم الذات، ثم نعمل وفقاً له، نبدأ الآن في عمل استنتاجات عن الآخرين، تقوم على أساس مفهومنا عن الذات، فنقلل من قيامنا بأدوار الآخرين، ونزيد من استخدامنا للاستنتاجات، ونفترض أن الناس الآخرين مثلنا وأن سلوكهم يعكس نفس الحالات الداخلية التي يعكسها سلوكنا، ونستمر في القيام بذلك حتى يصبح هذا العمل غير مجزياً .
حينما نتقمص وجدانيا، بعمل استنتاجات ثم لا نجازى عليها نضطر إلى نلجأ إلى حل واحد من حلين أما :
1. أن نحرف سلوك الآخرين الذي ندركه ونجعله يتفق مع توقعاتنا.
2. أو أن نعيد النظر في صورتنا الذهنية عن أنفسنا، ونعيد تعريف ذاتنا، ونعود مرة أخرى إلى أخذ الأدوار.
وإذا لجأنا إلى الحل الأول أي تحريف العالم الذي ندركه، نصبح مرضى بأمراض عقلية، وتصبح لدينا تصورات غير واقعية، وينتهي بنا المطاف في مستشفى للأمراض العقلية، وهذا ليس مرغوباً فيه، ونستطيع أن نتنبأ بأن مشكلة الصحة العقلية متصلة بعدم مقدرة الإنسان أو عدم رغبته في تغيير صورته الذهنية عن نفسه، حينما يجد أن هذه الصورة غير مجزية في الظروف الاجتماعية المحيطة به .
وماذا عن الحل الثاني البديل، أي إعادة تعريف الذات ؟.. لكي نفعل هذا علينا أن نعود إلى اخذ الأدوار، أدوار الآخرين، وأن نطور مفهوماً جديداً للتعميم عن الآخرين، ومجموعة جديدة من التوقعات عن سلوكنا، حينما نفعل ذلك نعيد أنفسنا ونغير سلوكنا، وفقاً لهذا التعريف الجديد، ونبدأ مرة أخرى في الخروج باستنتاجات عن الناس الآخرين .
حينما نلعب دور شخص آخر، نجمع في وقت واحد نظريتي الاستنتاج وأخذ الأدوار، وحينما نلعب دوراً نحن نقدم في الواقع على سلوك معين، من هذا نستطيع أن نستنتج حالاتنا الداخلية المتصلة بهذا السلوك أو ذاك، ونستطيع أن نستخدم تلك الاستنتاجات في القيام بدور شخص آخر.
فعمليتا القيام بدور والاستنتاج تسيران سوياً باستمرار، فهي تعني أن الإنسان يكيف نفسه، ويستطيع أن يغير سلوكه ليتفق مع الظروف والوضع الاجتماعي الذي يجد نفسه فيه، وذلك بأن يطور توقعات يقوم فيها بأدوار الآخرين أو باستنتاجات، أو يفعل الأمرين معاً.
والسؤال هنا متى نجد أنه من الضروري أن نعيد تعريف الذات ؟.. نشعر بالحاجة إلى ذلك حين ندخل في جماعة جديدة أو نجد أنفسنا في ظروف اجتماعية مختلفة، على سبيل المثال حينما يدخل مراهق الجامعة، يجد نفسه في ظرف اجتماعي جديد، وعندئذ قد تكون استنتاجاته عن الآخرين غير صالحة لحياته الجديدة، لذلك يقوم بعمل تنبؤات خاطئة، وتصبح توقعاته مهزوزة، وعادة ما يبدأ في سؤال نفسه هذا السؤال: من أنا في حقيقة الأمر ؟
ماذا يفعل المراهق ؟.. يبدأ في أخذ الأدوار في مرحلة مبكرة، أي يبدأ في تقليد سلوك الآخرين بدون أن يكون لهذا التقليد معنى، وتدريجياً يأخذ أدوار الآخرين من الطلبة أو المدرسين ... الخ، ويضع نفسه في موقف الآخرين وينظر إلى نفسه من خلال أعينهم، وهو إذ يفعل ذلك يطور مفهوماً جديداً عن الآخرين، ومجموعة جديدة من التوقعات عن سلوكه الذاتي، وهكذا يعيد تعريف نفسه، ويبدأ في التصرف وفقاً لهذا التعريف الجديد.
هذه العملية مطلوبة منا، أكثر من مرة، في مواقف كثيرة من حياتنا، فحينما ندخل في مجتمع جديد أو ننضم إلى جماعة جديدة أو نسافر إلى حضارة مختلفة، تضعف قدرتنا على التنبؤ، حينئذ يصبح من الصعب أن نصنع استنتاجات أساسها معرفتنا الذاتية، وإذا كأن علينا أن نعمل بفاعلية على تغيير الوضع الاجتماعي، نحن في حاجة إلى أن نأخذ أدوار الآخرين، ونعيد تعريف أنفسنا، عندما يتم ذلك يصبح هذا إلى حد ما علامة على أن الإنسان قد تكيف.
دور وسائل الإعلام في تنمية المقدرة على التقمص الوجداني
(نظرية دانييل لرنر) :
يعتبر عالم الاجتماع الأمريكي دانييل لرنر أن المقدرة على التقمص الوجداني من الخصائص الأساسية اللازمة لانتقال المجتمع من الشكل التقليدي إلى الشكل الحديث، ويفترض أن هذه الخاصية كانت تكتسب في الماضي بتحرك الأفراد مادياًن وانتقالهم من مكان إلى أخر، واختلاطهم بالآخرين، في القرن العشرين أصبحت هذه الخاصية تكتسب أساساً عن طريق وسائل الإعلام التي قامت بنقل العالم الخارجي إلى الأفراد الذين لم تتح لهم الفرصة لكي يسافروا أو يتركوا مجتمعاتهم المحلية .
وقد ربط لرنر المقدرة على التقمص الوجداني بتسلسل تاريخي حدث في المجتمعات الغربية، فأشار في استعراضه لانهيار أو زوال المجتمع التقليدي في الشرق الأوسط " بناء على المادة التي جمعها له مركز الأبحاث التطبيقية في جامعة كولومبيا الأمريكية عن ست دول في الشرق الأوسط، وبناء على المادة التعليمية التي حصل عليها عن 54 دولة" على أن هناك مراحل محددة يمر بها المجتمع ليصل إلى المرحلة الحديثة، المدينة تتسع لتشمل القرى المجاورة، نسبة أكبر من الأفراد تتعلم القراءة، وتتعلم كيف تكون آراء، نسبة أكبر تشتري الصحف وتستمع إلى الراديو، ونسبة أكبر تكتسب القدرة على التقمص الوجداني أي تصور نفسها في مواقف وظروف الآخرين، ثم يتسع نطاق المساهمة السياسية والاقتصادية .
ونظرية لرنر مستخلصة من التاريخ، فقد وجد من استعراضه لتطور الديمقراطيات الغربية أن عملية التحضر أظهرت بعض التسلسل والخصائص التي يمكن أن نعتبرها عالمية، أي تحدث في جميع المجتمعات، ففي كل مكان حدث فيه الانتقال إلى المدن زادت نسبة المتعلمين، وزيادة نسبة المتعلمين رفعت نسبة من يتعرضون لوسائل الإعلام، وزيادة التعرض لوسائل الإعلام سارت موازية لاتساع المساهمة الاقتصادية، أي الدخل القومي، والمساهمة السياسية أي الانتخاب، هذا التسلسل الذي حدث في الديمقراطيات الغربية هو حقيقة تاريخية، وقد صحب تلك التطورات التي تظهر في التطور التاريخي خاصية سيكولوجية هي مقدرة الأفراد على تصور أنفسهم في ظروف الآخرين، فقد تميز الغرب في مراحل تطوره الأولى بأنه كان يتسم بأوضاع غير ثابتة، فقد حدثت فيه هجرات مستمرة للوصول إلى أرض جديدة، يستطيع الناس أن يحققوا فيها ربحاً، وأصبح الأفراد الذين تركوا أوطانهم يتميزون بشخصيات متحركة، وبقدرة عالية على استيعاب الجوانب الجديدة في الظروف المحيطة . فقد تحركوا وهم مهيئون ومجهزون لاستيعاب مطالب جديدة عليهم، يفرضها محيطهم الخارجي الجديد، أشياء قد لا يكونون قد جربوها من قبل، هذا الاستعداد جعلهم قادرين على التقمص الوجداني .
المجتمع التقليدي مجتمع لا يساهم أفراده في أوجه النشاط السياسي، والقرابة هي أساس التعامل فيه، وجماعاته الصغيرة منعزلة بعضها عن بعض، وعن المركز العاصمة، حاجات المجتمع التقليدي قليلة، فليس هناك تبادل تجاري بين أجزائه المختلفة، وبدون الروابط التي تنشأ نتيجة لاعتماد أجزاء المجتمع بعضها عن البعض يضيق أفق الأفراد، وتقل قدراتهم على التحليل، لأن اختلاطهم بالآخرين بسيط، إن لم يكن معدوما،ً لذلك فإدراك أفراد ذلك المجتمع للحوادث يقتصر على ما عرفوه من خبراتهم القليلة السابقة المحصورة في نطاق مجتمعهم الصغير، وهم غير قادرين على فهم ما لم يجربوه بشكل مباشر، كما أن معاملاتهم مقصورة على الأفراد الذين يتصلون بهم مباشرة في علاقاتهم الشخصية، لذلك لا تظهر الحاجة إلى المناقشة بين الأفراد والجماعات في الأمور العامة، التي تتصل بالدولة والنظريات السياسية، أي أن الفرد لا يحتاج للنقاش وتبادل الآراء لكي يتفق مع الآخرين الذين لا يعرفهم، كما أن المجتمع لا يحتاج إليه للوصول إلى الإجماع في الرأي حول الشؤون العامة، لأن تجربة الفرد محدودة بحدود النطاق المحلي جداً، ولا يستطيع ذهنه أن يتصور أنه ينتمي إلى دولة كبيرة .
وقد سأل لرنر في دراسته عينة مكونة من 1357 فرداً من الشرق الأوسط تسعة أسئلة فيها إسقاط مثل :
إذا كنت رئيساً للحكومة أو محرراً في جريدة أو مديراً لمحطة إذاعة، فما هي الأشياء التي كنت تفعلها ؟.. وقد وجد لرنر أن الأفراد التقليديين يصابون بصدمة من هذا النوع من الأسئلة، ويتعجبون كيف توجه إليهم، أما الذين يتميزون بمقدرة على التقمص الوجداني، فكانوا يتمتعون بشخصيات متحركة، وقد جعلهم ذلك أكثر قدرة على التعبير بآراء عن موضوعات في مجالات كثيرة .
لا شك أن وسائل الإعلام هي التي زادت من مقدرة الأفراد على التحرك النفساني أو تخيل أنفسهم في مواقف لم يجربوها، وفي أماكن غير الأماكن التي اعتادوا رؤيتها، كما عودت أذهانهم على تصور تجارب أوسع من تجاربهم المباشرة المحدودة، وعلى تخيل مناطق لم يشاهدوها .
هذه الخاصية هي التي تميز الإنسان الذي يتغير في المجتمع المتطور، فهو عادة يتميز بشخصية متحركة لها مقدرة على التقمص الوجداني.
وحينما يظهر عدد كبير من الأفراد لهم القدرة على التقمص الوجداني في مجتمع من المجتمعات، نعرف أن هذا المجتمع في سبيله إلى التطور السريع.
فليرنر يرى أن التقمص الوجداني هو الخاصية التي تمكن العناصر الجديدة المتحركة Mobile من العمل بكفاءة في العالم المتغير، ويرى أنها مهارة لا غنى عنها للشعب الذي يتخلص من الإطار التقليدي، فالقدرة على التقمص الوجداني هي أسلوب الحياة السائد الذي يميز الأفراد في المجتمع الحديث، المجتمع الذي يتميز بصناعة متطورة، المجتمع الذي تعيش نسبة كبيرة من سكانه في المدن، المجتمع الذي ترتفع فيه نسبة التعليم، وتزداد نسبة الذين يساهمون من أفراده في الحياة السياسية .
وسائل الإعلام وسيلة لمضاعفة التحرك The Mobility Multiplier :
بفضل وسائل الإعلام أصبح في إمكان الفرد أن ينتقل من مكان إلى أخر نفسانيا، أي أصبح في إمكانه أن يتخيل نفسه في ظروف غريبة وأماكن جديدة .
فبدلاً من أن ينتقل الأفراد مادياً من مكان إلى أخر، وهو أمر يتوفر لفئة قليلة فقط، ويكون من أسباب نموهم النفساني والذهني، تدخل وسائل الإعلام جميع المناطق النائية منها والقريبة، في المجتمعات النامية، وتنقل الأفراد الذين لم يغادروا أبداً مكان مولدهم نفسانيا إلى العالم الخارجي، وتنشط خيالهم وتثير طموحهم، أي أن وسائل الإعلام تنمي القدرة على التقمص الوجداني، عند الأفراد لأنها تجعل التحرك النفساني يحل محل التحرك المادي الفعلي، ونظراً لأن التحضر حالة ذهنية واستعداد للتغيير والتكيف، نجد أن وسائل الإعلام بمساعدتها على تغيير تطلعات الأفراد وآفاقهم تقدم خدمة ضرورية لنمو المجتمع الحديث، وتطور المجتمع التقليدي، وقد أنتشر التقمص الوجداني في وقتنا الحالي على نطاق واسع بفضل انتشار وسائل الإعلام، بينما كانت الخبرة في الماضي تتوافر أساساً عن طريق الانتقال بوسائل المواصلات، من مكان إلى آخر، أصبح الأساس اليوم هو الخبرة التي تنتشر عن طريق وسائل الإعلام، وربما كان هذا هو السبب الذي دفعنا للحديث عن التقمص الوجداني في الباب المخصص لوسائل الإعلام.


المبحث السادس
نظريات الإعلام و السلطة

يقصد بنظريات الإعلام خلاصة نتائج الباحثين والدارسين للاتصال بالجماهير بهدف تفسير ظاهرة الاتصال والإعلام ومحاولة التحكم فيها والتنبؤ بتطبيقاتها وأثرها في المجتمع، فهي توصيف للنظم الإعلامية في دول العالم على نحو ما جاء في كتاب (نظريات الصحافة الأربع) لبيترسون وشرام.
علاقة نظريات الإعلام بفلسفة الإعلام:
هناك علاقة بين نظريات الإعلام وفلسفة الإعلام، ففلسفة الإعلام هي بحث العلاقة الجدلية بين الإعلام وتطبيقاته في المجتمع، أي تحليل التفاعل بين أسس الإعلام كعلم وبين ممارساته الفعلية في الواقع الاجتماعي، ويرى النظريون أن نظريات الإعلام جزء من فلسفة الإعلام، لأن فلسفة الإعلام أعم واشمل من النظريات، وكثيرا ما شاع استخدام نظريات الإعلام باعتبارها فلسفة الإعلام أو مذاهب الإعلام، ولكن في واقع الأمر أن استخدام تعبير نظريات الإعلام كان في مجمله انعكاسا للحديث عن أيديولوجيات ومعتقدات اجتماعية واقتصادية أو الحديث عن أصول ومنابع العملية الإعلامية(مرسل، ومستقبل، ووسيلة …الخ)
وترتبط النظريات بالسياسات الإعلامية في المجتمع، من حيث مدى التحكم في الوسيلة من الناحية السياسية، وفرص الرقابة عليها وعلى المضمون الذي ينشر أو يذاع من خلالها، فهل تسيطر عليها الحكومة، أم لها مطلق الحرية أم تحددها بعض القوانين. وفيما يأتي تلخيص لأهم نظريات الإعلام:
1- نظرية السلطة:
ظهرت هذه النظرية في انجلترا في القرن السادس عشر، وتعتمد على نظريات أفلاطون وميكافيللي، وترى أن الشعب غير جدير بأن يتحمل المسؤولية أو السلطة، فهي ملك للحاكم أو السلطة التي يشكلها.
وتعمل هذه النظرية على الدفاع عن السلطة، ويتم احتكار تصاريح وسائل الإعلام، حيث تقوم الحكومة على مراقبة ما يتم نشره، كما يحظر على وسائل الإعلام نقد السلطة الحاكمة والوزراء وموظفي الحكومة، وعلى الرغم من السماح للقطاع الخاص على إصدار المجلات إلا أنه ينبغي أن تظل وسائل الإعلام خاضعة للسلطة الحاكمة.
وتمثل تجربة هتلر وفرانكو تجربة أوروبية معاصرة، في ظل هذه النظرية، وقد عبر هتلر عن رؤيته الأساسية للصحافة بقوله:
"أنه ليس من عمل الصحافة أن تنشر على الناس اختلاف الآراء بين أعضاء الحكومة، لقد تخلصنا من مفهوم الحرية السياسية الذي يذهب إلى القول بأن لكل فرد الحق في أن يقول ما يشاء".
ومن الأفكار المهمة في هذه النظرية أن الشخص الذي يعمل في الصحافة أو وسائل الإعلام الجماهيرية، يعمل بها كامتياز منحه إياه الزعيم الوطني، ويتعين أن يكون ملتزما أمام الحكومة والزعامة الوطنية.

2- نظرية الحرية:
ظهرت في بريطانيا عام 1688م ثم انتشرت إلى أوروبا وأمريكا، وترى هذه النظرية أن الفرد يجب أن يكون حراً في نشر ما يعتقد أنه صحيحاً عبر وسائل الإعلام، وترفض هذه النظرية الرقابة أو مصادرة الفكر.
ومن أهداف نظرية الحرية تحقيق اكبر قدر من الربح المادي من خلال الإعلان والترفيه والدعاية، لكن الهدف الأساسي لوجودها هو مراقبة الحكومة وأنشطتها المختلفة من أجل كشف العيوب والفساد وغيرها من الأمور، كما أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تمتلك الحكومة وسائل الإعلام، أما كيفية إشراف وسائل الإعلام في ظل نظرية الحرية فيتم من خلال عملية التصحيح الذاتي للحقيقة في سوق حرة، بواسطة المحاكمة.
وترى هذه النظرية أن وسائل الإعلام وسيلة تراقب أعمال وممارسات أصحاب النفوذ والقوة في المجتمع، وتدعو هذه النظرية إلى فتح المجال لتداول المعلومات بين الناس بدون قيود من خلال جمع ونشر وإذاعة هذه المعلومات عبر وسائل الإعلام، كحق مشروع للجميع.
نقد النظرية:
لقد تعرضت نظرية الحرية للكثير من الملاحظات والانتقادات، حيث أصبحت وسائل الإعلام تحت شعار الحرية تُعرّض الأخلاق العامة للخطر، وتقحم نفسها في حياة الأفراد الخاصة، دون مبرر، وتبالغ في الأمور التافهة من أجل الإثارة وتسويق المادة الإعلامية الرخيصة، كما أن الإعلام أصبح يحقق أهداف الأشخاص الذين يملكونه على حساب مصالح المجتمع، وذلك من خلال توجيه الإعلام لأهداف سياسية أو اقتصادية، وكذلك من خلال تدخل المعلنين في السياسة التحريرية، وهنا يجب أن ندرك أن الحرية مطلوبة، لكن شريطة أن تكون في إطار الذوق العام، فالحرية المطلقة تعني الفوضى، وهذا يسيء إلى المجتمع ويمزقه.

3- نظرية المسؤولية الاجتماعية:
بعد أن تعرضت نظرية الحرية للكثير من الملاحظات، كان لابد من ظهور نظرية جديدة في الساحة الإعلامية، فبعد الحرب العالمية الثانية ظهرت نظرية المسؤولية الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية، وتقوم هذه النظرية على ممارسة العملية الإعلامية بحرية قائمة على المسؤولية الاجتماعية، وظهرت القواعد والقوانين التي تجعل الرأي العام رقيبا على آداب المهنة، وذلك بعد أن استُخدمت وسائل الإعلام في الإثارة والخوض في أخبار الجنس والجريمة، مما أدى إلى إساءة الحرية أو مفهوم الحرية.
ويرى أصحاب هذه النظرية أن الحرية حق وواجب ومسؤولية في نفس الوقت، ومن هنا يجب أن تقبل وسائل الإعلام القيام بالتزامات معينة تجاه المجتمع، ويمكنها القيام بهذه الالتزامات من خلال وضع مستويات أو معايير مهنية للإعلام مثل الصدق والموضوعية والتوازن والدقة - ونلاحظ أن هذه المعايير تفتقد إليها نظرية الحرية - ويجب على وسائل الإعلام في إطار قبولها لهذه الالتزامات أن تتولى تنظيم أمورها ذاتيا في إطار القانون والمؤسسات القائمة، ويجب أن تكون وسائل الإعلام تعددية تعكس تنوع الآراء والأفكار في المجتمع من خلال إتاحة الفرصة للجميع من خلال النشر والعرض، كما أن للجمهور العام الحق في أن يتوقع من وسائل الإعلام مستويات أداء عليا، وأن التدخل في شؤون وسائل الإعلام يمكن أن يكون مبرره تحقيق هذه المصلحة العامة؛ أضف إلى ذلك أن الإعلاميين في وسائل الاتصال يجب أن يكونوا مسئولين أمام المجتمع، بالإضافة إلى مسؤولياتهم أمام مؤسساتهم الإعلامية.

وتهدف هذه النظرية إلى رفع مستوى التصادم إلى مستوى النقاش الموضوعي البعيد عن الانفعال، كما تهدف هذه النظرية إلى الإعلام والترفيه والحصول على الربح، إلى جانب الأهداف الاجتماعية الأخرى.
ويحظر على وسائل الإعلام نشر أو عرض ما يساعد على الجريمة أو العنف أو ماله تأثير سلبي على الأقليات في أي مجتمع، كما يحظر على وسائل الإعلام التدخل في حياة الأفراد الخاصة؛ وبإمكان القطاع العام والخاص أن يمتلكا وسائل الإعلام في ظل هذه النظرية، ولكنها تشجع القطاع الخاص على امتلاك وسائل الإعلام.

4- النظرية الاشتراكية:
أن الأفكار الرئيسية لهذه النظرية التي وضع أساسها ماركس وأنجلز، ووضع قواعد تطبيقها لينين وستالين، في الاتحاد السوفيتي السابق، وما تزال تطبق في بعض البلدان مثل كوريا الشمالية والصين وكوبا وغيرها، يمكن إيجازها في أن الطبقة العاملة هي التي تمتلك السلطة في أي مجتمع اشتراكي، وحتى تحتفظ هذه الطبقة بالسلطة والقوة فأنها لابد أن تسيطر على وسائل الإنتاج الفكري التي يشكل الإعلام الجزء الأكبر منها، لهذا يجب أن تخضع وسائل الإعلام لسيطرة وكلاء لهذه الطبقة العاملة، وهم في الأساس أعضاء الحزب الشيوعي.
أن المجتمعات الاشتراكية تفترض أنها مجتمعات لا طبقية، وبالتالي لا وجود لصراع للطبقات، لذلك لا ينبغي أن تنشأ وسائل الإعلام على أساس التعبير عن مصالح متعارضة حتى لا ينفذ الخلاف، ويشكل خطورة على المجتمع.
لقد حدد لينين اختصاصات الصحافة وأهدافها:
1- زيادة نجاح واستمرارية النظام الاشتراكي وبوجه خاص دكتاتورية الحزب الشيوعي.
2- يكون حق استخدام وسائل وقنوات الاتصال لأعضاء الحزب المتعصبين والموالين أكثر من الأعضاء المعتدلين.
3- تخضع وسائل الإعلام للرقابة الصارمة.
4- يجب أن تقدم وسائل الإعلام رؤية كاملة للمجتمع والعالم طبقا للمبادئ الشيوعية ووجود قوانين موضوعية تحكم التاريخ.
5- إن الحزب الشيوعي هو الذي يحق له امتلاك وإدارة وسائل الإعلام من أجل تطويعها لخدمة الشيوعية والاشتراكية.


5- النظرية التنموية:
نظرا لاختلاف ظروف العالم النامي، وبخاصة الدول التي ظهرت للوجود في منتصف القرن العشرين، التي تختلف عن الدول المتقدمة من حيث الإمكانيات المادية والاجتماعية، كان لابد لهذه الدول من نموذج إعلامي يختلف عن النظريات التقليدية الأربع التي استعرضناها، ويناسب هذا النموذج أو النظرية أو الأوضاع القائمة في المجتمعات النامية، فظهرت النظرية التنموية في عقد الثمانينات، من القرن الماضي، وتقوم على الأفكار والآراء التي وردت في تقرير لجنة "واك برايل" حول مشكلات الاتصال في العالم الثالث، فهذه النظرية تخرج عن نطاق بعدي الرقابة والحرية كأساس لتصنيف الأنظمة الإعلامية، فالأوضاع المتشابهة في دول العالم الثالث تحد من إمكانية تطبيق نظريات الإعلام التي أشرنا إليها في السابق، وذلك لغياب العوامل الأساسية للاتصال كالمهارات المهنية والمواد الثقافية والجمهور المتاح.
إن المبادئ والأفكار التي تضمنتها هذه النظرية تعتبر مهمة ومفيدة لدول العالم النامي، لأنها تعارض التبعية وسياسة الهيمنة الخارجية.
كما أن هذه المبادئ تعمل على تأكيد الهوية الوطنية والسيادة القومية والخصوصية الثقافية للمجتمعات؛ وعلى الرغم من أن هذه النظرية لا تسمح إلا بقدر قليل من الديمقراطية، حسب الظروف السائدة، إلا أنها في نفس الوقت، تفرض التعاون وتدعو إلى تضافر الجهود بين مختلف القطاعات لتحقيق الأهداف التنموية، وتكتسب النظرية التنموية وجودها المستقل من نظريات الإعلام الأخرى من اعترافها وقبولها للتنمية الشاملة والتغيير الاجتماعي.
وتتلخص أفكار هذه النظرية في النقاط التالية:
أ- إن وسائل الإعلام يجب أن تقبل تنفيذ المهام التنموية بما يتفق مع السياسة الوطنية القائمة.

ب - إن حرية وسائل الإعلام ينبغي أن تخضع للقيود التي تفرضها الأولويات التنموية والاحتياجات الاقتصادية للمجتمع.

ج- يجب أن تعطي وسائل الإعلام أولوية للثقافة الوطنية واللغة الوطنية في محتوى ما تقدمه.

د- أن وسائل الإعلام مدعوة في إعطاء أولوية فيما تقدمه من أفكار ومعلومات لتلك الدول النامية الأخرى القريبة جغرافيا وسياسيا وثقافيا.

هـ - أن الصحفيين والإعلاميين في وسائل الاتصال لهم الحرية في جمع وتوزيع المعلومات والأخبار.

و- أن للدولة الحق في مراقبة وتنفيذ أنشطة وسائل الإعلام واستخدام الرقابة خدمة للأهداف التنموية.

6- نظرية المشاركة الديمقراطية:
تعد هذه النظرية أحدث إضافة لنظريات الإعلام وأصعبها تحديداً، فقد برزت هذه النظرية من واقع الخبرة العملية كاتجاه إيجابي نحو ضرورة وجود أشكال جديدة في تنظيم وسائل الإعلام، فالنظرية قامت كرد فعل مضاد للطابع التجاري والاحتكاري لوسائل الإعلام المملوكة ملكية خاصة، كما أن هذه النظرية قامت رداً على مركزية مؤسسات الإذاعة العامة، التي قامت على معيار المسؤولية الاجتماعية، وتنتشر بشكل خاص في الدول الرأسمالية.
فالدول الأوروبية التي اختارت نظام الإذاعة العامة، بديلاً عن النموذج التجاري الأمريكي كانت تتوقع قدرة الإذاعة العامة على تحسين الأوضاع الاجتماعية والممارسة العاجلة للإعلام، ولكن الممارسة الفعلية لوسائل الإعلام أدت إلى حالة من الإحباط وخيبة الأمل بسبب التوجه النخبوي لبعض منظمات الإذاعة والتلفزيون العامة، واستجابتها للضغوط السياسية والاقتصادية ولمراكز القوى في المجتمع، كالأحزاب السياسية ورجال المال ورجال الفكر.
ويعبر مصطلح "المشاركة الديمقراطية" عن معنى التحرر من نظام الأحزاب والنظام البرلماني الديمقراطي في المجتمعات الغربية، والذي أصبح مسيطرا على الساحة ومتجاهلاً للأقليات والقوى الضعيفة في هذه المجتمعات، وتنطوي هذه النظرية على أفكار معادية لنظرية المجتمع الجماهيري، الذي يتسم بالتنظيم المعقد والمركزية الشديدة ،والذي فشل في توفير فرص عاجلة للأفراد والأقليات في التعبير عن اهتماماتها ومشكلاتها.
وترى هذه النظرية أن نظرية الصحافة الحرة (نظرية الحرية) فاشلة بسبب خضوعها لاعتبارات السوق التي تجردها أو تفرغها من محتواها، وترى أن نظرية المسؤولية الاجتماعية غير ملائمة بسبب ارتباطها بمركزية الدولة، ومن منظور نظرية المشاركة الديمقراطية فأن التنظيم الذاتي لوسائل الإعلام لم يمنع ظهور مؤسسات إعلامية تمارس سيطرتها من مراكز قوى في المجتمع، وفشلت في مهمتها وهي تلبية الاحتياجات الناشئة من الخبرة اليومية للمواطنين أو المتلقين لوسائل الإعلام.
وهكذا فأن النقطة الأساسية في هذه النظرية تكمن في الاحتياجات والمصالح والآمال للجمهور الذي يستقبل وسائل الإعلام، وتركز النظرية على اختيار وتقديم المعلومات المناسبة وحق المواطن في استخدام وسائل الاتصال من أجل التفاعل والمشاركة على نطاق صغير في منطقته ومجتمعه، وترفض هذه النظرية المركزية أو سيطرة الحكومة على وسائل الإعلام، ولكنها تشجع التعددية والمحلية والتفاعل بين المرسل والمستقبل والاتصال الأفقي الذي يشمل كل مسؤوليات المجتمع؛ ووسائل الإعلام التي تقوم في ظل هذه النظرية سوف تهتم أكثر بالحياة الاجتماعية وتخضع للسيطرة المباشرة من جمهورها، وتقد فرصا للمشاركة على أسس يحددها الجمهور بدلا من المسيطرين عليها.

وتتلخص الأفكار الأساسية لهذه النظرية في النقاط التالية:

1•إن للمواطن الفرد والجماعات والأقليات حق الوصول إلى وسائل الإعلام واستخدامها ولهم الحق كذلك في أن تخدمهم وسائل الإعلام طبقا للاحتياجات التي يحددونها.

2• إن تنظيم وسائل الإعلام ومحتواها لا ينبغي أن يكون خاضعا للسيطرة المركزية القومية.

3• إن سبب وجود وسائل الإعلام أصلا هو لخدمة جمهورها وليس من أجل المنظمات التي تصدرها هذه الوسائل أو المهنيين العاملين بوسائل الإعلام.

4• إن الجماعات والمنظمات والتجمعات المحلية ينبغي أن يكون لها وسائلها الإعلامية.

5• إن وسائل الإعلام صغيرة الحجم والتي تتسم بالتفاعل والمشاركة أفضل من وسائل الإعلام المهنية الضخمة التي ينساب مضمونها في اتجاه واحد.

6• إن الاتصال أهم من أن يترك للإعلاميين أو الصحفيين.






المبحث السابع
نظريات الإعلام في الدول النامية

إذا كانت نظريات الإعلام الغربية قد ركزت على الحقوق والحريات والتأثيرات السياسية لوسائل الإعلام، فأن النظريات التي اهتمت بتفسير واقع الأنظمة الإعلامية في دول العالم الثالث أو الدول النامية، قد ركزت على طبيعة الدور الذي ينبغي أن تسهم به وسائل الإعلام في تحقيق التنمية الشاملة والمستقلة، وتبرز في هذا الإطار نظريتان أساسيتان :
اولاً-النظرية التنموية :
صحافة التنمية كما يعرفها "ليونارد سوسمان" هي تركيز الصحفيين الموضوعيين على أخبار أحدث التطورات في مجالات التنمية المختلفة، الأمر الذي يؤدي إلى نجاح التنمية الاقتصادية وتحقيق الوحدة الوطنية.
وتتطلب صحافة التنمية من الصحفي كما يقول "ناريندر أجاروالا" أن يتفحص بعين ناقدة ويقيّم ويكتب عن مدى ارتباط المشروع التنموي بالحاجات المحلية والقومية ويتفحص الاختلافات بين الخطة وتطبيقها، والاختلاف بين آثارها على الناس في تصريحات المسئولين وبين آثارها الفعلية، ونلاحظ هنا التناقض بين الاستخدام الحكومي للصحافة في خدمة التنمية، وبين الدور الرقابي للصحافة في ظل السيطرة الحكومية بتراجع النقد وتتحول أخبار التنمية إلى دعاية سياسية للحكومة وقيادتها.
ووفق هذه النظرية تتلخص مهام وسائل الإعلام في عملية التنمية في النقاط التالية:
أ- تشكيل اتجاهات الشعب وتنمية هويته الوطنية.
ب- مساعدة المواطنين على إدراك أن الدولة قد قامت بالفعل على أداء التزاماتها على الوجه الأكمل.
ج- انتهاج سياسات تقررها الحكومة بهدف المساعدة في تحقيق التنمية الوطنية.
د- تشجيع المواطنين على الثقة بالمؤسسات والسياسات الحكومية مما يضفي الشرعية على السلطة السياسية ويدعم مركزها.

هـ - الإسهام في تحقيق التكامل السياسي والاجتماعي من خلال تجنب الصراعات السياسية والاجتماعية وإحباط أصوات التشرذم والتفرقة والتخفيف من التناقضات في القيم والاتجاهات بين الجماعات المتباينة.
و- المساعدة في الاستقرار والوحدة الوطنية وتغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الذاتية.
ز- إبراز الإيجابيات وتجاهل السلبيات وتقليل حجم النقد إلى حجمه الأدنى.
وتأسيساً على ذلك تبرز قضية سوء استخدام صحافة التنمية خاصة في إطار الاحتكار الحكومي للصحف، حيث تتحول طاقات الصحف لخدمة هدف تدعيم مركز السلطة السياسية وتصبح أهداف التنمية الوطنية ذات أهمية ضئيلة، وتتحول حرية الصحافة كما يشير "جراهام مايتون" لتبدو نوعاً من الترف الفكري في نظر المتحمسين لمفهوم صحافة التنمية، ويوضح فاروق أبو زيد أنه في الدول العربية التي ادعت ضرورة توجيه الصحافة لخدمة التنمية والقضايا القومية انتهى الأمر بتوظيف الصحف لتدعيم النظام السياسي الحاكم والترويج لأفكاره والدفاع عن سياساته.
وهكذا فلم تلبِ هذه النظرية واقع الأنظمة الاتصالية في دول العالم الثالث، الأمر الذي يؤكد الضرورة إلى صياغة نظريات جديدة من إنتاج مفكري العالم الثالث، بحيث تخاطب الواقع بمفهومه وتعقيداته المتشابكة.

ثانياً- نظرية التبعية الإعلامية :
ظهرت هذه النظرية في دول أمريكا اللاتينية، في حقبة ما بعد الاستقلال، كرد فعل لإخفاق نظريات التحديث الغربية في تفسير أسباب التخلف في الدول النامية، وتتلخص في أن ما تقدمه الدول الصناعية من تكنولوجيا إعلامية وأنظمة وممارسات مهنية إعلامية ومواد وبرامج إعلامية للدول النامية لاستهلاكها يعمل على صنع وتعميق التبعية الإعلامية لهذه الدول، وزيادة اعتمادها على الدول الصناعية المتقدمة
ويقول أهم منظري هذه النظرية "شيلر وماتللارات وبويد باريت" أن هذه التكنولوجيا والأنظمة والممارسات الإعلامية المنقولة من دول العالم المتقدم تعمل على تشويه البنيات الثقافية في دول العالم النامي، وتسهم في إحداث سلبيات عديدة مثل خلق الثقافة المهجنة والتغريب الثقافي والغزو الثقافي، وفي هذا الإطار جاءت جهود منظمة اليونسكو التي أسهمت في تقديم منظور نقدي يتميز بالشمول والموضوعية في محاولة لتجاوز الرؤى الجزئية التي تسعى إلى تسييد الرؤية الغربية في الإعلام والاتصال، مما ترتب عليه تجاهل وإغفال الحقوق الاتصالية لشعوب الجنوب، ولقد حرصت لجنة "ماكبرايد" على طرح تصور شامل يتضمن رؤية ومطالب دول الجنوب في مجال الاتصال والإعلام حيث أبرز تقريرها ضرورة المبادرة إلى تطوير المفهوم التقليدي السائد عن سياسات الاتصال والعمل على تغيير الهياكل الاتصالية السائدة والأخذ بالنظام المفتوح في الاتصال الذي يتيح إشراك الجماهير في العملية الاتصالية، وتكشف لنا النظرة المتعمقة لتجارب العالم الثالث حقيقة الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام في تشكيل اتجاهات الرأي العام بصورة خادعة ومضللة ومستهدفة في الأساس إضفاء الشرعية على السياسات الاستبدادية للسلطات السياسية الحاكمة، واعتمادها على تكنولوجيا الاتصال والمعلومات التي تتحكم فيها الشركات متعددة الجنسيات، إلى جانب القوى المحلية ذات النفوذ السياسي والاقتصادي.
نخلص مما سبق إلى أن نظرية التبعية الإعلامية قد أعطت اهتماماً متزايداً للأبعاد الثقافية والتاريخية والدولية في تفسيرها للعلاقة بين وسائل الإعلام والسلطة السياسية ودورها في إطار التبعية الإعلامية والغزو الثقافي.
إلا أنه يؤخذ عليها مبالغتها في تقدير أهمية المتغيرات الخارجية وتأثيرها في الأنظمة والسياسات الاتصالية لدول العالم الثالث، الأمر الذي يقلل كثيراً من أهمية المتغيرات الداخلية فبالرغم مما تمثله الضغوط الدولية من أهمية إلا أن صياغة السياسات الإعلامية مسؤولية وطنية في المقام الأول ويفترض فيها أن تعكس الإرادة الشعبية تصون الذاتية الثقافية.
وأياً كأن الأمر فإن نظرية التبعية الإعلامية في حاجة إلى جهود جديدة لمراجعتها على ضوء المتغيرات الدولية التي برزت في أواخر الثمانينيات، ابتداءً بانهيار الشيوعية وسقوط القطبية الثنائية ومروراً بالنظام العالمي الجديد، وما سمي بعولمة الاقتصاد والسياسة، وانتهاءً بالثورة التكنولوجيا في عالم الاتصال، والحديث عن عولمة الثقافة وصراع الحضارات.
ويمكننا أن نحدد الأنظمة الإعلامية السائدة في العالم الثالث على النحو التالي:
1- نظام إعلامي يقع تحت سيطرة الدولة في إطار مفهومي التنمية والوحدة الوطنية والرقابة تكون صارمة على المضمون.
2- نظام إعلامي موجه من الدولة: تكون الوظيفة الأساسية للصحافة تعبئة الجماهير من أجل التنمية وتدعيم الوحدة الوطنية فتحل المسؤولية القومية محل المسؤولية الاجتماعية.
3 - نظام إعلامي مستقل تتمتع فيه الصحافة بقدر من الحرية بعيداً عن التدخل المباشر للحكومة وتستطيع الصحافة في ظله أن تظهر استقلالية عنيفة في مواجهة الضغوط الحكومية.
ولعل هذا التصنيف أكثر مرونة في تصنيف الأنظمة الإعلامية في العالم الثالث، فمن الصعب إخضاعها لتصنيفات جامدة نظراً لما تتضمنه من تناقضات وتعقيدات.

ثالثاً:النظام الصحفي العربي:
تنفرد الصحافة العربية بموروث سلطوي فريد بحكم نشأتها في أحضان السلطة، وتطبيق ما أحدثه الاستعمار وخلفه من قيود وممارسات معادية لحرية الصحافة وقد أنعكس هذا المورث السلطوي بشكل واضح على التشريعات والسياسات والممارسات لدرجة التطابق بين الأنظمة الصحفية والأنظمة السياسية، والتعامل مع ما ينشر في معظم الصحف العربية على أنه يمثل وجهات النظر الرسمية للحكومات العربية، وسنحاول تحديد أبرز ملامح الأنظمة الصحفية العربية من خلال بعض الدراسات التي تناولت قوانين المطبوعات والصحافة العربية والعلاقة بين الصحافة والسلطة السياسية وتطور الصحافة العربية خلال مرحلتي الاستعمار والاستقلال، ففي دراسة فاروق أبو زيد للأنظمة الصحفية العربية التي اعتمدت تحليل مضمون 16 قانون للمطبوعات في بلدان عربية مختلفة ،خلصت الدراسة إلى أن النظام الصحفي السلطوي يشكل الاتجاه الغالب على الأنظمة الصحفية العربية إلا أنه لا يوجد نظام صحفي عربي نقي، حيث تتداخل خصائص الأنظمة الليبرالية والسلطوية والاشتراكية نتيجة الخلط القائم في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات العربية.
وفي محاولة لتطبيق نظريات الصحافة الغربية على واقع الصحافة العربية توصلت الدكتورة عواطف عبد الرحمن إلى أن هناك كثيراً من أوجه الشبه بين النظرية السلطوية وممارسات الصحافة العربية، وعلى الرغم من وجود بعض التشابه بين النظرية الاشتراكية وبين الأوضاع الإعلامية العربية إلا أنها ترى أنه من العسير أن لم يكن من المستحيل تعميم هذه النظرية.
أما النظرية الليبرالية فأنها لا تصلح للتطبيق على الصحافة العربية ولا تلائم الواقع السياسي والاقتصادي العربي الراهن حيث تسود الأمية والفقر والتخلف الاجتماعي مع شيوع الأنظمة الأوتوقراطية المتسلطة.
ويوضح حماد إبراهيم أن النظام الصحفي السلطوي هو النظام السائد في الوطن العربي، حيث يبرز احتكار السلطة السياسية للنشاط الإعلامي والصحفي ولا تتسع أغلب الصحف العربية إلا لوجهات النظر الرسمية والارتفاع بمكانة صانع القرار المركزي والترويج لسياسات السلطة والتشكيك في الخصوم أو المعارضين السياسيين وتشويه صورتهم أمام الرأي العام.
وفي دراسة لدور وسائل الاتصال في صنع القرارات في الوطن العربي انتهى بسيوني حماده إلى أن هناك فجوة حقيقية بين النظامين السياسي والاتصالي، وأن هذه الفجوة لا تلغي التبعية، وأرجع هذه الفجوة إلى ميل النظام الاتصالي إلى الإثارة والمبالغة وعدم القدرة على التعبير عن الرأي العام، وغياب المعلومات الموثوق بها من جانب السلطة السياسية وعدم اهتمام صانعي القرارات بقراءة ما تنشره الصحف والنظر إلى الاستجابة لمطالب نظام الاتصال على أنه ضعف من السلطة السياسية.
نخلص من ذلك إلى أن أزمة حرية الإعلام والصحافة في الوطن العربي لا تنفصل عن أزمة الديمقراطية حيث تسود الأنظمة السلطوية التي تضع كل السلطات في يد رئيس الدولة سواء كان ملكاً أو رئيساً أو سلطاناً أو أميراً، وفي غياب التنظيمات السياسية الشعبية والديمقراطية وفي إطار عدم التوازن بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية تحولت معظم الصحف العربية إلى أجهزة حكومية مهمتها الدعاية لأنظمة الحكم وتعبئة الجماهير وحشدها لتأييد سياساتها وممارساتها.
ورغم ما شهدته بعض الدول العربية من تحول إلى نظام التعددية السياسية والصحفية إلا أن الأنظمة الصحفية في تلك الدول لم تتحرر حتى الآن من تراث النظرية السلطوية، حيث تهيمن الحكومة على الصحف المركزية الرسمية، وتمارس أشكالاً مختلفة من التنظيم والسيطرة مثل التحكم في تراخيص إصدار الصحف وتعيين رؤساء التحرير وتوجيه السياسات التحريرية والتحكم في تدفق المعلومات والإعلانات، علاوة على القيود القانونية التي تجيز مراقبة الصحف ومصادرتها وتعطيلها وحبس الصحفيين إذا تجاوز حق النقد الحدود المرسومة له.
وإن كان من الطبيعي أن تسود أنظمة صحفية سلطوية في تلك الدول ذات أنظمة الحكم الوراثية والأوتوقراطية فأنه من غير المقبول أن تستمر المفاهيم الصحفية السلطوية في تلك الدول التي تأخذ بالتعدد الحزبي وتتبنى المفاهيم الإعلامية والصحفية الحديثة
منقول


التوقيع




مع تحيات
رشاد ابوجامع فرغلى حسن ( رشاد الفقيه)






16/04/2008 - 08:06 صباحاً

رد مع اقتباس


#11 رد :للمساعده

رشاد الفقيه

المشرف العام


الصورة الشخصية لـرشاد الفقيه


الهوية الشخصية
رقم العضوية : 1
المشاركات : 10420
الزيارات : 2044
الانضمام : 7/5/2007
النوع : ذكـــــر
الحالة : غير متصل



المصادر والمراجع

1- د. إبراهيم إمام: الإعلام والاتصال بالجماهير،ط1، القاهرة، مكتبة النجلو المصرية،1969
2- د.جيهان أحمد رشتي: الأسس العلمية لنظريات الإعلام، ط2، القاهرة، دار الفكر العربي،1978
3- د. حامد ربيع: أبحاث في نظرية الاتصال والتفاعل السلوكي، القاهرة، مكتبة القاهرة الحديثة،1973
4- د. محمد فلحي: صناعة العقل في عصر الشاشة، عمان(الأردن) ، دار الثقافة،2002
5- د. يوسف مرزوق: مدخل إلى علم الاتصال،الإسكندرية (مصر)، دار المعرفة الجامعية،1988
6- تشارلز. ر. رايت: المنظور الاجتماعي للاتصال الجماهيري، ترجمة: محمد فتحي، القاهرة، دار المعارف،1983
7- ولبر شرام: أجهزة الإعلام والتنمية الوطنية، ترجمة: محمد فتحي، القاهرة، الهيئة العامة للتأليف والنشر،1974
8- عثمان الأخضر العربي: النظريات الإعلامية المعيارية ماذا بعد نظريات الصحافة الأربع، حوليات كلية الآداب، الحولية 16، الرسالة 112،الكويت مجلس النشر العلمي بجامعة الكويت 1996
9- Alln wells:Mass communications,Aword view pola Alto, california national prees books,1974
10-Defleur and Dennis: Understanding mas communication, Houghton Mifflin company,1996


التوقيع




مع تحيات
رشاد ابوجامع فرغلى حسن ( رشاد الفقيه)






16/04/2008 - 08:10 صباحاً

رد مع اقتباس


#12 رد : للمساعده

yara408

عضو متميز


الهوية الشخصية
رقم العضوية : 965
المشاركات : 13
الزيارات : 35
الانضمام : 17/2/2008
النوع : أنثــــى
الحالة : غير متصل



:# :# شكرا لك دكتور رشاد لقد اتعبتك معى كثيرا ولا استطيع ان اوصف لك مدى سعادتى فقد تفيدنى هذه المواضيع كثيرا شكرا لك مره اخرى :# :#

26/04/2008 - 01:04 مساءً

رد مع اقتباس


رد جديد موضوع جديد الموضوع السابق | الموضوع التالي
المواضيع المتطابقة
العنوان الكاتب القسم آخر رد الردود
للمساعده من فضلكم yara408 دراســـات علمية و أطروحات للماجستير و الدكتوراة yara408 7





المسؤولون عن المنتدى | مواضيع اليوم(1) | مراسلة الإدارة

ضغط المنتدى Gzip : مُعطل
Powered By MySmartBB Royal 1.1.0 | إعداد و برمجة فريق MySmartBB
Css by vb-style.com
Developed By Bruce | Dev-ly.com
Share to Facebook Share to Twitter Stumble It More...